من أكتوبر 1964 إلى أكتوبر 2026: هل نتعلم من تاريخنا؟

 

حيدر المكاشفي 

في الحادي والعشرين من أكتوبر 1964، لم يكن السودان وقتها بلداً مستقراً ينعم بالسلام والرفاه، ثم خرج شعبه إلى الشوارع طلباً للمزيد من الحرية، بل كان وطناً مثقلاً بالأزمات، تحكمه ديكتاتورية عسكرية وتنهكه حرب الجنوب، وتتراكم داخله أسباب الغضب والسخط، فيما تضيق مساحات التعبير وتتعاظم الفجوة بين السلطة والمجتمع. وحين بلغ الاحتقان مداه، قال الشعب كلمته، وانطلقت ثورة أكتوبر لتؤكد أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها ليست مستعدة للتعايش مع الاستبداد والفشل إلى الأبد.

واليوم، بعد اثنين وستين عاماً، تقف البلاد أمام مشهد أكثر مأساوية وقسوة. تدور فيه حرب طاحنة تدمر المدن والقرى وتحصد الأرواح، وتشرّد الملايين، وتدفع ملايين أخرى إلى الجوع والفقر، فيما تتآكل مؤسسات الدولة وتنهار الخدمات الأساسية، ويصبح البقاء على قيد الحياة حلماً يومياً لملايين السودانيين.

وبين أكتوبر الأمس وأكتوبر اليوم تتبدل أسماء الحكام والفاعلين، لكن السؤال القديم يعود بإلحاح: لماذا يدفع الشعب السوداني كل هذه الأثمان الباهظة، ولماذا تتكرر الأزمات بينما تتعثر محاولات بناء دولة السلام والحرية والديمقراطية؟

إن ثورة أكتوبر التي تمر علينا ذكراها لم تكن مجرد انتفاضة ضد الفريق إبراهيم عبود ونظامه العسكري، بل كانت تعبيراً عن أزمة وطنية عميقة، تجلت في الاستبداد السياسي وتقييد الحريات وفشل معالجة قضايا البلاد، وفي مقدمتها حرب الجنوب التي ساهمت في استنزاف الدولة وتعميق الانقسامات الوطنية. وجاء استشهاد الطالب أحمد القرشي طه خلال مواجهة مع الشرطة في جامعة الخرطوم، ليصبح الشرارة التي فجّرت الغضب الشعبي.

لكن الشرارة وحدها لا تصنع ثورة، فقد وجدت أمامها مجتمعاً مهيأً للاحتجاج، ونقابات مهنية وعمالية واتحادات طلابية وقوى سياسية استطاعت أن تلتقي رغم اختلافاتها حول هدف إسقاط الحكم العسكري واستعادة الحياة الديمقراطية. وكانت إحدى أهم لحظات أكتوبر أن قطاعات واسعة من المجتمع أدركت أن الأزمة لم تعد تخص حزباً أو نقابة أو فئة بعينها، وإنما تخص مستقبل السودان كله.

وهكذا تحولت الاحتجاجات إلى انتفاضة شعبية واسعة، وأسهم الإضراب السياسي العام في شل مؤسسات النظام، حتى اضطر عبود إلى التخلي عن السلطة. وقد أثبتت أكتوبر بذلك أن الديكتاتورية، مهما بدت متماسكة، يمكن أن تسقط حين تتسع قاعدة الرفض الشعبي وتتوحد الإرادة المدنية وتفقد السلطة قدرتها على فرض إرادتها بالقوة وحدها.

ولو جاز لنا عقد مقارنة بين حال السودان في 1964 وحاله في 2026، فلا يعني ذلك أن الحربين (حرب الجنوب والحرب الحالية) متطابقتان، أو أن الظروف السياسية والاجتماعية واحدة. فحرب الجنوب آنذاك كانت نزاعاً ممتداً ذا جذور سياسية وتاريخية، بينما الحرب الراهنة اتخذت نطاقاً تدميرياً واسعاً وأدخلت البلاد في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث.

لكن ثمة خيطاً خطيراً يربط المرحلتين، يتمثل في عجز الدولة عن معالجة التناقضات الوطنية بالوسائل السياسية، وتغليب منطق القوة والسلاح على الحوار، ودفع المدنيين ثمن صراعات لم يختاروها. ففي عام 1964 كانت حرب الجنوب أحد العوامل التي كشفت فشل النظام العسكري، وأظهرت أن القوة لا تستطيع وحدها حل قضية وطنية معقدة. واليوم تكشف الحرب الراهنة أن امتلاك السلاح لا يمنح أي طرف تفويضاً مفتوحاً لتقرير مصير البلاد، وأن الانتصار العسكري، حتى لو تحقق لطرف على آخر، لا يكفي وحده لبناء سلام مستدام أو إقامة دولة مستقرة.

والمفارقة الأكثر إيلاماً أن السودان الذي شهد ثورة شعبية أسقطت حكماً عسكرياً قبل أكثر من ستة عقود، يجد نفسه اليوم أمام حرب تهدد وجود الدولة ذاتها، بينما تتعرض القوى المدنية والسياسية لضغوط هائلة، ويُدفع المواطن إلى الاختيار القاسي بين الخوف والنزوح والجوع والموت.

وإذا كانت أكتوبر قد واجهت سلطة عسكرية أغلقت المجال السياسي، فإن التحدي الراهن أكثر تعقيداً، إذ لا تتعلق القضية بإنهاء حكم أو استبدال قيادة بأخرى فحسب، وإنما بوقف حرب متعددة الجبهات، وحماية المدنيين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ودستورية، وإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة التي جعلت السلاح منافساً للسياسة، بل بديلاً عنها.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى، فبينما نجح السودانيون في أكتوبر 1964 في إسقاط نظام عسكري، لكنهم للأسف فشلوا في معالجة جميع الأسباب البنيوية التي جعلت الانقلابات والحروب تتكرر في تاريخهم. فقد عادت البلاد إلى الحكم العسكري في مايو 1969، واستمر الصراع في الجنوب، ثم عاشت عقوداً من حكم الإنقاذ، قبل أن تندلع ثورة ديسمبر 2018 التي أسقطت عمر البشير، وفتحت نافذة جديدة للأمل أُغلقت تدريجياً بفعل الصراع على السلطة والانقلاب في أكتوبر 2021، وصولاً إلى الحرب الراهنة.

فقد جاءت ثورة ديسمبر 2018 لتؤكد أن جذوة المقاومة الشعبية لا تنطفئ، وأن إرادة الشعوب أقوى من كل محاولات القمع والتضليل. لكن المفارقة المؤلمة أن الذين أسقطوا نظام الإنقاذ بثورة شعبية عظيمة، لم يتمكنوا من حماية الانتقال المدني الديمقراطي من انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم انزلقت البلاد إلى حرب مدمرة أعادتها سنوات طويلة إلى الوراء.

وهنا يكمن الدرس الأهم الذي يربط أكتوبر بديسمبر، وهو أن إسقاط الاستبداد على عظمته ليس نهاية المعركة، فالمعركة الأصعب هي بناء دولة مدنية ديمقراطية، وحماية مؤسساتها، ومنع احتكار السلطة والسلاح، وإغلاق الطريق أمام عودة الاستبداد بأقنعة جديدة. فالثورات قد تفتح أبواب التغيير، لكن غياب التوافق الوطني والمؤسسات الديمقراطية الراسخة يجعل أبواب الانتكاس مفتوحة أيضاً.

هذا التتابع لا ينتقص من قيمة أكتوبر أو ديسمبر، ولا من شجاعة الذين صنعوهما، لكنه يكشف أن إسقاط الحاكم ليس نهاية المعركة من أجل الديمقراطية. فالثورة التي لا تتحول إلى مؤسسات دستورية راسخة، وجيش مهني واحد، وعدالة مستقلة، واقتصاد يخدم المواطنين، تظل عرضة للانتكاس مهما كانت عظيمة في لحظة انتصارها.

ومن أهم دروس أكتوبر أن وحدة القوى المدنية ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية. لقد احتاجت الثورة إلى النقابات والطلاب والمهنيين والقوى السياسية، وتحتاج مواجهة الحرب اليوم إلى أوسع جبهة مدنية مستقلة تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، وتتفق على وقف الحرب، وحماية المدنيين، ورفض إعادة إنتاج الاستبداد، واستعادة المسار المدني الديمقراطي.

لكن الوحدة لا تعني إلغاء الاختلافات أو مطالبة الجميع بالتطابق في الرؤى، بل تعني الاتفاق على الحد الأدنى الذي لا يمكن التنازل عنه، مثل الاتفاق على لا شرعية للحرب باعتبارها وسيلة للاستيلاء على السلطة، ولا مستقبل ديمقراطي في ظل عسكرة السياسة، ولا سلام دائم من دون معالجة جذور النزاعات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون.

ومن دروس الماضي أيضاً أن إنهاء الحرب لا يجوز تأجيله إلى ما بعد تحقيق انتصار عسكري كامل، أو ربطه بحسابات القوى المتصارعة ومصالحها. فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيداً من القتلى والنازحين، ومزيداً من انهيار الاقتصاد والتعليم والصحة، ومزيداً من تمزيق النسيج الاجتماعي.

إن وقف الحرب ليس تنازلاً عن الوطن، كما أن المطالبة بالحل السلمي ليست اصطفافاً مع هذا الطرف أو ذاك. إنه موقف ينطلق من حق السودانيين في الحياة والأمان، ومن ضرورة إخراج البلاد من دائرة الصراع المسلح إلى فضاء السياسة والتفاوض والمحاسبة.

ولا يكفي في المقابل أن تتوقف المدافع إذا بقيت أسباب الحرب قائمة، وإذا تُرك السلاح خارج سلطة الدولة، وإذا جرى استبعاد المدنيين من تقرير مستقبل البلاد، أو أُعيد إنتاج النظام القديم بواجهات جديدة. فالسلام الذي لا يفضي إلى تحول مدني ديمقراطي، ولا يعالج المظالم والتهميش، لن يكون سوى هدنة مؤقتة قد تسبق حرباً أخرى.

كذلك لا ينبغي اختزال الديمقراطية في إجراء انتخابات قبل تهيئة شروطها، أو في توزيع المناصب بين النخب. فالديمقراطية تعني أن تكون السلطة خاضعة للمساءلة، وأن تُصان الحريات، وأن تتساوى المواطنة، وأن يمتلك السودانيون حق اختيار حكامهم ومحاسبتهم وعزلهم بالوسائل الدستورية لا بالبندقية.

إننا في الذكرى الثانية والستين لثورة أكتوبر لا نحتاج إلى الاكتفاء باستعادة الأغنيات والشعارات والصور التي توثق لحظة الانتصار، بل نحتاج إلى مساءلة أنفسنا وقياداتنا السياسية بشأن ما حدث بعد ذلك الانتصار، وكيف أمكن لبلد صنع أكتوبر أن يعجز عن حماية الديمقراطية، ثم يصنع ديسمبر ويجد نفسه مرة أخرى في مواجهة الحرب والانهيار.

إن الوفاء لأكتوبر لا يكون بتقديس الماضي، وإنما بتحويل دروسه إلى برنامج عمل للمستقبل، بوقف الحرب فوراً، وتوفير الحماية والمساعدات الإنسانية للمدنيين، وإطلاق عملية سياسية مدنية ذات مصداقية، وبناء جيش وطني مهني واحد، وإصلاح المؤسسات، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ومعالجة جذور التهميش والصراعات، وضمان ألا تعود البلاد إلى حكم الفرد أو هيمنة السلاح.

والمطلوب كذلك ألا تتحول ذكرى أكتوبر إلى مناسبة للمزايدة السياسية أو احتكار الوطنية. فالثورة التي انتصرت بإرادة شعبية واسعة لا يمكن اختزالها في حزب أو جماعة أو قائد، كما أن إنقاذ السودان اليوم لا يمكن أن يكون مشروعاً خاصاً بأي قوة سياسية، وإنما مسؤولية وطنية تتطلب مشاركة المدنيين بمختلف مكوناتهم، واحترام تنوع البلاد، وتقديم مصلحة الناس على مصالح المتنافسين على السلطة.

لقد علّمتنا أكتوبر أن الخوف ليس قدراً، وأن الاستبداد ليس أبدياً، وأن الشعب قادر على تغيير مسار التاريخ حين يمتلك الإرادة والتنظيم والهدف المشترك. لكنها تذكّرنا أيضاً بأن إسقاط الديكتاتورية أسهل من بناء نظام ديمقراطي قادر على البقاء، وأن انتصار الشارع قد يضيع إذا لم تحرسه مؤسسات قوية ووعي سياسي ومسؤولية وطنية.

وبعد اثنين وستين عاماً، يقف السودان اليوم أمام امتحان جديد. فإما أن تتحول مأساة الحرب إلى نقطة انطلاق لبناء دولة المواطنة والسلام والديمقراطية، وإما أن تظل البلاد تدور في الحلقة المفرغة ذاتها: حكم عسكري وصراع على السلطة، ثم حرب، فثورة، ثم انتكاسة جديدة.

إن أكتوبر لم تكن مجرد ذكرى من الماضي، وإنما كانت إعلاناً بأن السودان أكبر من حكامه، وأن إرادة شعبه أقوى من سجون الطغاة. واليوم، وسط هذا الخراب، تظل الرسالة الأهم أن إنقاذ الوطن لا يبدأ بانتصار طرف على طرف، ولا بعودة شخص إلى كرسي السلطة، وإنما بإنهاء الحرب واستعادة حق السودانيين في أن يعيشوا أحراراً آمنين ومتساوين في وطن يسع الجميع.

فهل نتعلم أخيراً من أكتوبر وديسمبر، أم نترك للأجيال القادمة مهمة خوض المعركة ذاتها مرة أخرى؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى