داليا الروبي:  أنا محظوظة بأسرة داعمة

“لازم تتغير فكرة أنو كل البيدخل المجال العام لازم يقبل بالتشهير والترهيب“

 “خطاب الكراهية السائد لا يرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي. هو انعكاس لمشكلات أعمق داخل المجتمع السوداني“

منذ عدة سنوات تنشط الإعلامية داليا الروبي في المجال الإعلامي والسياسي، وقد شغلت منصب المستشارة الإعلامية لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك إبان حكومة ثورة ديسمبر 2018، والآن تدير منصة (نوّار ميديا).

في هذه المقابلة توجه الروبي نقدها لخطاب الكراهية وتطرح رؤيتها في أهمية التعقب القانوني للانتهاكات التي تطال الأفراد على الإنترنت، خصوصًا الصحفيات والناشطات، وتقول إن “الفضاء الرقمي ليس مساحة بلا قانون، وحرية التعبير لا تعطي الحق في التشهير بالناس أو تهديدهم أو مس كرامتهم وسمعتهم“.

 

داليا الروبي، كنتِ ولا تزالين من أكثر الإعلاميات السودانيات تعرضًا لخطاب الكراهية والشائعات والمعلومات المغلوطة. كيف أثرت هذه الحملات على حياتك الشخصية وعلى علاقتك بالإعلام والجمهور؟

زي كتير من النساء والرجال المتمسكين بقناعاتهم وقيمهم ومبادئهم، كان لا بد إني أتعامل مع تبعات حملات التشهير والإساءة الاستهدفتني وبتستهدف غيري، وبالطبع كان عندها أثر، بشكل أو بآخر، على حياتي الشخصية وعلى أسرتي.

لكن أنا وجدت طريقتي في الاستمرار والتمسك بكل المؤمنة بيهو، وممارسة حقي في التعبير عن مواقفي، من غير ما أضطر للانخراط بطريقة مباشرة مع الجمهور أو الظهور في وسائل الإعلام. طريقتي كانت من خلال عملي في «نُوّار ميديا»، إلى جانب شريكة (عزة هاشم) وفريق رائعين أعتز بالعمل معهم جدًا ومواصلين مع بعض إنتاج محتوى إعلامي يسلط الضوء على كل البنؤمن بأنه مهم للسودان: السلام والتعايش السلمي، العدالة والحقوق، والحرية والحكم المدني والتحول الديمقراطي.

الحملات دي لم ولن تثنيني عن التزامي تجاه السودان. لكن استمراري في العمل ما بيعني إني أقبل البيحصل أو أتعامل معه باعتباره أمرًا طبيعيًا. حأواصل في الدفاع عن قناعاتي، وبرضه حأواصل في الدفاع عن حقي في حماية نفسي من التشهير والإساءة والأذى المتعمد.

عندما تتحول المعلومة الكاذبة أو الشائعة إلى خطاب كراهية تتناقله المنصات ويصدقه البعض، كيف كنتِ تتعاملين معها؟ هل كنتِ تواجهينها مباشرة، أم تفضلين الصمت وترك الوقت والحقيقة يردان عليها؟

أواجهها بأني استمر فيما أفعله. ففي مرات كتيرة بتكون حملات التشهير من النوع ده مؤشرًا على أنه البنقدمه بيزعج جهة ما، أو بيتحدى مصالحها. واستمرار أعداء السلام والحكم المدني في اللجوء لهذه الأساليب يعني بالنسبة لي أنهم حاسين بأنه في من يتحدى خطابهم ومشروعهم.

وقلة ظهوري في الفضاء الإعلامي العام ما مفروض تتفسر على أنه صمت، لأنه «نُوّار» أثبتت مرارًا أن عندنا صوت وأننا ماحنسمح لحملات التشويه والترهيب إنها تدفعنا للتخلي عن حقيقتنا أو مبادئنا.

وفي الوقت نفسه، في فرق بين أني أرفض استنزاف نفسي في الرد على كل إساءة، وبين أني أسمح بأنه الممارسات دي تمر من غير مواجهة. فلما تتجاوز المعلومات المضللة حدودها وتصبح تشهيرًا أو خطاب كراهية أو أذى يعاقب عليه القانون، عندها أؤمن بأنه المساءلة تصبح ضرورية.

تعرضتِ خلال مسيرتك لمحاولات متكررة للنيل من صورتك وسمعتك، بعضها تجاوز النقد المهني إلى ما يشبه اغتيال الشخصية؛ ما الذي كان أصعب عليكِ: الكلام الذي قيل عنك، أم رؤية أشخاص تعرفينهم يصدقونه أو يشاركون في ترويجه؟

أظن أنه خيبة الأمل الأكبر بتحصل من رؤية أشخاص، سواءً كانوا من البنعرفهم شخصيًا أو مجرد مواطنين سودانيين زينا، بيصدقوا الأكاذيب وخطاب الكراهية، وبيعيدوا نشرهم، بل وأحيانًا بيحتشدوا حولهم.

بالنسبة لي، المسألة هنا بتتجاوز البيتقال عن شخص بعينه. هي بتكشف عن مشكلة أكبر بكثير، وبتمثل عقبة في طريق رحلتنا الجماعية نحو سودان عادل وحر وآمن ينعم بالسلام.

لكن خيبة الأمل ما بتعني الهزيمة، وما حتمنعنا أبدًا من مواصلة العمل والالتزامات الأخذناها على عاتقنا من أجل وطننا الحبيب، السودان.

كيف استطعتِ النجاة نفسيًا وإنسانيًا من هذا النوع من الاستهداف؟ هل كان لكِ أمر محدد هو الملاذ، أم أن هناك أشخاصًا أو قناعات أو تجارب ساعدتك على ألا تسمحي لخطاب الكراهية بأن يغيّر صورتك عن نفسك؟

أنا محظوظة بأسرة داعمة، ودائرة قريبة قوية، ومجتمع مدني أوسع أظهر قدرًا كبيرًا من الصمود والإصرار خلال هذه الرحلة الصعبة والمهمة من أجل السودان. وهم مدركين أنه الأمر ما بيتعلق بي كشخص فقط، وأنه النوع ده من الاستهداف أصبح، للأسف، يُقدَّم وكأنه «ثمن الحياة العامة» في السودان.

وده تحديدًا الأنا رافضة إني أطبع أو أتعامل معه باعتباره أمرًا طبيعيًا.

فكرة أن كل البيدخل المجال العام لازم يقبل بالتشهير والترهيب وانتهاك كرامته، تم استخدامها طويلًا كأداة لإسكات الأصوات وتثبيط أصحاب المواقف المعارضة في السودان. والعقلية دي لازم تتغير.

هناك قوانين وتشريعات وأدوات مجتمعية يمكن من خلالها مواجهة التشهير وحملات خطاب الكراهية. وأنا ملتزمة بأني أكون جزءًا من جهد أوسع ما بيهدف بس لمكافحة التضليل والتشهير، وإنما أيضًا لتغيير الفكرة السائدة بأنه الحياة العامة بلا حدود أو مسؤولية أو مساءلة.

الحرية تأتي معها المسؤولية والمساءلة. وأنا بطبق المبادئ دي على حياتي وعملي، وبتوقع الأمر نفسه من الآخرين. ما مفروض أي إنسان يتنازل عن كرامته أو حقوقه لمجرد أنه اختار أنه يكون جزءًا من العمل العام.

بعد كل ما تعرضتِ له، ماذا ترك خطاب الكراهية في داخلك؟ هل جعلك أكثر حذرًا وانغلاقًا، أم أكثر قوة وتصالحًا مع نفسك؟ وماذا تقولين اليوم لمن يكتب أو ينشر معلومة عن إنسان دون أن يعرف حجم الأذى الذي يمكن أن تسببه كلمة واحدة؟

بالنسبة لي، خطاب الكراهية ليس مجرد ظاهرة مرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي أو بسلوك أفراد. بل هو انعكاس لمشكلات أعمق داخل المجتمع السوداني، ولصراعات ومظالم اتراكمت عبر تاريخنا وظللنا، مرارًا، نتجنب مواجهتها أو نضعها تحت السجادة.

على مدى عقود، أنكرنا في كثير من الأحيان عمق المشكلات دي، وطمأنّا أنفسنا بترديد جملة إننا «شعب طيب». وبالتأكيد هناك الكثير من الطيبة في مجتمعاتنا، لكن لا بد إننا نمتلك الشجاعة لمواجهة الحقائق التانية الموجودة إلى جانب هذه الطيبة.

خطاب الكراهية جزء من مشكلة أكبر بكثير. فالتفاوتات التاريخية والمستمرة، والعنف المارسته الدولة السودانية عبر مراحل مختلفة، تركت آثارها على التعليم، وتوزيع الموارد والسلطة، والخطاب والتطرف الديني، والثقافة والفنون. وعشان كده خطاب الكراهية واحد من إشارات إنذار عديدة بتورينا إننا لازم ما نكتفي بمعالجة أعراض أزمة السودان، بل نبحث أيضًا في جذورها. والمراجعة دي من المفترض أنها تبدأ من أنفسنا، وتمتد لبنية الدولة السودانية وممارساتها منذ نشأتها.

ما حنقدر نعالج خطاب الكراهية بصورة حقيقية من خلال حملات وسائل التواصل الاجتماعي أو القوانين وحدها. التغيير لا بد أنه يحدث أيضًا في دولتنا وحكوماتنا، وثقافتنا، وبيوتنا، ومجتمعاتنا. فمن غير حرية وسلام وعدالة حقيقيين، سيظل خطاب الكراهية يلاحقنا، لأنه المظالم الما بتلقى حل، والظلم المتراكم، بيولدوا الغضب والكراهية، وفي نهاية المطاف مزيدًا من العنف.

وعشان كده بقول لكل البيكتب أو بيكرر أو بينشر كلام مؤذٍ عن إنسان آخر: الكلمات عندها عواقب. وحرية التعبير ما بتلغي المسؤولية عن العواقب دي. قبل ما تنشر أي شيء، اسأل نفسك: هل هو صحيح؟ ليه بتنشره؟ وشنو حجم الأذى الممكن أساهم فيه؟ لا يمكن لمجتمع أنه يطالب بالحرية والسلام والعدالة، وفي الوقت نفسه يتخلى عن المسؤولية والإنسانية في الطريقة البيتحدث بيها عن الآخر.

مؤخرًا كانت لديك قضية في المحكمة تم تداولها، ما حيثياتها وما الحكم القضائي الذي تم فيها؟

بدأت القضية بعد نشر محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي استخدم فيه المتهم اسمي وصورتي واسم شركتي، ووجّه لي اتهامات خطيرة تمس سمعتي الشخصية والمهنية، من بينها اتهامات بالخيانة وتلقي أموال من جهات أجنبية للعمل ضد مصالح وسيادة السودان، بالإضافة إلى عبارات مسيئة تمس الشرف والاعتبار.

ومع إنو دي ما أول مرة أواجه فيها ادعاءات وحملات من النوع ده، المرة دي قررت ما أتعامل معاها باعتبارها مجرد إساءة على السوشيال ميديا وأسكت عنها، وإنما ألجأ للقانون وأقدم بلاغًا رسميًا. كان ذلك في الإمارات. وبعد التحقيق والمحاكمة، أدانت المحكمة المتهم بعدة جرائم مرتبطة بالإساءة والتشهير عبر وسائل تقنية المعلومات، والاعتداء على الخصوصية بقصد الإضرار، ونشر محتوى من شأنه إثارة خطاب الكراهية والإخلال بالأمن والنظام العام. وصدر بحقه حكم بالحبس لمدة ستة أشهر، مع الاكتفاء بالمدة التي قضاها في الحجز رهن التحقيق (٤ أشهر)، بالإضافة إلى الغرامة والإبعاد النهائي عن دولة الإمارات.

بالنسبة لي، أهمية القضية ما في الحكم بس، وإنما في الرسالة البيرسلها الحكم: إنو الفضاء الرقمي ما مساحة بلا قانون، وحرية التعبير ما معناها إنك عندك الحق تشهّر بالناس أو تهددهم أو تمس كرامتهم وسمعتهم. واتهامات زي العمالة والخيانة، لما تُطلق من غير دليل وتمس سمعة وحقوق الآخرين، ما مفروض نتعامل معاها باعتبارها مجرد اختلاف سياسي أو كلام عابر على السوشيال ميديا.

والحكم ده بيجي في وقت الصحفيات والناشطات السودانيات بيتعرضن فيه بصورة متزايدة لحملات تشهير وتحريض منظّمة على الإنترنت، خاصة النساء العاملات في الإعلام والمجال العام والملفات المرتبطة بالحرب. واتهامات الخيانة والعمالة بقت واحدة من أكثر الأدوات المستخدمة لمحاولة إسكات الأصوات وإخراج النساء من الفضاء العام، في ظل غياب شبه تام للمساءلة داخل السودان نفسه.

وعشان كده، بالنسبة لينا في (نوّار)، القضية ذاتها كانت أول خطوة عملية في حملة «شايفنك». ما كنا عايزين نعمل حملة تقول للناس بس: «دافعوا عن حقوقكم والجأوا للقانون». كنا عايزين نبدأ بنفسنا، ونقدم نموذجًا حقيقيًا وعمليًا من داخل نوّار يوري إنو الخطوة دي ممكنة.

أنا قدمت البلاغ ومشيت في الإجراءات القانونية للنهاية عشان التجربة نفسها تكون جزءًا من رسالة الحملة. وبعدها أطلقنا سلسلة حلقات «شايفنك» لتبسيط الخطوات للناس: كيف تحمي نفسك رقميًا، كيف توثق الإساءة والتشهير، ومتى وكيف ممكن تلجأ للقانون.

والرسالة بالذات للنساء والرجال البتعرضوا للتشهير والتهديد هي: ما تسكتوا وما تتنازلوا عن حقوقكم. الخطوة ممكن تكون أبسط مما متخيلين، وأنا حبيت أبدأ بنفسي وأقدم نموذجًا حقيقيًا قبل ما أطلب من الآخرين يعملوا نفس الشيء.

ما توقعاتك بشأن الأثر الذي ستتركه مثل هذه القضايا؟ وهل ستسهم في الحد من التعدي على الآخرين؟

أتمنى أن تساهم مثل هذه القضايا في تغيير ثقافة بدأت تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الاعتقاد بأن الشخص يستطيع أن يقول أي شيء عن الآخرين، وأن يطلق الاتهامات والشائعات ويمس سمعتهم وكرامتهم حتى لو من خلف شاشة من دون أن يتحمل مسؤولية ما ينشره. عندما يعرف الناس أن هناك حدودًا قانونية واضحة وأن التشهير وخطاب الكراهية والإساءة يمكن أن تترتب عليها عواقب حقيقية، أعتقد أن ذلك سيجعل البعض يفكر مرتين قبل التعدي على الآخرين.

لكن بالنسبة لي، الأثر الأهم يتجاوز الردع القانوني. أتمنى أن تشجع هذه القضية أشخاصًا آخرين، وخصوصًا النساء اللاتي يتعرضن لحملات تشهير وإساءة منظّمة، على ألا يصمتن أو يعتبرن ما يحدث لهن جزءًا طبيعيًا من الوجود في المجال العام. من حقنا أن نختلف وأن ننتقد بعضنا البعض، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الاختلاف والنقد من جهة، وبين التشهير والإساءة والتحريض من جهة أخرى. اللجوء إلى القانون ليس محاولة لإسكات النقد، بل هو دفاع عن هذا الحد الفاصل وعن حق كل إنسان في حماية كرامته وسمعته.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى