الفاشر.. حين يعجز الناجون عن الكلام

أفق جديد
من مدينة الفاشر، يحكي أحد شهود المأساة أن النجاة من الموت، يومها، كانت رهينة الحظ وحده. مسارٌ واحد للخروج من المدينة المنكوبة، وعلى جانبيه جنود قوات الدعم السريع يطلقون الرصاص كأنهم يمارسون لعبة، فيما تحلّق المسيّرات فوق رؤوس الفارين. كان ذلك هو الطريق الذي سلكه الناس للخروج من الفاشر ساعة اقتحامها بواسطة قوات الدعم السريع في مثل هذا اليوم من العام الماضي.
لكن الرجل الذي شهد تلك اللحظات، وعاش مأساة الفاشر وأهلها ساعة اقتحام المدينة، يكتفي اليوم بالصمت، ويرفض مواصلة الحديث. ذاكرة الوجع ليست مكاناً يرغب أحد في استعادته؛ فما حدث كان فوق التصور وأبعد من الخيال، إلى درجة أن تقارير دولية وشهادات ناجين وصفت ما جرى في الفاشر بأنه من أكثر مشاهد الانتهاكات عنفاً في النزاع السوداني. وينتهي الأمر بالعائد من الموت إلى الاعتذار عن مواصلة الحديث، كأن النجاة من الموت لم تكن كافية لإنقاذه من ذاكرة ما رأى.
وما لا يمكن تجاوزه أن مثل هذا اليوم من العام الفائت شهد إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على مدينة الفاشر، آخر المعاقل التي كان يوجد فيها الجيش بين مدن إقليم دارفور الكبرى. وقد اعتبر تحالف «تأسيس»، الداعم لهذه القوات، ما حدث خطوة في اتجاه تحقيق أهداف التحالف وغاياته في «إعادة بناء السودان على أسس جديدة»، وخطوة حاسمة في اتجاه حسم الحرب، وفقاً لرؤية التحالف.
الصمت الذي اختاره الناجي، الذي لم ينجُ من أوجاع ما شهد، اختارت منظمات دولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، أن تصرخ بدلاً عنه، مستحضرةً عبر تقاريرها الفظائع التي حدثت هناك. فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية، وفقاً لصحيفة «الغارديان»، انتشار عشرات الأكوام من الجثث في شوارع عاصمة شمال دارفور، التي تحولت إلى «مسرح جريمة واسع» و«مسلخ بشري».
وقالت الصحيفة إن التحليلات تشير إلى أن الجثث جُمعت في عشرات الأكوام تمهيداً لدفنها في مقابر جماعية أو حرقها في حفر كبيرة. لكن التخلص من الجثث لا يعني التخلص من آثار الجريمة بالكامل، ولا يمحو ما خلّفته من أدلة قد تطارد مرتكبيها. وفي هذا السياق، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق في احتمال ارتكاب قوات الدعم السريع وحلفائها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ومع طلوع شمس يوم 26 أكتوبر 2025، كانت قوات الدعم السريع قد اجتاحت آخر مواقع الجيش السوداني في الفاشر، واستولت على القاعدة الرئيسية في المدينة، مقر الفرقة السادسة مشاة، عقب انسحاب القوات النظامية.
ووثّقت مقاطع مصوّرة جنوداً يضحكون ويتجولون داخل المقر المهجور، حاملين قاذفات قنابل، فيما ظهر لاحقاً عبد الرحيم دقلو، شقيق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان «حميدتي» دقلو، وهو يتفقد القاعدة العسكرية.
وأقرّ قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، بوقوع انتهاكات في مدينة الفاشر عقب سيطرة قواته عليها، معلناً تشكيل لجنة للتحقيق. وأكد حميدتي أن قواته وفّرت ممرات آمنة للراغبين في الخروج من المدينة. لكن المدينة، وفقاً لمصادر، تحولت إلى سجن كبير، لا يستطيع من بقي داخله الخروج منه إلا بعد دفع فدية لقوات الدعم السريع التي احتجزت الناس هناك. وبين إعلان توفير الممرات الآمنة وروايات الاحتجاز وطلب الفدية، تتكشف صورة أخرى من صور المأساة التي عاشها سكان الفاشر.
وفي ذكرى مجزرة الفاشر ومأساتها، تتواصل الأنشطة الرسمية المتعلقة بتوثيق ما جرى، في مسار يستهدف، بصورة رئيسية، تجريم قوات الدعم السريع من خلال التركيز على انتهاكاتها. ومن بين هذه الأنشطة المنتدى الذي أطلقته السفارة السودانية في العاصمة البريطانية لندن، حيث قدّم رئيس البعثة، السفير بابكر الصديق محمد الأمين، تنويراً حول آخر التطورات في السودان، مجدداً التذكير بأن ما يشهده السودان، وفقاً لموقف الحكومة السودانية، ليس حرباً أهلية أو صراعاً على السلطة، وإنما عدوان خارجي يهدف إلى الهيمنة على البلاد، ونهب مواردها، والتحكم في موقعها الجيوستراتيجي بالغ الأهمية.
وأشار السفير إلى أن المنتدى ينعقد قبيل أيام من الذكرى الأولى لاحتلال قوات الدعم السريع مدينة الفاشر، بعد حصار استمر ثمانية عشر شهراً. وقال إن اجتياح المدينة وما ارتكبته القوات من فظائع غير مسبوقة يمثلان، بحسب تعبيره، إحدى عواقب تساهل المجتمع الدولي مع «المليشيا الإرهابية».
غير أن المفارقة تبرز في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة السودانية عن تساهل المجتمع الدولي مع انتهاكات قوات الدعم السريع؛ إذ يتجول النور القبة، قائد الهجوم على الفاشر، وفقاً لما يورده النص، في الخرطوم، بعد عودته إلى حضن الوطن واستقباله استقبال الفاتحين.
ويقيم النور القبة، الذي نفّذ حصار الفاشر والهجوم عليها، في أحد أرقى أحياء العاصمة، تحت نعيم السلطة. وكأن الانخراط في صفوف القتال مع الجيش يغفر ما سواه، بما في ذلك دماء السودانيين. فالمدينة التي تحتضن «القبة» تحتضن، في الوقت ذاته، ضحايا الفاشر من أهلها، لتعيد إلى الواجهة الأسئلة ذاتها عن ماهية الحرب وأهدافها، وعن المعايير التي يُقاس بها مفهوم «الكرامة» نفسه.
ولا تتوقف المفارقة عند عودة القبة إلى حضن الوطن، بل تمتد إلى نشاطه في إعادة تسويق نفسه باعتباره المخلّص، على غرار ما فعله منشقون آخرون، وفي مشهد يستدعي ما حدث مع حميدتي نفسه.
في لحظة سقوطها واجتياحها، كشفت الفاشر الحرب السودانية تماماً، وكشفت معها القيمة الحقيقية للدم السوداني. فقد أظهرت جدلية «التحرير والسقوط»، والتنازع بين أطراف الحرب، عجزاً عن أداء أدوار الحماية، بوصفها أحد واجبات الجيش الأساسية؛ إذ انتهى الأمر بالفرقة السادسة مشاة إلى الانسحاب من المدينة.
وفي المقابل، كشفت الأحداث عجز قوات الدعم السريع، وأظهرت ما يصفه النص بخطل ترديد لفظ «التحرير» الذي يرفعه قادة تحالف «تأسيس». فهؤلاء، بحسب هذه القراءة، لم يؤسسوا لشيء أكثر من تأسيسهم لرحيل الناس عن بيوتهم ومزارعهم، وللخراب الذي تعبّر عنه صورة المدينة اليوم.
لم تعد الفاشر كما كانت؛ فقد غادر أهلها إلى مناطق «طويلة»، حيث تنتظرهم معسكرات النزوح بكل مآسيها. بيوتٌ تركها أصحابها خلفهم، ومزارع ابتعد عنها أهلها، وحياةٌ انقطعت خيوطها تحت وطأة الحرب. وبين المدينة التي أُفرغت من سكانها ومعسكرات النزوح التي استقبلتهم، تتواصل المأساة، ويظل الرحيل وجهاً آخر من وجوه السقوط.
السادس والعشرون من أكتوبر ليس مجرد ذكرى لسقوط مدينة؛ إنه استعادة لذكرى سقط فيها الناس، يومها، في أنهار من الدماء. سقطت النساء والأطفال، ودُفنت المآسي مع الذين عاشوا في قلبها. أحد الذين غادروا المدينة قال، وهو لا يكاد يصدق أنه نجا: «ما حدث فوق التصورات، وفوق قدرتي على الكلام». وكأنه كان يقاوم ذاكرته ودموعه، لم يجد ما يردده سوى: «حسبنا الله ونعم الوكيل».
وبقيت لافتة المدينة شاهدةً على مفارقة موجعة؛ تسخر من «الكرامة»، وتبكي ما آل إليه «التأسيس» من مآسٍ، فيما يدفع الناس حياتهم ثمناً للحرب. هكذا تعود الفاشر في ذكراها: مدينةً لا تستعيد ذكرى سقوطها وحده، بل تستعيد وجوه الذين سقطوا، وأصوات الذين نجوا، وصمت الذين لم يعودوا قادرين على الكلام. وبعد عام كامل، لا تزال الأسئلة معلّقة فوق ركامها: من يحمي السودانيين؟ وأي كرامة تُبنى على دمائهم؟ وأي تأسيس يمكن أن يبدأ بقتل الناس وتهجيرهم من بيوتهم ومزارعهم؟





