يوم طويل في حياة اللاجئة “فاطمة الصادق” لم ينتهِ بعد

بيالي، أوغندا – سمر سليمان

لم تكن فاطمة الصادق حارن تعرف أن خروجها من منزلها في (جبل أولياء) سيقودها إلى لجوء لأربع سنوات تواجه فيها الألم والانتظار ووحشة الفقدان.

في ذلك اليوم من أيام الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، كانت فاطمة داخل منزلها تستعد للخروج عندما سقطت قذيفة على البيت.

كانت جبل أولياء في ذلك الوقت منطقة عمليات عسكرية كثيفة، لذا لم تمنح القذيفة أفراد أسرة فاطمة وقتًا للنجاة، وفي لحظات أصيب 14 شخصًا من أفراد الأسرة، بينهم فاطمة نفسها وابنتها وإخوانها وبعض أبناء عمومتها. لم تخلف القذيفة جرحًا في جسد فاطمة وحده، لقد فقدت اثنين من إخوتها، واختفى زوجها، ولا تزال تجهل اليوم ما إذا كان حيًّا أم ميتًا. وكذلك لا تعرف مصير زوج شقيقتها وطفليه.

ساق مكسورة وسنوات من الوجع

أصيبت ساق فاطمة الأيمن بكسر كبير وفقدت جزءًا من العظم والمفصل، كان الأطباء قد قرروا حاجة فاطمة إلى عملية جراحية، لكن تكلفة العملية، بحسب ما تقول، تبلغ 3 ملايين و600 ألف شلن أوغندي، وهو مبلغ لا تستطيع الأسرة توفيره.

منذ ذلك اليوم ولأربع سنوات تحمل فاطمة ألمًا، وما زال العلاج مؤجلًا، فيما يزداد خوفها من أن يصبح ما يمكن علاجه اليوم أكثر صعوبة مع مرور الوقت. تقول فاطمة: “لي أربعة سنوات تقريبًا بعاني من الوجع والألم وما لاقية العلاج.. العلاج مكلف ونحن حالنا صعب”.

لم يكن النزوح دخل السودان نهاية الألم، فقد اضطرتها الظروف المناخية والرطوبة إلى اللجوء إلى من معسكر بيالي في أوغندا بحثًا عن مكان أفضل. لكن الوصول إلى بيالي حمل شكلًا آخر من المعانا الجديدة.

تقول فاطمة: “استأجرنا منزلًا إلا أن قدرتنا على دفع الإيجار لم تعد موجودة.. الطعام يحتاج إلى مال، والعلاج يحتاج إلى مال، والأطفال يحتاجون إلى التعليم، وأنا نفسي أحتاج إلى سرير أستطيع أن أمد عليه ساقي المصابة”.

وتضيف: “رحلنا من معسكر بيالي عشان الرطوبة كانت مؤثرة في الجرح. هسه بقينا في بيت إيجار وما قادرين ندفع القروش وما قادرة أعلم بنتي ولا أولاد أختي، وحتى المعيشة صعبة علينا”.

العلاج أمنية

قبل أيام حاولت فاطمة البحث عن بصيص أمل، أرسلت صور الأشعة إلى طبيب عبر خدمة واتساب وتنتظر أن يخبرها الطبيب بما يمكن فعله بعد سنوات من الألم، لكن تعليق الطبيب زاد خوفها بدلًا من أن يطمئنها. تقول إن الطبيب أخبرها بأن ساقها تأخرت كثيرًا وأنها أصبحت في حالة نشاف مما يصعب علاجها.

كانت فاطمة تتمنى أن تكون الإصابة مجرد مرحلة عابرة وأن تعود إلى حياتها بعد العلاج، لكنها اليوم تجد نفسها بعد أربع سنوات ما زالت تحمل الألم نفسه، ومعه فقدان إخوتها وغياب زوجها ومسؤولية طفلة وأسرة لا تملك ما يكفيها.

 

أطفال يفترشون الأرض

في المنزل الذي تعيش فيه فاطمة أصبحت أبسط الأشياء عبئًا ثقيلًا، الأطفال يفترشون الأرض للنوم وتجد الأسرة نفسها عاجزة عن توفير الضروريات، ولا تتحدث فاطمة عن رفاهية أو حياة أفضل، كل ما تريده هو العلاج وسقف آمن، طعام لأطفالها، ومدرسة لابنتها وأبناء شقيقتها. ووسط كل هذا الألم يبقى السؤال الأصعب: أين زوجها؟

أربع سنوات مرت ولا تزال فاطمة تنتظر خبرًا واحدًا يضع حدًا لهذا الانتظار. ابنتها كبرت بعيدًا عن والدها ودون أن تعرف الأسرة إن كان سيعود يومًا أم أن عليها أن تتعلم كيف تعيش من دونه. تقول: “بتي اتحرمت من أبوها وما لاقين أي خبر عنه ما عارفين إذا حي ولا ميت. وأختي زوجها وولدينها مفقودين”.

رغم سنوات النزوح والألم، لا تزال فاطمة تحمل حنينًا إلى السودان وإلى البيت الذي خرجت منه ولم تعد إليه. تريد للحرب أن تتوقف وأن تعود وأن تجد فرصة لعلاج ساقها وأن تستطيع ابنتها وأبناء شقيقتها العودة إلى مقاعد الدراسة.

بالنسبة لفاطمة لم تعد الحرب مجرد ذكرى مؤلمة، هي ساق لم تعالج وزوج غائب لا تعرف مصيره وإخوة فقدتهم وأطفال يفترشون الأرض وإيجار منزل لا تستطيع دفعه وتعليم لم تعد قادرة على توفيره. أربع سنوات مرت منذ أن سقطت القذيفة على المنزل، لكن بالنسبة لفاطمة فإن ذلك اليوم لم ينتهِ بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى