شعر المقاومة السري في السودان قبل أكتوبر 1964

يوسف الغوث

تكتسب دراسة الظواهر الثورية في الفضاء السوداني أهمية نقدية بالغة، عند فحص المسافة الزمنية والجمالية التي سبقت لحظة الانفجار الجماهيري في الحادي والعشرين من أكتوبر 1964….

لم تكن ثورة أكتوبر وليدة صدفة سياسية عابرة، بل كانت تتويجًا لتراكمات وجدانية وفكرية تولى كِبرها شعر المقاومة السري، الذي تشكّل في أقبية السرية وضد محاولات التدجين الإجباري التي فرضها نظام الفريق إبراهيم عبود منذ أواخر الخمسينيات، في تلك المرحلة التي حُظرت فيها المنابر وصودرت فيها حرية التعبير..

لقد تحول الحرف الشعري السري إلى أداة تنظيمية وأيديولوجية بالغة الأثر نجحت في اختراق حاجز الخوف وبناء شبكات وعي تحت أرضية مهدت للتحول التاريخي الكبير، وشاركت في صياغة لغة الرفض التي تحولت لاحقًا إلى هتاف علني ملأ ساحات وشوارع العاصمة المثلثة وبقية أنحاء السودان.

تتبدى القيمة السياسية لهذا الشعر السري في قدرته الفائقة على استخدام الرمز والتعمية كوسيلة لتمرير الخطاب الثوري وتفادي مقص الرقيب العسكري الصارم..

لقد لجأ شعراء تلك المرحلة إلى استدعاء شخصيات تاريخية ورموز صوفية وأسطورية لإسقاطها على الواقع السياسي المعاش، فصار الحديث عن الظلم الفرعوني أو ليل الاستعمار أو شح الأمطار بمثابة شفرات دلالية يفهمها المتلقي السوداني على الفور بوصفها إدانة صريحة للنظام القائم..

من جهة أخرى اتخذ هذا الشعر أشكالًا تداولية بالغة الذكاء، فكان يُتداول عبر منشورات سرية تُكتب بخط اليد أو تطبع على آلات الرونيو البدائية لتوزع في أوقات متأخرة من الليل داخل دور اتحاد طلاب جامعة الخرطوم وداخل مقار النقابات العمالية والمهنية التي كانت تغلي بالرفض الصامت، مما جعل النص الشعري السري يقوم بوظيفة المنشور السياسي والبيان الحزبي ومحركًا لكوامن الغضب ومبقيًا على جذوة المقاومة مشتعلة في الصدور.

لم يقتصر شعر المقاومة السري على القصائد الفصحى ذات الطابع النخبوي، بل تمدد بذكاء استراتيجي نحو الوعي الشعبي من خلال توظيف شعر العامية السودانية وأغاني الموردة والحقيبة بعد إعادة شحنها بدلالات سياسية جديدة، مما أتاح للثورة أن تتغلغل في أنسجة الحياة اليومية للمواطن البسيط في الأسواق والأحياء الشعبية.

حينما أزفت ساعة الصفر في أكتوبر، كان هذا الإرث السري قد أنجز مهمته التاريخية المتمثلة في توحيد الوجدان القومي وتأمين الحاضنة الشعبية للحراك، ليتجسد هذا التراكم الخفي في أروع صوره عندما انهار جدار السرية وخرجت تلك الأبيات المحبوسة لتصدح بها الحناجر علانية في الميادين والشوارع، مؤكدة أن جماليات الاختباء والتخفي لم تكن نكوصًا أو هربًا، بل كانت عملية هندسة واعية لبناء فجر الحرية الآتي من عتمة الزنازين وصمت المتاريس….

إن الاستبصار النقدي لتاريخ النضال السوداني لا يستقيم دون الاعتراف بأن الوعي الشعري السري كان الحاضنة الحقيقية التي تشكلت في رحمها ثورة أكتوبر 1964، فلم تكن القصيدة المكتوبة في الخفاء ترفًا إبداعيًا، بل كانت عملًا نضاليًا أصيلًا نقل الاستلاب العام من مساحات الاستسلام إلى آفاق الفاعلية والمواجهة..

إن بلاغة الكتمان وتوظيف الرمزية المشفرة قد نجحا في إبطال مفعول الترسانة القمعية للدولة العسكرية، مما جعل لحظة الانفجار الأكتوبري مجرد تحصيل حاصل لانفجار لغوي ووجداني تم إنجازه مسبقًا، في وجدان الشعب..

لقد ظل هذا الإرث الأدبي السري مرجعًا معرفيًا وملهمًا يؤكد أن الحرف المقاوم لا يمكن محوه، وأن أجنحة الشعر قادرة على الطيران بالثورات نحو فضاءات التحرر والخلود مهما بلغت شدة العتمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى