الجوع في السودان: فجوة غذاء أم فقدان للقدرة على الإنتاج والوصول إلى الغذاء؟

قراءة في ندوة التحالف الاقتصادي لقوى ثورة ديسمبر المجيدة حول الجوع — أكتوبر 2026

رصد؛ عمر سيد أحمد 

باحث في الاقتصاد السياسي السوداني وخبير مصرفي ومالي مستقل

أكتوبر 2026

 

نظم التحالف الاقتصادي لثورة ديسمبر المجيدة ندوة يوم 9 أكتوبر عبر تطبيق Zoom، قدّمها عضوا التحالف الدكتور حسام الدين حسن عباس والأستاذ كمال كرار.

يدخل السودان عامه الرابع من الحرب وهو يواجه واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث. فالحرب لم تكتفِ بحصد الأرواح بالسلاح، بل امتدت آثارها إلى الغذاء والدواء ومصادر الرزق، وصار الجوع وسوء التغذية تهديداً يومياً لحياة الملايين. وتشير تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) لعام 2026 إلى أن نحو 19.5 مليون سوداني يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بينهم نحو 135 ألفاً يعيشون مستويات كارثية من الحرمان الغذائي، ويُتوقع أن يصاب نحو 825 ألف طفل بسوء التغذية الحاد الوخيم خلال العام.

أما عدد من ماتوا فعلاً بسبب الجوع وسوء التغذية منذ اندلاع الحرب فلا تتوافر عنه إحصاءات وطنية موثوقة. وهذه مأساة أخرى في ذاتها، إذ يموت كثيرون بعيداً عن المستشفيات وأنظمة التسجيل، وتختلط الوفيات الناجمة عن الجوع بتلك الناتجة عن الأمراض وانهيار الرعاية الصحية.

من هذا الواقع انطلقت ندوة التحالف الاقتصادي لقوى ثورة ديسمبر المجيدة، وهو تجمّع يسعى إلى نهضة اقتصادية ترتكز على الزراعة والإنتاجية والأمن الغذائي، ويقوم برنامجه على حشد الموارد والثروات والطاقات الشعبية لإصلاح الاقتصاد الوطني إصلاحاً جذرياً، وتضمّه وثيقة «برنامج حشد الموارد الذاتية» المؤلفة من 14 ملفاً. وقد طرحت الندوة سؤالاً يتجاوز العناوين: هل نحن أمام فجوة غذائية، أم انعدام أمن غذائي، أم مجاعة؟ وهل المجاعة نتيجة نقص الغذاء، أم نتيجة فقدان الناس قدرتهم على إنتاجه والحصول عليه؟ ويلخّص هذا المقال ما قدمه المتحدثان: د. حسام الدين في تشخيص جغرافيا الأزمة وحجمها وأسبابها بالبيانات والخرائط، والأستاذ كمال كرار في جذورها الهيكلية وملامح البديل الاقتصادي.

ثلاثة مفاهيم لا ينبغي الخلط بينها

يستحضر النقاش ما خلص إليه الاقتصادي أمارتيا سن من أن المجاعات لا تنشأ بالضرورة من غياب الغذاء، بل من فقدان الناس قدرتهم الفعلية على الحصول عليه. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الجوع الناتج عن نقص الغذاء، والجوع الناتج عن الفقر وانهيار الدخل، والجوع الناجم عن الحصار والنزوح، فضلاً عن الجوع الخفي وسوء التغذية المزمن الذي يهدد مستقبل أجيال كاملة. فالفجوة الغذائية مفهوم يتعلق بالإنتاج، وانعدام الأمن الغذائي يتعلق بالقدرة على الحصول على الغذاء، أما المجاعة فهي المرحلة الخامسة والأخطر في تصنيف IPC. وتتداخل الثلاثة في السودان اليوم، لكنها لا تُعالَج بالأدوات نفسها.

انهيار الإنتاج الزراعي

تُظهر تقديرات الإنتاج المعروضة، المستندة إلى بيانات الفاو وتقديرات إحصائية، تراجعاً متواصلاً في محاصيل الغذاء الرئيسية (بالألف طن):

المحصول | متوسط 2020–2024 | 2024 | تقدير 2025 | تقدير 2026 | التغير 2026/2025

الذرة | 4,478 | 5,406 | 4,046 | 3,350 | -17.2%

الدخن | 1,240 | 793 | 768 | 650 | -15.4%

القمح | 543 | 490 | 434 | 410 | -5.5%

محاصيل أخرى | 69 | 50 | 55 | 50 | -9.1%

الإجمالي | 6,330 | 6,740 | 5,302 | 4,460 | -15.9%

المصدر: الفاو 2026 وتقديرات إحصائية. تقديرات 2026 تحليلية وليست أرقام حصاد نهائية، وبُنيت على مؤشرات الأمطار والإجهاد الزراعي والمساحات المزروعة والقيود المرتبطة بالنزاع.

وبحسب هذه التقديرات انخفض الإنتاج الإجمالي بنحو 21.3% في 2025 مقارنة بـ 2024، ويُتوقع أن ينخفض 15.9% إضافية في 2026، مع أن الذرة وحدها فقدت نحو 25.2% في 2025 ويُتوقع أن تفقد 17.2% في 2026. ويُشار إلى أن كردفان ودارفور خرجتا من الإنتاج الزراعي والحيواني.

ولا تبدو آفاق العروة القادمة أفضل. فالفترة العجفاء تمتد من مايو إلى سبتمبر من كل عام، ويبدأ التحضير للعروة الصيفية في مارس، ولا توجد شواهد جادة على تحضير لها في 2026 في ظل تدهور العملة وأزمة الوقود وغياب التمويل المحلي والخارجي.

جغرافيا الأزمة

تقدّر شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) أن ما بين 22 و22.99 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات غذائية إنسانية حتى سبتمبر. ويُتوقع أن تسود ظروف الطوارئ (المرحلة الرابعة من IPC) في شمال دارفور وأجزاء من وسطها وجنوبها وشرقها، ومعظم كردفان الكبرى، وولاية النيل الأزرق، بسبب النزوح الواسع وتعطل سبل العيش وعرقلة الوصول التجاري والإنساني. وقد تواجه بعض الأسر ظروف الكارثة (المرحلة الخامسة) في أم برو وكرنوي والطينة بشمال دارفور، والدلنج وكادوقلي ومحيط جبال النوبة في جنوب كردفان، والأبيض وما حولها في شمال كردفان، وبين بعض النازحين في دارفور وكردفان.

ويرى العرض أن ثمة خطراً حقيقياً وموثوقاً بحدوث مجاعة في سبع مناطق بشمال غرب دارفور ووسط شمالها، وفي مدينتي الدلنج وكادوقلي وريفهما في جنوب كردفان. ويواجه كثيرون عجزاً كبيراً إلى حاد في استهلاك الغذاء، وتقترب معدلات سوء التغذية الحاد من عتبة «الحرج للغاية» (30% فأكثر) أو تتجاوزها في بعض المناطق. وإذا تصاعد الصراع أو عادت الحصارات الشديدة فمن المرجح أن تتخطى مستويات الجوع والوفيات عتبات المجاعة. ويُرجَّح أن يستمر الخطر حتى يناير، وقد يخففه الحصاد في أجزاء من شمال دارفور، لكن شح الأمطار مع تصاعد القتال سيُبقيه قائماً.

وتتطابق خريطة الأزمة في معظمها مع خريطة القتال والنزوح: فالمناطق الأشد تضرراً هي مناطق الاشتباك والعمليات النشطة، وأغلبها في نطاق سيطرة قوات الدعم السريع، وإن ظهرت الأبيض بين المناطق المهددة. وقد ارتبط النزوح بالمجاعة وبفقدان الإنتاج معاً، وتتزامن الأزمة مع وتيرة الهجمات بالمسيّرات في مناطق الأزمات. وتعاني جنوب كردفان ودارفور من انهيار شبه كامل في سلاسل الإمداد، بينما تعمل المناطق الشمالية والشرقية بصورة طبيعية نسبياً.

غذاء موجود لا يُنال

أبرز ما يكشفه العرض أن الجوع لا يعود إلى تراجع الإنتاج وحده، بل إلى التضخم الذي يرفع معدلات الفقر. فقد ارتفعت أسعار الذرة بنحو 300% خلال عام واحد دون ارتفاع مقابل في الدخول، ففقد المواطنون قدرتهم الشرائية. وتزيد البوابات الجبائية الأمر سوءاً: ففي دارفور نحو 70 نقطة تحصيل ترهق سلاسل الإمداد، وتدفع الشاحنة الواحدة نحو 5 مليارات جنيه لإيصال المواد الغذائية. ويتبادل الطرفان المتحاربان الاتهام بقصف قوافل الإغاثة، ما يعمّق أزمة الثقة ويعيق وصول المساعدات.

وللأزمة بُعد جنساني تناولته مداخلة في النقاش: فالأسر التي تعولها نساء أكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي بثلاثة أضعاف وفق تقارير الأمم المتحدة، والنساء يضحّين بحصصهن لصالح أطفالهن، وأكثر من 1.2 مليون امرأة حامل ومرضع يعانين سوء تغذية حاداً، بينما يتشابك الجوع مع النزوح والعنف الجنسي. غير أن البيانات والحلول المطروحة تفتقر إلى التصنيف وفق النوع الاجتماعي، وهي ثغرة ينبغي معالجتها.

المناخ عامل مستقل

يضاف إلى الحرب عامل خارجي هو التغير المناخي. فقد تراجع معدل الهطول في 2026 بنسبة 30–40% مقارنة بـ 2025، وبلغ في أغسطس 2026 نحو 9 ملم مقابل 32.5 ملم في 2025، أي أقل بنحو 17 ملم من المتوسط. وثمة اتجاه عام لانخفاض الأمطار منذ خمسينيات القرن الماضي، مصحوباً بارتفاع في درجات الحرارة بنحو درجتين مئويتين، ما يؤثر على جودة المحاصيل وأنواعها. وحتى لو توقفت الحرب فسيبقى المناخ تحدياً مستقلاً يستلزم حلولاً هيكلية، كالري والسدود وتحسين التقاوي.

تُعدّ ولايتا شمال دارفور وشمال كردفان الأكثر عرضة لفشل الموسم الزراعي لهذا العام 2026، وبالتالي لنُذُر المجاعة، يليهما أجزاء من ولايات النيل الأبيض وغرب كردفان وسنار والنيل الأزرق. ويعود ذلك إلى الانقطاع المبكر للأمطار في مرحلتي الإزهار والإثمار، ما تسبب في جفاف المحاصيل الغذائية الرئيسية في تلك الولايات، وهي الذرة الرفيعة والدخن، إضافة إلى المحاصيل النقدية كالفول السوداني والسمسم الأحمر والكركدي وحب البطيخ. وقبل هطول الأمطار عانت هذه المناطق من ارتفاع أسعار التقاوي والأسمدة، إضافة إلى تداعيات الحرب المستمرة وعدم استقرار المزارعين في مناطق الزراعة. كما أسهم وجود عملتين، إحداهما في مناطق سيطرة الجيش والأخرى في مناطق سيطرة الدعم السريع، إسهاماً كبيراً في توقف التبادل التجاري بين المنطقتين بيعاً وشراءً لمستلزمات الموسم الزراعي.

وينسحب فشل الموسم الزراعي على قطاع الإنتاج الحيواني في تلك المناطق، لافتقارها إلى المراعي التي يعتمد عليها مربو المواشي، ولجفاف الحفائر التي يعتمد عليها الإنسان والحيوان مصدراً لمياه الشرب. وقد يضطرهم ذلك إلى التوجه جنوباً حيث المراعي والمياه، ما قد يتسبب في نزاعات بين الرعاة وأصحاب المزارع في الجنوب، وتنشأ بذلك بؤر صراع جديدة حول المراعي والمياه، إضافة إلى الحرب الدائرة أصلاً في تلك المناطق.

أزمة التعهدات

تحتاج الاستجابة للأزمة الغذائية السودانية إلى نحو 2.8 مليار دولار، لم يُوفَّر منها سوى 41%، أي إن العجز في التعهدات يقارب 60%. ولا يكفي هذا التمويل الجزئي إلا لتغطية نحو 5 ملايين شخص. ويرى المتحدثان أن السودان في ذيل أولويات المجتمع الدولي، إذا قورنت ميزانياته واهتمامه وفعله بما يخص الأزمتين الفلسطينية والأوكرانية، رغم فداحة الأرقام.

الجذور الهيكلية: ليست ندرة موارد

ارتبط السودان منذ الاستقلال بثالوث الفقر والجهل والمرض رغم موارده الوفيرة. ويرى الأستاذ كمال كرار أن المشكلة لم تكن ندرة الموارد بل طبيعة الدولة وسياساتها الاقتصادية، ويوجز الأسباب في خمسة:

  • اقتصاد صُمّم للتصدير: إرث استعماري يصدّر الخام، والقطن أولاً، دون تصنيع ولا سلاسل قيمة محلية، مع تركّز الاستثمار الزراعي في المشروعات المروية والآلية وإهمال القطاع التقليدي الذي يعيش منه معظم الناس.
  • الحروب وعدم الاستقرار: استنزفت المالية العامة، وشرّدت السكان، ودمّرت البنية الإنتاجية، و حوّلت الإنفاق من التعليم والصحة والمياه إلى الحرب والأمن.
  • التبعية الرأسمالية وغياب العدالة في توزيع الثروة والتنمية، وبرامج صندوق النقد والبنك الدوليين نموذج لها.
  • ضعف المؤسسات والفساد وغياب الشفافية.
  • الحرب واقتصاد الحرب.

وحصيلة ذلك بطالة وفقر وجوع، وعجز في الموازنة وتمويل بالعجز، وتضخم وتعدد في أسعار الصرف، وضعف في الادخار والاستثمار، واعتماد مفرط على تصدير المواد الخام. ومن الشواهد التي عُرضت أن الميزانية المعلنة لا تعكس حجم الإنفاق الحقيقي، إذ تعمل شركات عسكرية وأمنية بميزانيات موازية خارج الرقابة المالية، وتُقدَّر تكلفة الحرب في دارفور وحدها بنحو 5 ملايين دولار يومياً تُصرف خارج الموازنة العامة.

ويبرز الذهب مثالاً على نزيف الثروة: فقد هُرّب نحو 48% من إنتاج 2024 خارج القنوات الرسمية، وسُجّل رسمياً 12 طناً فقط من إنتاج 2025 البالغ نحو 80 طناً. ويرى المتحدث أن المشكلة ليست في مجهولية المصدّرين، فنظام IMX يربط كل عملية تصدير بالرقم الوطني للمصدِّر، بل في ضعف إنفاذ القانون وانتقائيته، وفي كيانات مرتبطة بالقوات المسلحة (عبر منظومة الصناعات الدفاعية) وبقوات الدعم السريع (عبر شركة الجنيد) تدير احتكارات اقتصادية بعيداً عن الرقابة.

الحلول وتحديات الحلول

وقف الحرب أولاً، لكن كيف؟ لا شك أن وقف الحرب بداية الحل لمشكلة الفجوة الغذائية والمجاعة. غير أن السؤال الإشكالي هو كيف ستتوقف: بضغط شعبي في كل السودان، أم بعقوبات، أم باجتياح عسكري؟

إن طال النزاع. في مناطق سيطرة الجيش ضعف في الحوكمة وفشل في تمويل الإنتاج الزراعي والصناعي، ومن ثم في مكافحة الفقر والجوع، وفشل في إدارة اقتصاد الحرب، وتنساب الإغاثة عبر ميناء بورتسودان، وقد صادفت عودة النازحين عدم استعداد الحكومة لتوفير الخدمات ووسائل الإنتاج. أما في مناطق سيطرة الدعم السريع فالوضع أسوأ بكل المقاييس: فبعض المستهدفين خارج السودان في تشاد، أي تحت إدارة دولة أخرى، وآخرون في جبل مرة، وتعيش المدن الكبرى على سلاسل إمداد من تشاد ونيالا والجنينة وتلس وكاس، مع نشاط زراعي محدود وصادرات إلى تشاد وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى.

انتقائية المجتمع الدولي. يرى العرض أن الأزمة السودانية ليست على قائمة اهتمام المجتمع الدولي، وأن ثمة انتقائية في تشخيص مكان الأزمة ومقدارها ومسبباتها. فمن جهة، ترتفع مطالبات في مناطق سيطرة الجيش بإيقاف الحرب باعتبارها سبب الأزمات الإنسانية في مناطق سيطرة الدعم السريع، دون خطاب موازٍ يخاطب المقيمين في مناطق الدعم السريع. ومن جهة أخرى، يقال إن أي هدنة إنسانية استُغلت للإمداد العسكري، ولا ثقة في الأمم المتحدة والمنظمات العاملة في الإغاثة.

وفي مواجهة ذلك طُرحت حلول على مستويات مختلفة:

  • حلول فورية: مبادرة إغاثة شعبية بحملات تبرع شهرية بالغذاء العيني تصل إلى نيالا وغيرها دون انتظار نهاية الحرب، ودعم التعاونيات الزراعية في الجزيرة والمناطق الآمنة كنماذج قابلة للتوسع، وتعزيز التكايا والعمل الطوعي الذي تقوم به منظمات مثل «صدقات» التي تدعم الإنتاج والتعليم والعلاج عبر السودانيين في الخارج، و«سابا» المتخصصة في الصحة وتعمل في مناطق الطرفين، وأطباء بلا حدود. ويحتاج العمل التعاوني إلى تنظيم وثقة وحوكمة وتمويل وسياسات مصرفية داعمة.
  • حلول مؤسسية: استبدال العقوبات الإدارية على تهريب الذهب بمسؤولية جنائية واضحة تحوّل ضمانات التصدير تلقائياً إلى قضايا تخريب اقتصادي، واستقلال البنك المركزي عن التدخل السياسي، وتأسيس شركات مساهمة عامة مدنية سيادية لتصدير الذهب والصمغ تحت رقابة برلمانية بعيداً عن أي جهة عسكرية، وولاية وزارة المالية على المال العام كاملاً لتوجيه الإنفاق نحو التنمية بدلاً من الجباية.
  • نموذج اقتصادي بديل: اقتصاد مختلط (عام وخاص وتعاوني) في إطار خطة تُصاغ بمشاركة شعبية عبر الأحزاب والنقابات ولجان المقاومة، مع أولوية للإنتاج الزراعي والصناعة التحويلية وتحويل الخام إلى قيمة مضافة محلية، وخفض تكلفة الإنتاج بتوفير التعليم والعلاج المجانيين على غرار النموذج الصيني، وإشراك النقابات في صياغة قوانين العمل والزراعة.
  • الديون الخارجية: يرى المتحدث أن السودان مستحق لإعفاء من الديون بلا شروط بموجب الثورة التي أطاحت بالنظام المتسبب فيها، وأن الحكومة الانتقالية قبلت شروطاً مجحفة، منها دفع 350 مليون دولار تعويضات عن المدمرة كول والسفارتين، وأن السودان تلقى 200 مليون دولار فقط من المؤسسات الدولية مقارنة بـ 18 مليار لمصر و36 مليار للأرجنتين في إطار إصلاحات مماثلة. والموقف المطروح: قبول جدولة الديون بلا شروط فقط، وإلا الاعتماد على حشد الموارد الذاتية، وهي الفكرة التي يقوم عليها «برنامج حشد الموارد الذاتية» للتحالف.

غير أن لهذه الحلول تحدياتها، وهو ما يسميه العرض «تحديات في الحلول». فالأزمة معقدة، ولا يمكن فصل مسببات المجاعة والفجوة الغذائية عن التشظي السياسي المدني والنزاع العسكري. ولا يمكن تخيّل استقرار سياسي مع وجود مستقل للدعم السريع في مسارات الرباعية. ويدل النزاع الأثيوبي واتفاقية جوبا على فشل اتفاقيات السلام في المنطقة ما دامت تحاصص السلطة. وتحتاج آليات وقف النزاع إلى تمويل ومراقبة وإرادة سياسية دولية وإقليمية، وهي شروط غير متوفرة لتضارب المصالح وتداخل أجندات السيادة والهيمنة والأمن الإقليمي. أما التدخل العسكري الذي تسعى إليه بعض القوى المدنية فلن يجدي، وقد جُرّب في العراق وأفغانستان، وسيكون بمثابة مضادات حيوية داخل الجسد السوداني تفاقم الأزمة. كما أن برنامج الحد الأدنى بين القوى المدنية يواجه تحديات تجعل حدوثه واستقراره شبه مستحيلين.

 

أسئلة مفتوحة

أبقت الندوة عدداً من الأسئلة مفتوحة للنقاش والمتابعة:

  • كيف يمكن ضمان الالتزام بأي برنامج اقتصادي بعد أي تغيير سياسي، في ظل تاريخ من نقض الاتفاقيات من برنامج الحرية والتغيير إلى اتفاقية جوبا؟
  • هل يمكن تطبيق الحلول الاقتصادية في مناطق سيطرة الدعم السريع بالفاعلية نفسها المتاحة في مناطق الجيش؟
  • ما آليات وقف استخدام التجويع سلاحاً في ظل غياب ثقة الطرفين بالمنظمات الدولية وقوافل الإغاثة؟
  • هل الرباعية الدولية قادرة على تقديم حل فعلي، أم أن تضارب مصالح الدول الأعضاء في مجلس الأمن يجعل ذلك مستحيلاً؟
  • ما الإجراءات العملية لحماية الحق في الغذاء كحق قانوني وفق المادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في سياق الحرب؟
  • كيف يمكن مواجهة التغير المناخي زراعياً، بتحسين التقاوي ومد قنوات الري من النيل، حتى في حالة توقف الحرب؟

خاتمة

خلاصة الندوة أن المجاعة في السودان ليست أزمة غذاء فحسب، بل أزمة حرب واقتصاد وحكم وعدالة في توزيع الموارد. فبلد يمتلك موارد زراعية وحيوانية هائلة يعجز فيه ملايين المواطنين عن الحصول على الغذاء، لأن الحرب دمّرت الإنتاج وشرّدت المنتجين وعطّلت الأسواق وطرق النقل وانهارت معها الدخول والقوة الشرائية. والمواجهة لا يمكن أن تقتصر على توزيع المساعدات، على ضرورتها العاجلة لإنقاذ الأرواح، بل تتطلب وقف الحرب وفتح الممرات الإنسانية واستعادة الإنتاج الزراعي وإحياء الأسواق وسبل كسب العيش وإعادة بناء مؤسسات الدولة الاقتصادية والخدمية.

وإذا كان وقف الموت بالسلاح ضرورة عاجلة، فإن وقف الموت بالجوع لا يقل عنه إلحاحاً. وللمتابعة، يعتزم التحالف نشر وثيقة «برنامج حشد الموارد الذاتية» (14 ملفاً) لتوسيع قاعدة النقاش، وتنظيم ندوات متسلسلة تناقش ملفين منها في كل جلسة.

المصادر

  • المنظمة الدولية للهجرة، مصفوفة تتبع النزوح (DTM) – السودان: dtm.iom.int/sudan
  • ICPAC، رصد المناخ الشهري: المناخ المرصود لشهر يونيو 2026
  • FEWS NET، تحديث توقعات الأمن الغذائي – السودان، أبريل 2026
  • التحالف الاقتصادي لقوى ثورة ديسمبر المجيدة، «مكافحة المجاعة المرتقبة في السودان»، مايو 2024
  • الفاو (FAO)، النظام العالمي للمعلومات والإنذار المبكر (GIEWS) – ملخص السودان
  • The Guardian، معرض صور دارفور، فبراير 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى