عن جيل يرثي نفسه

ملاحظات حول رثاء التيجاني وحيدر

عبد الماجد عليش

عندما يفارق المثقف الحياة تتحوّل سيرته، بصورة أو بأخرى، إلى جزء من الذّاكرة العامة، ويصبح رحيله مناسبة للتوقف عند أفكاره ومواقفه، وكذلك عند علاقته بمراحل الحياة العامة التي عاشها وشارك في تشكيلها.

في 17 سبتمبر الماضي رحل بالعاصمة القطرية الدوحة الدكتور التيجاني عبدالقادر، ثم بعد تسعة أيام، لحقه الدكتور حيدر إبراهيم الذي أعلنت وفاته بالقاهرة. وقد أثار رحيلهما حزناً واسعاً في أوساط المثقفين السودانيين، فتدفقت المراثي من زملائهما، ومن الذين عرفوا أدوارهما السياسية والفكرية، كل من موقعه ومن زاوية نظره.

وبالنظر إلى الاختلاف الفكري والسياسي العميق (لدرجة التناقض) بين الراحلين ومن كتبوا رثائهما نرى أنه يمكن النظر إلى النصوص التي كتبت في رثائهما، بأكثر من كونها نصوصاً عاطفية وجدانية عن الفقد والرحيل. إذ نلاحظ أنها تكشف عن صورة جيل كامل وهو ينظر إلى نفسه وإلى ماضيه وتجاربه.

الجيل الذي عاش التحولات السياسية والفكرية الكبرى في السودان، وشهد المعارك الفكرية والسياسية حول الهوية والدولة والسلطة والثروة والثقافة، ثم معارك السياسة وصعود (الحركة الإسلامية) إلى السلطة، وما أعقب ذلك من تصاعد للأزمات السياسية والثقافية، ثم الحرب فحالة الانهيار الشامل والشتات.

وعليه، يمكن القول إن المراثي، بقدر ما تتضمن رثاء الفقيدين، تتضمن أيضاً رثاء هذا الجيل لنفسه، لكأن نصوص الرثاء لا تتحدث عن الراحلين وحدهما، بل تتحدث عن الأحياء أيضاً: الذين تشبثوا بالذكريات المشتركة، ولحظات البدايات، والآمال العريضة، ثم انتهوا إلى مشاهدة جوانب كبيرة من تاريخهم وهو يتداعى ويغيب.

الرحيل بوصفه سؤالاً عن الوطن:

لم تكتف المراثي بالتعبير عن الحزن، بل جعلت من الفقد سؤالاً أكبر عن وطن يرحل مثقفوه بعيداً عنه، وهو ما لا يمكن النظر إليه بوصفه مصادفة قدرية؟ الغالبية العظمى، إن لم يكن جميع كتاب المراثي، هم خارج الوطن. والسؤال، إذن، عن تاريخ الاختيار والاضطرار السياسي والثقافي الذي يدفع بالمثقف السوداني إلى المنفى كما في حالة التيجاني الذي اختار مغادرة السودان منذ العام 1996، أم اضطراره إلى اختيار للمنفى كحالة حيدر الذي غادر السودان في 2012.

كانت عبارات مثل “الرحيل بين العواصم، زمن الحرب، الظلام”، حاضرة بقوة في المراثي برغم اختلاف وجهة نظر الكتاب في تقويم الظروف وفي تفسير الأسباب، لكن الكتاب يجتمعون في توجيه السؤال عما حدث للبلاد التي كان من الطبيعي أن يعيش مثقفوها فيها ويرحلون وهم أيضاً فيها.

نذكِّر أن المراثي هي نصوص تستعيد الذاكرة وتعمل على تثبيتها، بأبعادها الاجتماعية والثقافية والسياسية. واستدعى رحيل الراحلين رؤيتهما لمشكلة السودان وأزمته. فالتيجاني، ومنذ سنوات شبابه المبكرة، كان قد اختار حزب (الإخوان المسلمين) السياسي، وكان يرى أن أزمة السودان لا تنفصل عن سؤال السلطة السياسية وكيفية توجيهها وفق مرجعية برنامج (الإخوان المسلمين). وتجده قد وظف كل إنتاجه الفكري لإثبات أن مشروع الإخوان المسلمين السياسي يجد أصوله ومسوغاته في النصوص الدينية: كتابه: أصول الفكر السياسي في القرآن المكي، وفي التجارب التاريخية الإسلامية. فيما ركزت مراثي الدكتور حيدر على أن مشروعه الفكري اتجه إلى الجهة المقابلة، فقد اتجه إلى نقد البنى الثقافية المنتجة للسلطة، وتفكيك المقدسات حين يتم تحويلها إلى أدوات سياسية: كتابيه: أزمة الإسلام السياسي، وسقوط المشروع الحضاري. وانشغل أيضاً بالكشف عن الآليات التي يتم من خلالها توظيف المقدسات الدينية والاجتماعية للسيطرة على الناس وتوجيه وعيهم لخدمة تصورات ومصالح جماعة سياسية بعينها.

الجانب السياسي في المراثي

في بعض المراثي تم تصوير أسئلة التيجاني في مرحلة بعينها من مراحل حياته، وقد تأكد فشل مشروع دولة الإخوان المسلمين في السودان، كأسئلة مراجعة نقدية للمشروع الإخواني. ونرى أنها كانت صياغات لغوية تتصنع طرح الأسئلة: هل الأزمة السودانية أزمة مشروع سياسي أخفق في بناء الدولة وإدارة السلطة؟ وننظر في أسئلة المشروع الفكري لحيدر، التي تفتح الآفاق للنقاش الحقيقي وليس المصطنع، فحيدر كان يُسائِل بنية ثقافية معرفية تعيد إنتاج إخفاقها وفق مختلف الأشكال. كان حيدر يرى أن كل أزمة سياسية هي أزمة ثقافية في الأساس. ولعل القيمة الأعظم التي أضافها حيدر لبلاده ولأهله هي تأسيس (مركز الدراسات السودانية)، 1992، وهو مشروعه العملي الأعظم، وكان هدفه محاربة سلطة البياض وعقل المشافهة، وفتح المجال للجديد والمختلف وكتابة تاريخ السودان وتوثيق ثقافته في تنوعها.

اللغة العاطفية تفادياً لسؤال الموت:

الملاحظة الثانية نظرت في اللغة التي صيغت بها المراثي، وقد غلبت عليها العاطفة الوجدانية، واستولت عليها الصور البلاغية عن فداحة الفقد، وعن الفراغ الذي تركه الفقيد. ولا مشاحة في أن هذا يتسق وتوجه جنس الرثاء الأدبي البلاغي للوجدان. ولكن ما نود التمهل عنده متفحصين هو أن اللغة العاطفية الوجدانية هي نتاج للتفكير المطلق الذي نجده يشكل وعي ومخيال من كتبوا الرثاء.

ففي المراثي عن التيجاني نجده يُصوَّر في صورة الإنسان الكامل، مستوفياً لِصفات: النبل وحسن الخلق بلا مثيل، والتواضع، الرزانة والهدوء الحكيم، والتجرد والزهد. ونجد أن الإخوان المسلمين يتبادلون إعادة إنتاج وعيهم الذي شكلهم، فالتيجاني نفسه كان قد استعمل نفس اللغة ليصور بها الرجل الكامل، وكان ذلك في مراثي رثى فيها إخوة له في جماعة الإخوان، ومنها مرثيته إلى الراحل أحمد كمال الدين الذي رحل في الدوحة في يناير 2026: إذ يصفه: “متوكِلاً مقداماً، كان أستاذاً في الأخلاق، وصادقاً في النفس”. كما سبق له وأفاض في تعداد الصفات المميزة للراحل الدكتور الطيب زين العابدين- مايو 2020: “رجلاً ظل يكافح من أجل الحرية والكرامة”. ولكن نتوقف عند مرثية التيجاني للراحل الزبير أحمد الحسن– مايو 2021: إذ أوضحت بجلاء تام غلبة العقائدي في شخصية التيجاني على الباحث الأكاديمي، إذ لم تكن تلك مرثية بل خطبة سياسية تحتد مع الخصوم السياسيين وتتوعدهم، وتجعل من الدين الإسلامي برنامج حزب الإخوان، وتبشر شباب الإخوان باسترداد السلطة السياسية، ثم تنفي لغة الخطابة أي علاقة فكرية وتنظيمية بالحركة الإسلامية.

ننظر في اللغة التي كُتبت بها مراثي حيدر إبراهيم فنجدها تصوره كحالة استثنائية: كونه مختلفاً عن النمط السائد، فحيدر يحب الاختلاف، ويخوض المغامرات، وتميّزَ بمواجهته للذات في كتابته لسيرته الذاتية بشجاعة غير مألوفة بين السودانيين عموماً وغير متوفرة بين المثقفين على وجه التحديد. اللغة المستعملة في مراثي حيدر يمكن وصفها باللغة المعرفية، وهي لغة تحرص على إظهار الاختلاف. ولكن نرى أن هناك تساؤلاً يوجّه إليها، وهو يتعلق بتفادي فكرة الموت فلسفياً، فعلى الرغم من اشتغال حيدر الطويل في مجالات فلسفة الوجود وعلم الاجتماع الديني إلا أن من كتبوا المراثي كانوا شديدي الحذر، تفادياً لسؤال الموت الفلسفي، ولعل هذا ما كان حيدر نفسه يردده من ضعف التكوين الفلسفي للمثقف السوداني.

الملاحظة الثالثة في المراثي تتعلق بتقليد اجتماعي ثقافي مسيّس منذ زمان سابق: فبعض المراثي التي كتبت عن التيجاني وبرغم الاختلاف الفكري والسياسي إلا أنها جعلت من الموت سانحة للبحث عن مشتركات مع أفكاره ومواقفه. وهي محاولة مثالية فيها نبل أخلاقي شخصي. ونرى أنها لا تعني بالضرورة أن حدث الموت قد غيّر المواقف وقواعد الكلام، بقدر ما تشير إلى إحدى ثوابت الثقافة السودانية في الجمع بين احترام الراحلين، وإيقاف مواصلة توجيه الانتقاد لهم.

والمحزن حقيقة هو أن مقدار العنف الذي انطلق في السودان منذ لحظة انفراد الإخوان المسلمين بالحكم 1989 وتحديداً في أعوام الحروب العديدة التي أشعلوها، ومنها حربهم التي تدور الآن: هذا المقدار من العنف تجده يعاكس محاولة خلق هذه الصورة المثالية.

هناك ملاحظتان قد لا تبديان، من الوهلة الأولى، دلالتهما، وأولاهما أن الغالبية العظمى ممن رثوا التيجاني عبد القادر هم من الخريجين في جامعة الخرطوم، في مصادفة غير قدرية بكل تأكيد، ثم تتكرر قصدية صناعة المصادفة فجميعهم ابتعثوا لتلقي الدراسات فوق الجامعية في جامعات الغرب– بريطانيا على وجه التحديد.

التقوا مرة أخرى في جامعات بريطانيا العلمانية. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو عن طبيعة هذه العلاقات المعقدة التي تحيط بالبنية الثقافية الفكرية التي تنتج هذه المجموعات الفئات المرتبطة بجامعات الغرب. ونخص بالذكر الإخوان المسلمين الذين تربطهم بمنجزات الغرب التعليمية علاقة شديدة التعقيد ما بين المجاهرة بالرفض كشعار والحرص الشديد على الحصول على نفس المنجزات؟ فهل كشف الموت والرثاء عن تداخل معقد بين توجهات بنية بأكملها وبين اختيارات تبدو شخصية.

نختتم هذه الملاحظات بأن أفضل ما يمكن إنتاجه في رثاء المثقف هو ألا نمنحه بعد موته ما لم يكن يملكه في حياته، وهو القداسة، وأن نترك له إنسانيته وتناقضاته، وأخطائه، وأفكاره ومواقفه، وأن نقرأه كما كان، لا كما نريد له أن يكون بعد الرحيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى