الحرب في إقليم كردفان.. نزوح متكرر وخسائر تطال الزراعة والثروة الحيوانية

محمد عبد الباقي

تخطى بعض سكان إقليم كردفان المجزأ لثلاثة ولايات (شمال، جنوب، غرب) الحديث التقليدي عن إطالة أمد الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع التي تقترب من إكمال عامها الرابع، لينخرطوا في نقاشات عميقة حول حجم الدمار الذي لحق بالمنطقة، والواقع المعيشي الذي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، لا سيما لآلاف النازحين والسكان العالقين في المناطق النائية والمخيمات البائسة في مدن الأبيض والفولة وأبو زبد وود بندة.

وجانب الدمار الذي طال مناطق الإنتاج واستنزاف الموارد المختلفة التي كان يعتمد عليها المواطنون في تأمين غذائهم وضمان استمرارية حياتهم، فقد تفاقمت المعاناة بصورة تفوق الوصف، ووجد السكان أنفسهم أمام أزمة مركبة تتداخل فيها كلفة النزوح المستمر مع تضاعف الخسائر الزراعية وفقدان الثروة الحيوانية، إضافة إلى تعطيل سلاسل الإمداد وتراجع حركة التجارة وانعدام الخدمات الأساسية، مما زاد من مخاطر انتشار الأمراض وتفشي الجوع.

فالإقليم الذي يعتبر حلقة وصل بين وسط البلاد وشرقها وغربها، ويحتضن أهم مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني، أصبح مهدداً بصورة غير مسبوقة، إذ إن استمرار القتال لم يتسبب في توقف الإنتاج فحسب، بل دفع السكان، بمن فيهم رعاة الثروة الحيوانية، إلى النزوح الذي يعد أحد أخطر المهددات التي تواجه قطعان الماشية.

وتكشف الأوضاع الإنسانية الراهنة في كردفان عن حجم الضغوط التي يتعرض لها السكان، في ظل وجود أكثر من مليون نازح داخلي في ولايات الإقليم، وفق بيانات سابقة نشرتها منظمات دولية ومحلية، بينما أدت موجات التصعيد العسكري اللاحقة إلى نزوح عشرات الآلاف خلال فترات قصيرة.

واللافت أن النزوح في كردفان لم يعد مجرد انتقال من منطقة إلى أخرى، بل أصبح مساراً متكرراً فقدت خلاله الأسر مساكنها ومصادر دخلها، وابتعد فيه الأطفال عن المدارس، وتراجعت قدرة المجتمعات على توفير الغذاء والدواء ومياه الشرب.

أما الرعاة، فقد تضاعفت خسائرهم بصورة خاصة، نتيجة الأضرار التي لحقت بالقطعان جراء تدمير المراعي وإغلاق مسارات انتقال الحيوانات، واضطراب الأسواق وشح مصادر المياه وانعدام الخدمات البيطرية بعد انفلات الأوضاع الأمنية.

يقول فضل السيد أحمد، وهو مربّي ماشية في شمال كردفان، لـ”أفق جديد”: “تسببت الحرب في الفترة الأخيرة في خلق عديد من الصعوبات بالنسبة للرعاة، الذين خسروا كثيراً من الحيوانات بسبب النفوق، بعد أن ارتفعت تكاليف التربية والنقل، إذ وصل سعر جوال العلف إلى نحو 70 ألفاً، بعد تأخر هطول الأمطار لهذا العام. كما أن هناك رعاة خسروا حيواناتهم بسبب السرقات التي انتشرت في المنطقة نتيجة حالة الهشاشة الأمنية”.

ويضيف أن هذا الوضع أدى إلى تراجع دخل الرعاة والمربين، وانعكس على إمدادات اللحوم والألبان وأسعارها في الأسواق.

في المقابل، واجه آلاف المزارعين ظروفاً قاسية بعد تعذر الزراعة بسبب صعوبة الوصول إلى المناطق الزراعية، فيما يتحدث آخرون عن مخاوف أمنية منعتهم من الحصاد.

يروي آدم السيد، وهو مزارع من جنوب كردفان، ما تعرض له المزارعون منذ بداية الحرب والصعوبات التي واجهتهم في عمليتي الزراعة والحصاد، وقال لـ”أفق جديد”: “بدأت معاناة المزارعين منذ اليوم الأول للحرب، حيث لم يتمكن آلاف منهم من الوصول إلى مزارعهم من أجل التحضير للزراعة في العام 2023. ومنذ ذلك التاريخ، تقلبت المعاناة في وجوه وأشكال مختلفة، حتى وصلنا أخيراً إلى هذا العام، الذي مثّل المحطة الأكثر ألماً ومشقة في مسيرة المزارعين”.

ويتابع آدم إن: “الصعوبات التي واجهها المزارعون بسبب الهشاشة الأمنية وانعدام أدوات الزراعة حرمت كثيراً من الأسر من توفير قوتها، كما حرمت آلاف الأيدي العاملة التي كانت تعمل في الزراعة من مصدر دخلها الأساسي، وأصبحت هذه الأسر حالياً في حاجة ماسة إلى الحصول على المساعدات الإنسانية”.

لم تتوقف الحرب عند تدمير البنية التحتية في الريف وتعطيل الإنتاج الزراعي والحيواني، بل امتدت إلى المناطق الحضرية التي كانت مأهولة بالسكان. فهناك مئات القرى التي أصبحت مهجورة تماماً، إلى جانب عدد من المدن التي خلت من سكانها كلياً أو أصبحت شبه خالية.

ففي مدن مثل النهود والخوي بغرب كردفان، وبارا بشمال كردفان، والدبيبات وهبيلا بجنوب كردفان، هجر السكان منازلهم واتجهوا إلى مخيمات الإيواء المؤقتة، فيما استضافت المجتمعات المجاورة بعضهم الآخر.

يقول إبراهيم يوسف، وهو أحد سكان مدينة النهود ونازح حالياً في أم درمان، لـ”أفق جديد”: “بعد سيطرة الدعم السريع على النهود، تعرضت بعض الأحياء للقصف بالطائرات المسيّرة التابعة للجيش، ولذلك فضّل السكان النزوح هرباً من وقوع خسائر بينهم، ومع استمرار القصف كادت المدينة تفرغ من سكانها ولم يتبقَّ فيها حالياً سوى عدد قليل للغاية لا يتجاوز ربع سكانها قبل الحرب، أما بارا والخوي فقد أصبحتا خاليتين تماماً من السكان”.

ويضيف يوسف أن النهود تعرضت لأضرار بالغة شملت تدمير منازل المواطنين والمنشآت العامة والمرافق الصحية والتعليمية وشبكات المياه والكهرباء.

من جانبه، يقول حسام حامد، وهو أحد سكان النهود ولاجئ حالياً في كينيا، لـ”أفق جديد”: “نزح معظم السكان إلى الأبيض وأم درمان، فيما اتجه بعضهم إلى القرى المجاورة، وخرج آخرون من السودان، لكن الخسائر الأكبر وقعت على النشاط التجاري، الذي انهار تماماً بعد سيطرة الدعم السريع على المدينة، التي كانت تُعد من أهم أسواق الصمغ العربي والفول السوداني”.

ويشير حسام إلى أن التجار حاولوا في البداية تدبير أمورهم وفقاً للأوضاع الأمنية، من خلال تجميع السوق في منطقة بنك الخرطوم وسط المدينة.

يضيف: “كان السوق يبدأ الساعة الواحدة ظهراً ويستمر لمدة ساعة أو ساعتين، الآن توقف بسبب قصف الطائرات المسيّرة، وقد خلق حالة انكماش كبيرة أثرت على جميع الخدمات التي تراجعت بصورة كاملة، وتوقفت حالياً، حتى إن المياه أصبحت شبه معدومة داخل النهود”.

وبما أن المعطيات والوقائع تشير إلى أن أضرار الحرب الدائرة في كردفان لا تقتصر على ما يحدث على الأرض، بل تمتد لتشمل مستقبل السكان الذين وجدوا أنفسهم أمام خسائر فادحة في الممتلكات والأراضي الزراعية والمراعي وقطعان الماشية، فإن المؤسسات التعليمية لم تسلم هي أيضاً، إذ لحقت بها أضرار جسيمة تتجاوز أسوأ التقديرات.

يعتقد الطيب عبد الباقي من ريفي أم روابة أن الخسائر التي لحقت بالسكان تتجاوز الأضرار الظاهرة للعيان، مشيراً إلى أن آلاف الأطفال فقدوا فرصتهم في التعليم، ومن بينهم أبناؤه الثلاثة الذين تركوا مقاعد الدراسة نهائياً بعد انقطاعهم عنها ثلاثة أعوام.

يقول الطيب إن: “المدرسة التي أعيد فتحها تحولت إلى أطلال لم يعد فيها ما يشير إلى أنها مؤسسة تعليمية، ولذلك لم يلتحق بها سوى عدد قليل من الأطفال، لم يكن أبناؤه من بينهم”.

يضيف أن بعض السكان اضطروا إلى النزوح خصيصاً بحثاً عن مناطق تتوفر فيها المدارس لأطفالهم، بينما لم يتمكن غير القادرين مادياً، ومن بينهم أسرته، من اتخاذ الخطوة نفسها.

ويتابع الطيب: “الأضرار التي لم يلتفت إليها أحد حتى اليوم لا تقتصر على خسارة الأطفال لمستقبلهم التعليمي، فهناك الرعاة الذين فقدوا قطعانهم والمزارعون الذين تضررت زراعتهم بصورة قاسية”.

ويوضح الطيب بأن الرعاة لم يجدوا لهم منذ اندلاع الحرب موطئ قدم في كردفان، فتحولوا إلى نازحين برفقة قطعانهم، وأدى هذا التنقل إلى أضرار كبيرة، بعدما نفقت الحيوانات أو ضاعت خلال نقلها من مراعيها والأماكن التي اعتادت العيش فيها.

ويضيف الطيب أنه يعرف رعاة كانوا من كبار مربيّ الماشية، يعيشون حالياً في مخيمات مؤقتة بعد خسارة قطعانهم التي نفقت بسبب النزوح وعدم توفر العلف، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمراعي ومسارات الترحال.

وفي ظل عدم إجراء إحصاءات أو عمليات تدقيق لحصر الأضرار التي لحقت بمربي الماشية، لا يُعرف العدد الحقيقي للرعاة الذين فقدوا قطعانهم خلال الحرب، لكن دفع الله يوسف يرى أن الخسائر كبيرة.

ويقول دفع الله لـ”أفق جديد”: “من الاستحالة بمكان وضع تقديرات لأعداد القطعان التي نفقت خلال هذه الحرب، إلا أن المؤكد هنالك عشرات المربين الذين ظلوا لسنوات طويلة يطورون قطعانهم من خلال عمليات الانتخاب خسروها نهائياً”.

ويضيف أن هؤلاء لا يستطيعون إعادة تربية قطعانهم بسهولة، مهما قُدّمت لهم من مساعدات، لأن تطوير السلالات يمر بمراحل انتخاب طويلة، وهي عملية كان يتبعها المربون على مدى سنوات.

ويتابع أن خسارة هذه الأنواع المنتخبة، التي جرى تطويرها عبر سنوات طويلة، تجعل استعادتها أمراً بالغ الصعوبة، وقد يتطلب أمر تربيتها مجدداً سنوات طويلة قادمة.

أما المناطق الزراعية فقد تعرضت بدورها لأضرار كبيرة خلال الحرب، بما في ذلك مناطق إنتاج الذرة في هبيلا وعدد من المشاريع في الجبال الشرقية، التي تحولت خلال الأعوام الماضية إلى أراضٍ بور نمت فيها الحشائش والأشجار بكثافة.

ورغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام على الحرب في كردفان التي بدأت في بعض مناطق الإقليم بالتزامن مع اندلاع القتال في الخرطوم، فإن الإقليم تحول منذ مايو 2025، إلى مسرح متحرك للعمليات الحربية بعد انتقال الحرب إليه من ولايتي الجزيرة والخرطوم.

ويقول مصدر عسكري عمل سابقاً في إقليم كردفان، وطلب عدم الإفصاح عن هويته لـ”أفق جديد”: “الحرب حالياً حولت الإقليم برمته إلى مسرح غير مستقر بعد أن أصبحت الأطراف تتبادل السيطرة على المناطق بصورة مستمرة، وقد تسبب هذا الأمر في تكرار النزوح وخلق حالة من التيه للمواطنين، إذ لم تتمكن المجتمعات المحلية من الاستقرار حتى تبدأ رحلة نزوح جديدة”.

ويضيف المصدر العسكري أن التقدم الذي يحرزه الجيش اليوم قد يخسره غداً مثلما كان يفعل الدعم السريع في الفترة السابقة.

ويتابع: “رغم أن الجيش اقترب حالياً من حمرة الوز وأم بادر، ويكاد يكون أحكم سيطرته عليهما في مقابل تراجع الدعم السريع الذي يتمسك حالياً بأم صميمة غرب الأبيض وكازقيل بصعوبة، إلا إن كل هذه التحركات تأتي على حساب استقرار السكان، الذين دفعتهم العمليات العسكرية إلى فقدان مصادر دخلهم والتشرد من مناطقهم وخسارة أنشطتهم الزراعية وثرواتهم الحيوانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى