مناوي وجبريل وتمبور.. صالحوا الجلاد وخذلوا الضحايا

إبراهيم هباني

لم يكن أهل دارفور بحاجة إلى حرب أخرى كي يثبتوا أنهم مظلومون. كانوا بحاجة إلى أن تنتهي الحروب، وأن يعودوا إلى قراهم، وأن تصبح تضحياتهم سببًا لحصولهم على حقوقهم. لكن بعض الذين حملوا السلاح باسمهم وجدوا طريقهم إلى السلطة، فيما ظل أصحاب القضية يبحثون عن طريق إلى بيوتهم.

هذه هي المعضلة التي تواجه مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم ومصطفى تمبور. لا يتعلق السؤال بحقهم في المشاركة السياسية، بل بما فعلوه بهذا الحق، وبالتحالفات التي اختاروها، وبمصير الناس الذين استندوا إلى معاناتهم لاكتساب الشرعية. فالقضية التي تفتح لصاحبها أبواب الحكم تفرض عليه مسؤولية أكبر تجاه ضحاياها، ولا تمنحه حصانة من محاسبتهم.

دارفور تعرضت لتهميش وعنف وتهجير موثق. لكن عدالة القضية شيء، وحصيلة المتحدثين باسمها شيء آخر. ومن حق النازح أن يسأل قائد الحركة عما تغير في حياته بعد الاتفاق، ومن حق أم فقدت أبناءها أن تعرف لماذا تتجدد الحرب كلما تبدلت تحالفات القادة. فلا يمكن أن يبقى الضحايا مطالبين بالتضحية، بينما تظل قرارات الحرب والسلام حكرًا على من يتفاوضون على مواقعهم.

مناوي جرب السلطة قبل الثورة بسنوات. وقع اتفاق أبوجا في الخامس من مايو 2006، ثم أصبح كبير مساعدي الرئيس عمر البشير ورئيس السلطة الانتقالية لدارفور. انتقل من قتال النظام إلى مشاركته الحكم، قبل أن تنهار الشراكة ويعود إلى التمرد. كانت تلك تجربة كافية لاختبار الوعد بأن دخول القصر سيقرب السلام من القرى.

لم يكن التفاوض خطأ في ذاته. فالحروب تنتهي باتفاقات بين خصوم، والتسوية قد تتطلب شجاعة أكبر من مواصلة القتال. لكن الاتفاق يفقد معناه حين يتغير موقع القائد ولا يتغير واقع من قاتل باسمهم. ماذا تعني ترقية ممثل الإقليم داخل الدولة، إذا بقي المواطن عاجزًا عن العودة إلى أرضه؟

ثم جاءت ثورة ديسمبر، ومنحت السودان فرصة لمراجعة هذه المعادلة. أسقطت الانتفاضة الشعبية البشير، وفتحت بتضحيات السودانيين بابًا للعمل السياسي والمشاركة في بناء سلطة جديدة. وفي ظل الانتقال، أتاح اتفاق جوبا لقيادات الحركات دخول مؤسسات الحكم. كان المفترض أن تقابل هذه الفرصة بالتزام يحمي التحول المدني، ويحول مطالب الأطراف إلى حقوق تكفلها الدولة.

دخل جبريل إبراهيم وزارة المالية في حكومة عبد الله حمدوك في فبراير 2021، عقب اتفاق السلام. وصل إلى مؤسسة تمس قراراتها حياة السودانيين جميعًا، داخل حكومة أتاحتها الثورة. وهو القادم من خلفية إسلامية، ومن قيادة حركة العدل والمساواة التي خلف فيها شقيقه خليل بعد مقتله في ديسمبر 2011.

وكان خليل نفسه من أبناء المشروع الإسلامي قبل تمرده عليه. وقادت حركته هجوم أم درمان في العاشر من مايو 2008، قبل مقتله بأكثر من ثلاث سنوات. تلك الخلفية تطرح سؤالًا عن طبيعة القطيعة مع نظام البشير: إلى أي مدى امتدت إلى طريقة الحكم واحتكار القوة، وإلى أي مدى ظلت خلافًا يمكن أن تعيد ترتيبات السلطة احتواءه؟

لا يجوز محاكمة النيات، لكن المواقف متاحة للمحاسبة. وقبيل انقلاب أكتوبر 2021، كان مناوي وجبريل من أبرز قادة التيار المناوئ للتحالف المدني الحاكم. وشارك مناوي في اعتصام القصر المطالب بحل الحكومة. صحيح أنه وصف إجراءات البرهان لاحقًا بأنها انقلاب، وانتقد الاعتقالات، لكن ذلك لا يغلق السؤال عن دوره السابق في إضعاف الحكومة التي أطاح بها العسكريون.

أما جبريل فاحتفظ بوزارة المالية بعد الاستيلاء العسكري على السلطة، وتوقع أن يتجاوز العالم ما حدث ويعود إلى التعامل مع الحكم الجديد. وبينما كان الشارع يقاوم إنهاء الانتقال، كان الوزير يقدم قراءة تسمح بالتعايش مع نتائجه.

هنا يصبح الحديث عن خذلان الثورة حكمًا على اختيار سياسي. فالتضحيات التي فتحت المجال لمشاركة الحركات كانت تستحق دفاعًا عن قواعد الانتقال، لا اكتفاء بالحفاظ على المواقع داخله أو بعد إسقاطه. والوفاء لدماء الثوار يُختبر حين تتعارض حماية السلطة المدنية مع مصلحة البقاء قرب العسكريين.

وفي المشهد نفسه يظهر مصطفى تمبور، المنشق عن حركة عبد الواحد محمد نور عام 2018، والذي أعلن انخراط قواته إلى جانب الجيش في 2023. تختلف تجربته وحجم نفوذه عن مناوي وجبريل، ولا يصح اختراع تاريخ واحد للثلاثة. لكنهم يلتقون اليوم عند خيار التحالف العسكري، ويتحمل كل منهم مسؤولية قراره وحصيلته.

كذلك لا يحتاج النقد إلى تقديمهم جميعًا باعتبارهم قيادات إخوانية. الخلفية الإسلامية لجبريل معروفة، أما مناوي وتمبور فموضع المحاسبة هو التحالف الذي اختاراه، وما يمنحه من قوة للقوى الإسلامية المشاركة في الحرب. فالانتماء التنظيمي والتحالف السياسي ليسا أمرًا واحدًا، لكن نتائج التحالف تستوجب المساءلة، أيا كانت خلفية صاحبه.

وقد أعلنت حركتا مناوي وجبريل في نوفمبر 2023 القتال إلى جانب الجيش. ومنذ تلك اللحظة، أصبحتا شريكتين في خيار الحرب، ومطالبتين بتفسير كيف يقود هذا الخيار إلى حماية المدنيين وإنهاء مأساتهم. فالقول بالدفاع عن دارفور يحتاج إلى خطة يستطيع أهلها أن يروا فيها مستقبلًا يتجاوز معركة أخرى.

ولا يمكن مناقشة ذلك بتجاهل جرائم المليشيات. فقد ارتكبت قوات الدعم السريع وحلفاؤها فظائع وتطهيرًا عرقيًا، ووثقت منظمات حقوقية استهداف المساليت في الجنينة. الخوف من هذه الجرائم مشروع، وحماية المجتمعات المعرضة لها ضرورة. لكن الضرورة لا تلغي المحاسبة، ولا تجعل كل تحالف يُعقد باسم الحماية قرارًا صحيحًا إلى الأبد.

فالتحالف مع قيادة عسكرية تعتمد أيضًا على تشكيلات إسلامية يفرض أسئلة صعبة على من خرجوا لمقاومة النظام السابق. ما ضماناتهم ألا تعيد الحرب تمكين القوى التي أسهمت في إنتاج المأساة؟ وكيف يمنعون استخدام قضيتهم غطاء لعودة نفوذها؟ وأين ينتهي الدفاع عن المجتمع ويبدأ الدفاع عن استمرار السلطة؟

هذه الأسئلة لا تجيب عنها المناصب، ولا الصور الجماعية، ولا خطابات التعبئة. يجيب عنها موقف واضح من حماية المدنيين، وإيصال المساعدات، ومحاسبة المنتهكين، وقبول تسوية تنهي الحرب ولو خفضت نصيب القائد من النفوذ.

ليس هناك ما يمنح حركة مسلحة حق احتكار تمثيل دارفور. فالإقليم أوسع من قواعدها، وأكثر تنوعًا من حسابات قياداتها. فيه نازحون ونساء وشباب وقوى مدنية ومجتمعات لها حق تقرير مستقبلها. وهؤلاء لا يصبحون أقل أهلية للاختيار لأنهم لا يملكون السلاح.

والمؤلم أن تتحول المظلومية إلى مورد سياسي يبقى القائد محتاجًا إليه، بينما يبقى الضحايا أسرى له. عندها يصبح تكرار الحديث عن معاناتهم بديلًا عن إنهائها، ويصبح كل اعتراض على قرارات الحركة اعتداءً على القضية نفسها.

لا يمكن اختزال دماء أهل دارفور في اتهام بصفقة لا دليل عليها. لكن يمكن، ويجب، محاسبة القيادات على المقايضة السياسية الظاهرة: ما الذي حصل عليه الناس مقابل مشاركة قادتهم في السلطة؟ وما الذي بقي من وعود التغيير حين اقترب هؤلاء من المؤسسة التي قاتلوها، وتحالفوا مع قوى من النظام الذي ثار عليه السودانيون؟

لقد تغير موقع القادة، وبقيت الخيام. ومن هذه الفجوة يستمد وصف الخذلان معناه. فأهل دارفور لم يقدموا أبناءهم ليحصل ممثلوهم على مقاعد أفضل قرب الحاكم، ولم يقاوم الثوار الاستبداد كي تتسع حكومة العسكريين لقادة جدد.

كان المطلوب أن يعود النازح إلى بيته. أما أن يصل القائد إلى السلطة، ثم يطلب من النازح انتظار نهاية حرب أخرى، فتلك حصيلة لا تسترها راية «الكفاح المسلح».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى