حسن موسى.. عبد الله أب سفة.. هل الفنان مريض نفسي؟

 

جالا زهاء الطاهر

لفترة طويلة من الزمن ارتبطت الفنون بالأمراض النفسية والاجتماعية في الثقافة الشعبية. ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بالمرض النفسي الفنان، فنسنت فان جوخ، المصاب بمرض ثنائي القطب. والفنان إدوارد مونش، صاحب لوحة (الصرخة) الشهيرة، الذي ثبت أنه مصاب بالاكتئاب. والتشكيلية فريدا كاهلو، المصابة كذلك باكتئاب حاد. وبيكاسو كان مصابًا بالاكتئاب. وفي مجال الكتابة والشعر، هناك الكاتب همنغواي، المصاب بثنائي القطب، وسيلفيا بلاث وفيرجينيا وولف كانتا مصابتين باضطرابات. لكن السؤال هو: ما طبيعة هذا الارتباط؟ هل، كما يقول فرويد، يتحول الصراع اللاواعي والعصاب إلى منتج إبداعي حين تعجز الأنا عن اختباره واعيًا بسبب المحظورات؟ أم أن هذا الربط بين الفن والاضطراب النفسي يعد ترويجًا للعمل الفني؟ أم أن أصحاب الاضطرابات ينجذبون للإبداع لتجاوز صعوبة الحديث المباشر؟

تقول د. أمل إبراهيم، اختصاصية الأمراض النفسية بجامعة الخرطوم، إنه لا توجد دراسة محددة، لكن يزيد احتمال المرض بسبب شخصيات أولئك الفنانين المرهفة، خاصة إذا ارتبط ذلك بتعاطي مواد مخدرة. أما آراء الفنانين أنفسهم، فجاءت متباينة. تقول الفنانة التشكيلية البارزة، سارة البدري:

إنه على العكس تمامًا، الفنان ليس “هشًا”، لكنه أكثر حساسية واستجابة للواقع. يستقبل جهازه العصبي الصدمات والتفاصيل الإنسانية بشكل أعمق. وما يظهر للناس كـ”هشاشة” هو في الواقع رهافة حس وعمق يجعله يحمل وجع المحيطين به، والأجمل هو أن الفنان يستقبل الصدمة ويحولها إلى فن ومقاومة، ما يعني أن الفن بالنسبة له ليس رفاهية. هو درع يحميه من الانهيار وطريقة يوثق بيها الحقيقة.”

ويتفق معها الفنان التشكيلي والكاتب عبد الله محمد الطيب (أب سفة)، إذ يقول: أعتقد أن الفنان متماسك نفسيًا وقادر على مواجهة الظروف العصيبة، خاصة بالنسبة لنا كتشكيليين، يكفي أنه يمارس عمله بل وحياته في في ظل شروط معادية لا تقدم له سوى التجاهل والإهمال، ومع هذا يستمر في العمل والإنتاج.

سألنا الشاعر محمد عزوز، فقال إن الفن نفسه هو خلل نفسي، ينقل الفنان من واقع ما يرفضه إلى واقع آخر، وهو يأتي أحيانًا كمحاولات هروب من مشاعر الخوف والحرمان، والحنين، نحو ابتكارات لغوية أو فنية.

أما الفنان العالمي حسن موسى، فيقول إن الفنانين فئة مفهومية لا تطيق صفة الجمع، وكل فنان معلّق من عصبة فرادته التي لا تشبه أي فرادة ثانية، لكن الناس الفالتين (وهيهات) من تعريف “الفنان” تعودوا أن ينظروا إلى الفنانين كـ”ناس حساسين أكثر من اللازم”. وهذا “اللازم” أكذوبة كبيرة ومريحة يُعزي بها هؤلاء “الناس” أنفسهم عن المخاطرة التي تتربص بهم في منعطفات الحياة، أعني مخاطرة اكتشاف ذواتهم كـ”حساسين”، شأنهم شأن أي فنان.

يأتي الفن من القلق الوجودي، من الغيابات التي تتخذ شكل كارثة نووية، من الحب غير المكتمل، والملذات الناقصة، إنها اعطاب الفنان، وجوهر إيداعه في ذات الوقت، الألم الذي يأبى إلا أن توثقه قصيدة أو قصة ما، الذاكرة في هياجها الماكر، تلتهم الفنان من الداخل، الفنان الذي يصرخ بها، ربما الفن هو الصرخات الصامتة لأمراضنا الاجتماعية والنفسية، كما يقول الشاعر عزوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى