ملحمة أكتوبر

السر السيد
تمهيد:
يمكن القول إن ثورة 21 أكتوبر 1964 السودانية خلّدها الشعر واحتفى بها أكثر من كل الفنون الأخرى وضروب الكتابة الأخرى. فمع عمرها المديد هذا، لا نكاد نعثر على إنتاج نثري قاربها توثيقًا وتحليلًا، غير كتاب «ثورة شعب» (1965)، الذي أصدره الحزب الشيوعي السوداني، ثم كتاب «الثورة الظافرة: 21 أكتوبر يومًا بيوم» للأستاذ شاموق، وقد صدرت طبعته الأولى في العام 1969، ثم كتاب كليف طومسون عن ثورة أكتوبر، ثم كتاب «ربيع ثورة أكتوبر 1964» للدكتور عبد الله علي إبراهيم، الذي صدر في العام 2013، ثم كتاب «خمسون عامًا على ثورة أكتوبر السودانية.. 64-2014»، الذي صدر عن مركز الدراسات السودانية في العام 2014. يُضاف إلى هذا، بالطبع، المقالات والوثائق وما ورد في الكثير من مذكرات السودانيين، وكل هذا، بالطبع، على حد علمي.
أما في مجال الكتابة الإبداعية، كالمسرح والرواية والقصة القصيرة، فالمعروف هنا قليل جدًا. ففي مجال الرواية، لا يكاد يتعدى الأمر روايتين، وقد كُتبتا باللغة الإنجليزية، كما أفادني شفاهةً، قبل أعوام، الناقد د. أحمد الصادق. أما في مجال الكتابة المسرحية، فقد وقفت على مسرحيتين منشورتين، هما مسرحية «القصر والنصر» للدكتور عبد الله علي إبراهيم، والتي كُتبت في العام 1969، ومسرحية «ثورة 21 أكتوبر» للمرحوم مهدي الطيب، المنشورة في العام 1969، ثم أخيرًا «ملحمة أكتوبر».
عن ملحمة أكتوبر:
ثمة ملاحظات لا بد من ذكرها هنا:
الملاحظة الأولى: هي أن المؤلفة أو الناشر، أو الاثنان معًا، لم يعرّفا هذا العمل بأنه مسرحية، واستخدما مصطلح «ملحمة». فقد ورد في المقدمة: «… أن تُترجم تلك الإحساسات في هذه الملحمة الشعرية الشعبية».
بالنسبة لي، يعود مصطلح ملحمة إلى الثورة نفسها، وليس إلى المصنَّف، وفقًا للتعريف النقدي للملحمة؛ فالمصنَّف الذي بين أيدينا نص مسرحي تتوفر فيه شروط الكتابة المسرحية، على اتساع هذه الشروط وتنوعها. أما لماذا لم يتم تعريف هذا المصنَّف بأنه مسرحية، فهذا مبحث آخر ليس وقته الآن.
الملاحظة الثانية: ليس هناك تاريخ للنشر، وإن كانت هناك إشارة تضمنها الإهداء الذي كتبته المؤلفة، فقد كتبت:
«إلى جماهير شعبي البطل لقوته وصموده أمام قوى الطغيان، أزف تهنئتي بمرور عام على الذكرى الأولى لثورة أكتوبر الشعبية ضد الدكتاتورية العسكرية الغاشمة، وإلى جنات الخلد أرواح الشهداء».
الملاحظة الثالثة: وهي تنهض على الملاحظة الثانية، هي أن مسرحية «ملحمة أكتوبر» كانت الأسبق من مسرحيتي «القصر والنصر» و«ثورة 21 أكتوبر»، حيث إنها كُتبت بعد عام من الثورة، أي في عام 1965.
الملاحظة الرابعة: هي أن المؤلفة امرأة، هي طالبة الثانوي وعضوة اتحاد الشباب السوداني في ذلك الوقت، الأستاذة زينب موسى محمد. وملاحظتنا تنهض هنا على أن تاريخ التأليف المسرحي في السودان لم يُشر إلى هذا الحضور المبكر للنساء في التأليف المسرحي، كما أشار إلى حضورهن في التأليف الروائي وفي التمثيل، علمًا بأن الأستاذة سكينة الجزولي هي الأسبق في التأليف المسرحي، فقد كتبت مسرحيتها «مشكلة في بيتنا»، التي تم عرضها في دار المرشدات بأم درمان في العام 1955.
الملاحظة الخامسة: هي أن المسرحية تقع في دائرة ما يُعرف بالمسرح الشعري، فهي مكتوبة بما يُعرف بالشعر «القومي»، وهو شعر يجد تعبيره الأكيد في تجربة المسرح السوداني، بل إن البدايات الأولى للنص المسرحي السوداني قامت عليه، كما في تجارب خالد أبو الروس، وإبراهيم العبادي، وسيد عبد العزيز، والخليفة يوسف الحسن.
وتكمن المفارقة هنا في أن مسرحيتي «القصر والنصر» و«ثورة 21 أكتوبر» مكتوبتان بما يمكن تسميته بالنثر المديني، من «المدينة». وجوهر المفارقة والاختلاف هو التعبير عن قيم جديدة بالشعر القومي، ومن شابة، وفي تجربتها الأولى.
عن نص ملحمة أكتوبر:
تقع المسرحية، التي تبدأ من الصفحة الثالثة، في 18 صفحة من القطع المتوسط، ليس من بينها الإهداء والمقدمة والصور والرسومات، وتتكون من ثلاثة فصول.
ولعل أول ما نلاحظه على المستوى الشكلي أو الهيكلي هو أن هذه المسرحية لا تستخدم المشهد بوصفه وحدة متعارفًا عليها في التأليف المسرحي، تحديدًا التقليدي، خاصة في المسرحيات التي تبني نفسها على صيغة الفصل. لذلك، يمكننا القول إن هذه المسرحية تقع هيكليًا ضمن ما يُعرف بمسرحية الفصل الواحد، وتتكون من ثلاثة مشاهد. مما يعني أن استخدام صيغة الفصل بهذه الطريقة قد يشير إلى عدم معرفة المؤلفة بتقنيات التأليف المسرحي على تنوعها. ويبدو هذا جليًا في عدم وصف النص بأنه مسرحية، واستخدام مصطلح «ملحمة»، وكذلك التعامل مع النص كأنه كتيب؛ فقد جاء في موضع آخر من صفحات المصنَّف: «كتيب ملحمة أكتوبر (أكتوبر 21)».
تتكون المسرحية من ثماني شخصيات، هي: فاطمة الأم، ومجذوب «طالب جامعي»، وعلي «موظف»، وعثمان الأب، وثلاثة طلاب جامعيين، والمذياع.
تتحرك المسرحية عبر ثلاثة أزمنة: ما قبل الثورة، وأثناء الثورة، وأخيرًا سقوط النظام. كما تتحرك في أربعة أماكن، هي البيت والشوارع وجامعة الخرطوم والمستشفى.
يبدأ فصلها الأول، أو المشهد الأول فيها، كما نرى، بجلسة عائلية تضم الأم فاطمة وولديها مجذوب وعلي، يتم فيها استعراض حالة الوطن وما آلت إليه البلاد من فوضى وفساد. ومن جانب آخر، تجري الإشارة إلى البعد الأممي للتحرر الذي كان سائدًا في تلك الفترة. ففي هذا الفصل، أو المشهد، إشارات إلى فلسطين واليمن وأنجولا والكنغو وإريتريا، وكذلك بث روح الأمل والتحريض على الثورة.
مجذوب: ما عارفين نعيش كيفن ونصبح ناس
والله الظلم أضنانا نحن خلاس
الطاغي الغشيم الكتم الأنفاس
فاطمة: نعم العلم يا أولادي والوطنية
الأرواح تهون وكمان بشوفا شوية
لسبيل البلاد وطموحا… للحرية
علي: شرازم الأمريكان وفلول جموع أشكول
ديل أحرار تمام ما بتلقى فيهم قول
فتش يا عميل أنصاف حلول وحلول
ما بتلقى الهدف وحاسب تموت مكتول
أما الفصل الثاني، أو المشهد الثاني، كما أرى، فتظهر فيه شخصيات فاطمة وعثمان والطلبة والمذياع. ويستعرض هذا الفصل اندلاع الثورة، حيث الشوارع وجامعة الخرطوم والمظاهرات والشهداء والجرحى.
فاطمة: الطلبة ماتوا خلاس
والقرشي اندمر بي طلقة من رصاص
عثمان: القرشي اندمر بي طلقة من رصاص؟؟
بتجيبو الكلام من وين وكيف يا ناس؟
فاطمة: قولا صحيح ما فيه شيتا هازل
كلمني الصباح ود حاج حسين الفاضل
قال لي البلد مقلوبة فيها…… مقاصل
والجامعة الكبيرة بقت خرابا ماثل
ومقبرة للصغار وتنكيل بحق الغافل

المذياع «عروة»:
ممنوع
اسمعو المرقة والتجوال
البمرق بنضربو خلاس وصلنا قرار
أوامر أصدرت رصاصنا أحمر وحار
وما تتجمعوا واتجنبوا الأخطار
وإن تتظاهروا تلقوا الضرب بالنار
والخالف كلامنا راجيه سيف بتار
الطلبة: خير يا بوي ولكن ما ينشغل ليك بال
مجذوب انضرب وحالو أحسن حال
مثل في شجاعتو أروع…. الأمثال
عشان نحيا في سعادة ونحقق الآمال
فاطمة: عثمان أنا مارقة لي جاراتي
اللم شملهن نقاوم العنيد…. العاتي
أما الفصل الثالث، أو المشهد الثالث، فتظهر فيه شخصيات عثمان وفاطمة وعلي ومجذوب والمذياع. فكأنما المسرحية، مثلما بدأت بالجلسة العائلية، تنتهي بها. وهذا المشهد مكرس لتداعيات انتصار الثورة، كخروج مجذوب من المستشفى وحل مجلس الثورة ورئاسة الوزراء. كما تتبدى فيه إشارات إلى الموقف المناهض لأمريكا والمعونة الأمريكية، وكذلك إلى حلفاء العسكر من القوى السياسية السودانية، فضلًا عن الإشارة إلى الإضراب السياسي وفاعليته ودوره، وإلى البمبان الأمريكي.
هذا الفصل، أو هذا المشهد، مليء بالعواطف الجياشة، بالفرح والزغاريد والتضامن والهتافات.
عثمان: للإضراب السياسي أثر كبير في الثورة
خلاه الجبان يعرف وكيف ………. ينزرة
فاطمة: عثمان؟
كدي اصبر لي دقيقة قالوا البيان دا مهم
ولصلاح البلد فوايدو ماشّة تعم
المذياع: خلاس حلينا ليكم مجلس……. القوات
ورئاسة الوزارة وكافة الوحدات
وبطلنا التلاعب وشلنا يا شمات
جماعة العساكر زمانا ولى وفات
عثمان: أبشري يا أم علي وادينا زغرودات
مجذوب: يا دوب يا كريم نستنشق الحرية
ونصادق البلاد الحرة ديمة أبية
مصر والجزائر وكل دولة قوية
في الحق ما بتحابي وما بتبيع لي قضية
ونتعاون سوا إيدية في إيديه
أخوي في المغرب ونتغنى بالقومية
وباكر ليك نعيد فلسطينا يا عربية
أكتوبر خلود وحياة جميلة رضية
في ظل أمة سامية أصيلة سودانية
في ختام هذه المقالة الموجزة، غير المهتمة بالتفاصيل، يجدر بي أن أشير إلى أن هذا النص المسرحي المغمور، لكاتبته الأستاذة زينب موسى محمد، قد كُتب أو نُشر في العيد الأول لثورة أكتوبر، كما جاء في المقدمة التي جاءت بتوقيع اتحاد الشباب السوداني.
كما أشير إلى صورة الشهيد القرشي في آخر صفحات الكتاب، رسمها الأستاذ الريح السنهوري، سكرتير لجنة الفنون باتحاد الشباب السوداني بمدني. وأشير كذلك إلى بعض الهتافات التي وردت في النص، وذلك بسبب أن الهتاف من المشتركات في المسرحيات الثلاث، والهتافات التي وردت هي:
كفاح الطلبة كفاح الشعب
مات القرشي ليحيا الشعب
الرصاص لن يفنينا والتهديد لن يثنينا
كما أشير أيضًا إلى أن هذه المسرحية، إضافة إلى دورها التنويري والتعليمي، فقد لعبت دورًا توثيقيًا. وهنا يمكن القول إن النص راهن بشكل أساسي على الحوار بوصفه واحدًا من تقنيات الكتابة المسرحية وأنجعها في توصيل الرسالة المستهدفة، تحديدًا التعليمية والتوثيقية.





