شرق الجزيرة.. تقاوم عسكرة الحياة وتبدأ من الصفر

مغيرة حربية

منذ عودتهم إلى ديارهم وقراهم أواخر العام 2025، بعد نزوح وتشرد قاسٍ لأربعة أشهر بمناطق مختلفة، أخذ مواطنو وسكان شرق الجزيرة والبطانة، وسط السودان، يتدرجون في استعادة حياتهم المعيشة واليومية، شيئًا فشيئًا، وسط تحدياتٍ جمةٍ وخرابٍ بشع، طال المنازلَ والمرافقَ العامة للقرى والخدمات الأساسية، في المياه والكهرباء والصحة والتعليم.

خاوية على عروشها

يخبر عبد العال عبد الله، من أهالي قرية التبيب النافعاب، جنوب شرقي رفاعة، إنهم حين عادوا لم يجدوا شيئًا، وكانوا قد تركوا كل شيء في محله وفروا بأرواحهم بحثًا عن النجاة: “تركنا البيوت ممتلئة بالأثاث، والحقول يانعة بسنابل الذرة تنتظر الحصاد، وحين عدت، وجدتُ البيت مقلوبًا رأسًا على عقب. نهب اللصوص كل شيء وحفروا الأرض بحثًا عن الذهب، فعلوا ذلك بكل بيوت القرية وحصد (الشفشافة) الذرة في البلدات، ونهبوا كل القرى بلا هوادة أو رحمة. حين عدنا لم نجد حتى شيئًا ننام عليه”. يقول بحسرة في حديثه مع “أفق جديد”، مضيفًا أن النهب والخراب امتد للمرافق العامة في القرية والقرى المجاورة: “لم تنجو حتى محولات الكهرباء من النهب والتخريب، وامتدت يد اللصوص للأجهزة في مستشفى القرية، وهو أكبر مستشفى يقدم الخدمات الطبية والعلاجية لأكثر من 10 أخرى، وطال النهبُ المدارسَ والمحالَ التجارية وورش الحدادة والنجارة وكل شيء. لم تنجو سوى الجدران التي وقفت صامتةً تلُفُها الوحشة ويغطيها الظلام”.

جدل حول العسكرة

دفعت الحرب منطقة شرق الجزيرة والبطانة في اتجاه عسكرة الحياة وانخراط الشباب في تشكيلات عسكرية مختلفة، وينقسم المجتمع حيال عسكرة الفضاء العام، فبينما يرى البعض ضرورة امتلاك أسلحة للدفاع عن النفس، يرى آخرون إن إغراق المنطقة بالسلاح سيجرها لدائرة عنف طويلة. يقول عبد الله ود شوراني، وهو اسم مستعار لشاب التحق بإحدى التشكيلات العسكرية بالمنطقة إبان الحرب، ولكنه ترك حمل السلاح بعد عودة الحياة لطبيعتها، إنه كان يدافع عن أهله ومنطقته: “حملت السلاح ليعود الناس لبيوتهم وبمجرد عودة الحياة لطبيعتها لا أرى ضرورة لحمل السلاح”. ويضيف: “أعرف كثيرًا من الشباب تركوا حمل السلاح وذهبوا لأعمالهم المدنية. نحن لسنا مقاتلين، نحن تجار ومزارعين ورعاة”.

ويخبر ود شوراني إن بعض الرعاة في المنطقة يمتلكون أسلحة خفيفة للدفاع عن قطعانهم ومواشيهم: “هذا شيء طبيعي ومحدود”.

وتمتد شرق الجزيرة في رقعة واسعة من سهل البطانة، ضمن مناخ السافنا الفقيرة، ومساحتها حوالي 8449,45 كم²، وتشكل حوالي ثلث مساحة ولاية الجزيرة، وتضم أكثر من 514 قرية وبلدة، نزح منها أكثر من 400 قرية، خلال اجتياح قوات الدعم السريع للمنطقة، في أكتوبر 2024، انتقامًا من تحول القائد الميداني أبو عاقلة كيل لجانب الجيش؛ نزحوا صوب القضارف وحلفا الجديدة وشندي وأمدرمان. ويعمل الأهالي بالزراعة والرعي والتجارة، وقد اشتهرت المنطقة بالتعليم الباكر للفتيات منذ العام 1903، حين أسس الشيخ بابكر بدري أول فصل لتعليم البنات بمدينة رفاعة، حاضرة المحلية.

بالعون الذاتي ومن الصفر

خلَّفت الحرب والنزوح واقعًا أليمًا لأكثر من مليون ونصف شخص بالمنطقة، فقدوا جميع مدخراتهم وانهارت مداخيلهم اليومية وفقدوا فرص العمل المعتادة: “إزاء هذه المعاناة التي لم تختبر مثلها قبلاً، نحاول استعادة الحياة من الصفر”. يقول عبد العال، ويمضي معددًا انجازات الأهالي إعادةَ تأهيل المرافق في القرية من خلال مبادرات التضامن الذاتي فيما بينهم؛ حيث استأنفت المستشفى عملها بعد استجلاب معداتٍ طبية بواسطة أبناء القرية أنفسهم، وتأهيل العنابر وعودة الكوادر الطبية للعمل، وقد اسهمت المستشفى في تخفيف وطأة الأمراض والوبائيات التي اجتاحت المنطقة إثر تدهور البيئة في أعقاب عودة الأهالي، منها حمى الضنك والملاريا والحميات الأخرى. وواصل الأهالي، يقول عبد العال، في ترميم المنشآت الأخرى، منها المدارس وآبار المياه وخدمة الكهرباء. يقول: “زودت جميع الآبار بالطاقة الشمسية ودفعنا مبلغ (80) مليار للمحول الرئيسي وخصص صندوق شهري لتسيير العملية التعليمية من كتب ووسائل وإجلاس ودفع مستحقات المعلمين في المدارس بمراحلها المختلفة، والتي تضم 4 ألف طالب”. لكن عبد العال يقول أيضًا أن ثلاث دفعات حرموا من التعليم النظامي للأبد، وهي الدفعات 23 و24 و25 في المرحلة المتوسطة. “لم يذهبوا للمدرسة لثلاثة سنوات بسبب الحرب وغياب مؤسسات التعليم وإداراته في المحلية، من بينهم بنتي وولدي وآلاف التلاميذ في محلية شرق الجزيرة، لم يجدوا فرصة لتوفيق أوضاعهم التعليمية حتى اليوم”.

بدوره يشكو فضل عبد الباسط، من قرى السدارنة، شمال شرق مدينة تمبول، من انقطاع خدمة الكهرباء في كثير من القرى والفرقان بشرق الجزيرة، ويوضح في حديثه مع “أفق جديد” أن كثيرين من الأهالي حول المنطقة لا يزالون يعانون من تبعات صدمة الحرب والنزوح وفقد كامل مدخراتهم ومواشيهم. يقول: “فقد أغلب الناس سبل كسب العيش وتأمين قوتهم، حيث كانوا يعتمدون تربيةَ الأغنام المنزلية وحليب الأبقار في معاشهم اليومي ويوفرون الغذاء من زراعة البلدات بالذرة والدخن”. ويضيف: “أصبح الناس يشترون الذرة بمبالغ طائلة بعد فشل خريف هذا العام، وهو شيء لم يعتاده الناس في هذه المناطق”.

 

غلاء فادح

يصف فضل سوق تمبول الذي يرتاده المواطنون في تمبول والقرى والمناطق المجاورة، بأنه ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل شريان اقتصادي وحيوي يخدم شريحة واسعة من السكان، وينعقد أيام السبت والثلاثاء لبيع الأبقار والأغنام وأيام الجمعة والاثنين لبيع الإبل. لكنه يشكو ارتفاع الأسعار في سوق تمبول مقارنة مع أسواق أخرى، حيث يصل كيلو اللحم لنحو 60 ألفًا، ويصل سعر جوال الذرة من نوع الفتريتة إلى 650 ألف جنيه للجوال الواحد، بينما يتراوح السعر لصنف الدبر ما بين 600,000 إلى 700,000. يقول: “في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، أصبح المواطن يبحث عن أبسط احتياجات أسرته، من المواد الغذائية إلى الخضروات واللحوم، وسط دخل محدود والتزامات معيشية متزايدة”. ويعزو فضل ارتفاع الأسعار لغياب أجهزة الدولة وتكاليف الترحيل والوقود وانهيار العملة والضمير الوطني، حدَّ قوله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى