أربعة أعوام من الحرب رحلة عمرٍ بين النزوح واللجوء

رضوان بلال

لم أكن سائحاً يبحث عن المتعة، ولا مسافراً يطارد الدهشة في مدن العالم. كنت نازحاً ولاجئاً، أبحث عن الأمان، وعن مكانٍ أستطيع أن ألتقط فيه أنفاسي، وأشعر فيه أن الحياة ما زالت ممكنة.

بدأت رحلة النزوح من المناقل، ثم ربك، فجبل موية، وسنار، وسنجة، والقضارف، وكسلا، وتسني، وأسمرا. ثم عدت بالطريق نفسه إلى القضارف، ومنها إلى بورتسودان، قبل أن أعود مرة أخرى إلى القضارف.

ومن هناك بدأت رحلة لجوء أخرى: عطبرة، الدامر، دنقلا، المثلث، الكفرة، أجدابيا، سرت، مصراتة، طرابلس، ورقدالين.

ثم رحلة لجوء جديدة: بنغازي، القاهرة، عنتيبي، كمبالا، بيالي.

ومن بيالي إلى جدة، وينبع، والمدينة المنورة، ثم العودة إلى عنتيبي وكمبالا، ومنها إلى نيروبي، ثم جدة مرة أخرى، وغداً بإذن الله إلى الرياض.

هذه ليست قائمة مدن زرتها، ولا حكاية مسافر جمع الأختام في جوازه. هذه محطات من عمرٍ تفرّق بين المطارات والحدود ومحطات الانتظار، ومن قلبٍ أنهكه البحث عن الاستقرار.

في مطار عنتيبي، أُعيدت رحلتي مرتين. في المرة الأولى كنت في طريقي إلى الرياض، لكن ظروف الإيبولا أوقفت الرحلة وأعادتني من حيث جئت. وفي المرة الثانية كانت وجهتي أديس أبابا، لكن عدم وجود تذكرة عودة أعادني إلى نقطة البداية مرة أخرى.

حتى المطارات التي يمر بها الناس عابرين نحو وجهاتهم، أصبحت بالنسبة لي أماكن تختبر قدرتي على الاحتمال، وتعلّمني أن الوصول ليس دائماً نهاية الطريق، وأنك قد تحمل تذكرتك وأملك وأحلامك، ثم تجد نفسك مضطراً إلى البدء من جديد.

أربعة أعوام من الحرب سرقت مني الكثير. لم أفقد البيوت والأماكن المألوفة وحدها، بل فقدت شيئاً من عمري، ومن إحساسي بالحياة، ومن قدرتي على الفرح والدهشة.

صرت أصل إلى المدن فلا أشعر بمتعة الوصول، وأغادرها دون أن أشعر بمرارة الرحيل كما كنت أفعل من قبل. تتشابه الطرق، وتتكرر المطارات، وتصبح المسافات مجرد أرقام، بينما يظل السؤال واحداً: إلى أين هذه المرة؟ وهل يمكن أن تكون المحطة القادمة مكاناً للاستقرار، لا مجرد استراحة قبل رحلة أخرى؟

والأشد إيلاماً أن العمر يمضي، وأن كثيراً ممن أحبهم رحلوا عن هذه الدنيا خلال هذه السنوات. غادروا دون أن تتاح لنا فرصة اللقاء كما تمنينا، ودون أن نعرف متى تنتهي هذه الحرب، ومتى نعود إلى حياة يمكن فيها للإنسان أن يطمئن على أهله وأصدقائه، وأن يخطط للغد دون أن يخشى أن يسرق منه الطريق كل شيء.

أحياناً أشعر أنني لم أفقد سنوات من العمر فحسب، بل فقدت معها أجزاءً من نفسي. ذلك الإنسان الذي كان يفرح بالوصول، ويندهش من الأماكن الجديدة، ويحلم بما سيأتي، صار أكثر تعباً وأقل قدرة على الاحتفاء بالحياة.

غداً إلى الرياض، محطة أخرى في رحلة لم أختر بدايتها، ولا أعرف أين تنتهي.

لكنني أكتب هذه الكلمات لا لأشكو السفر، ولا لأحصي ما مررت به، بل لأقول إن وراء كل نازح ولاجئ حكاية لا تظهر في جواز السفر، وأوجاعاً لا تسجلها أختام الحدود، وأعماراً تمضي في انتظار يومٍ عادي، يوم لا يحتاج فيه الإنسان إلى التفكير في وجهته القادمة، لأنه ببساطة وجد مكاناً آمناً يستطيع أن يسميه بيته.

أربعة أعوام من الحرب وما زلنا نحاول أن ننجو، لا أن نعيش كما ينبغي للحياة أن تُعاش.

اللهم أوقف هذه الحرب، وارحم من رحلوا، واحفظ من تبقوا، وردّنا إلى أهلنا وديارنا سالمين، فقد تعبنا من الرحيل، واشتقنا إلي حياة لا نضطر فيها إلى البدء من الصفر كلما ظننا أننا وصلنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى