المستقبل السوداني القريب.. من يملك حق قيادة الانتقال المدني بعد الحرب؟

أفق جديد

أفرزت الحرب في السودان واقعًا سياسيًا بالغ التعقيد، لم تقتصر تداعياته على تدمير مؤسسات الدولة وتفاقم الأزمة الإنسانية، بل امتدت لتعمّق الانقسامات داخل القوى السياسية والمدنية، وتعيد رسم خريطة التحالفات على أسس متباينة من المواقف تجاه الحرب وأطرافها.

أكدت الخارجية الأمريكية في سبتمبر الماضي أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لا يمثل أي واحد منهما ولا مجتمعان «حكمًا دستوريًا شرعيًا»، وأن «سلوك قادة الطرفين يجعلهم غير مؤهلين لحكم البلاد». وتشاطرها هذا الموقف قوى سياسية عديدة.

صحيح أن الإدارة الأمريكية حدد بوضوح من لا ينبغي أن يحكم، لكن ليس بمقدورها، ولا مقدور الآخرين، في الوقت الراهن تحديد من يمثل السودان؟ ولا كيف يمكن ابتدار عملية سياسية في غياب وقف لإطلاق النار وسيادة الاستقطاب؟

يتقاطع الموقف الأمريكي مع مواقف إقليمية ودولية تسعى إلى إنهاء الحرب، ثم الانتقال إلى حكومة مدنية. ورغم صعوبة الوضع واتساع رقعة القتال، يمكن البدء الآن في النقاش التحضيري لهذه الحكومة: الاتفاق على قواعد المشاركة في الحكم، وبناء تحالف سياسي مدني له صدقية، وتصميم المؤسسات التي ستدير المرحلة الانتقالية.

ففي الوقت الذي تصطف فيه قوى سياسية ضمن «الكتلة الديمقراطية» إلى جانب الجيش السوداني، تنضوي قوى أخرى تحت تحالف «تأسيس» المتحالف مع قوات الدعم السريع، بينما يتمسك تحالف «صمود» بخطاب يدعو إلى وقف الحرب وإنهاء المعاناة الإنسانية وفتح الطريق أمام عملية سياسية تعيد البلاد إلى مسار الانتقال المدني. ويتخذ تحالف (التغيير الجذري) الموقف الأخير نفسه، لكن بطريقة أخرى.

وفي الواقع، لن يحقق إبعاد قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» الكثير إذا كان السلاح والقوة العسكرية هي الطريق إلى السلطة والنفوذ السياسي.

وفي ظل هذا التباين، يبرز سؤال جوهري بشأن القوى التي يمكن أن تتولى إدارة المرحلة السياسية المقبلة، ومدى قدرتها على تحقيق توافق وطني لا يعيد إنتاج الأزمة السياسية. فبين الدعوات إلى عملية سياسية شاملة والاتجاه نحو استبعاد بعض التيارات، تتباين الرؤى بشأن معايير المشاركة وحدودها، لا سيما فيما يتعلق بالقوى المتحالفة مع طرفي الحرب والإسلاميين.

وطرحت «أفق جديد» هذا السؤال على عدد من المحللين السياسيين: في ظل رغبة غالبية السودانيين في إنهاء الحرب والدخول في عملية سياسية تفضي إلى عودة الانتقال المدني، ما المعايير التي ينبغي أن تحدد القوى السياسية المؤهلة لتولي هذه المهمة؟

معايير تتجاوز الاصطفاف

يرى الكاتب والمحلل السياسي عبد الله رزق أن النقاش الدائر حاليًا في المنابر السياسية والإعلامية بشأن العملية السياسية المقبلة يتجه نحو طرحين متباينين؛ أولهما يدعو إلى عملية شاملة لا تستثني أحدًا، والآخر يشترط استبعاد المؤتمر الوطني وواجهاته، وهو ما يجعل مسألة اختيار القوى المشاركة مرتبطة بالتجاذبات القائمة حول طبيعة التسوية السياسية وحدودها.

ويشير رزق لـ«أفق جديد» إلى أن اشتراط إنهاء القتال يمثل نقطة التقاء بين غالبية القوى السياسية باستثناء تلك المتحالفة مع طرفي الحرب، لكنه يلفت إلى وجود تحركات ومساعٍ لإدماج المؤتمر الوطني أو إشراكه ضمن جهود السلام، مستشهدًا بما يتردد عن مبادرات تقودها منظمة فرنسية وبوجود اتجاهات داخل بعض دوائر الاتحاد الأفريقي تدعم هذا المسار.

وفي المقابل، يوضح أن الوساطة التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها تتبنى موقفًا معارضًا لمشاركة الإسلاميين خلال الفترة الانتقالية أو في ترتيباتها، وهو ما يعكس وجود تيارين متباينين بشأن مستقبل هذه القوى ودورها في العملية السياسية.

ويضيف رزق أن القوى المدنية المناهضة للحرب تبدو مرشحة للاضطلاع بدور أساسي في التسوية، غير أن دائرة المشاركة قد تتسع لتشمل قوى أخرى تصنف ضمن الداعمة للسلام، حتى إن كانت لها تحالفات سابقة أو قائمة مع أحد طرفي الحرب.

ويخلص إلى أن المعيار الأبرز الذي يمكن استخلاصه من التطورات السياسية الراهنة هو الموقف من الحرب، معتبرًا أن الجدل حول مشاركة الإسلاميين لا يزال مفتوحًا، في ظل ما وصفه بإرهاصات لمراجعة مواقف داخل هذا التيار، إلى جانب الضغوط الدولية والإقليمية الرامية إلى دفعه نحو قبول التسوية وشروطها.

مشاركة الإسلاميين بشروط

من جانبه، يذهب الكاتب والمحلل السياسي حاتم إلياس إلى ضرورة عدم استبعاد أي قوة سياسية من الحوار، بما في ذلك الإسلاميون، لكنه يربط مشاركتهم بإجراء تغييرات جوهرية تضمن تكافؤ الفرص بين جميع الأطراف.

ويقول إلياس لـ«أفق جديد» إن مشاركة الإسلاميين يمكن أن تكون مقبولة شريطة إخلاء جهاز الدولة من هيمنتهم، بما يشمل الجيش والأمن والشرطة والمؤسسات الإدارية والاقتصادية قبل الدخول في أي حوار سياسي.

ويستند في موقفه إلى أن وجود قوى تشارك في الحوار بينما تظل في الوقت ذاته مهيمنة على مؤسسات الدولة يجعل العملية السياسية غير متكافئة، ويمنح طرفًا بعينه نفوذًا لا يتوافر لبقية المشاركين.

وبذلك لا يضع إلياس استبعاد الإسلاميين معيارًا للمشاركة بقدر ما يشترط الفصل بين النفوذ داخل مؤسسات الدولة والحق في المشاركة السياسية، بما يتيح حوارًا تتساوى فيه القوى المختلفة من حيث الفرص والتأثير.

 

رفض إعادة إنتاج الأزمة

أما الكاتب والمحلل السياسي فائز الشيخ، فيرى أن حصر القوى المعنية بالانتقال المدني في تحالف القوى المدنية الديمقراطية «صمود» يمثل تصورًا غير دقيق، وقد يضر بفرص الوصول إلى انتقال سياسي سلمي.

ويؤكد لـ«أفق جديد» أن معيار المشاركة ينبغي ألا يخضع للتصنيفات والتحالفات الضيقة، بل أن يستند إلى المواقف السياسية الواضحة، بحيث يشمل كل القوى والأفراد والمنظمات الداعية إلى وقف الحرب والحل السلمي والمؤمنة بالتحول الديمقراطي.

ويشدد الشيخ على ضرورة أن تكون القوى المشاركة رافضة لأي صيغة من شأنها إعادة إنتاج الأزمة السياسية أو إعادة الجيش وقوات الدعم السريع إلى الحكم بأي وسيلة، فضلًا عن رفض عودة النظام السابق والإسلاميين إلى السلطة.

ومن هذا المنطلق، لا يرى الشيخ أن الانتماء إلى تحالف بعينه يمنح صاحبه حقًا حصريًا في قيادة المرحلة المقبلة، وإنما يضع الالتزام بوقف الحرب والتحول الديمقراطي وعدم إعادة إنتاج مراكز السلطة السابقة في صدارة معايير المشاركة.

 

اختبار التوافق الوطني

تكشف هذه الإفادات عن تباين واضح في مقاربة القوى السياسية التي يمكن أن تقود المرحلة الانتقالية، خصوصًا بشأن حدود الشمول السياسي وموقع الإسلاميين ومدى إمكانية إشراك القوى التي ارتبطت بأحد طرفي الحرب.

فبينما يدعو عبد الله رزق إلى قراءة معايير المشاركة من خلال التحولات الجارية ومواقف القوى من الحرب والتسوية، يشترط حاتم إلياس تفكيك الهيمنة على مؤسسات الدولة قبل إشراك الإسلاميين في الحوار، في حين يطرح فائز الشيخ معيارًا أوسع يقوم على الالتزام بوقف الحرب والتحول الديمقراطي ورفض عودة الأطراف العسكرية والنظام السابق إلى السلطة.

وبقدر ما تعكس هذه المواقف اختلافًا في تقدير شروط العملية السياسية، فإنها تلتقي عند حقيقة أساسية تتمثل في أن الانتقال المدني لا يمكن أن يستند إلى مجرد إعادة ترتيب التحالفات القائمة أو توزيع مقاعد الحوار بين القوى المتنافسة، وإنما يحتاج إلى توافق على قواعد واضحة تضمن استقلال العملية السياسية وتمنع احتكار القرار أو إعادة إنتاج أسباب الأزمة.

ويبقى التحدي الأكبر أمام القوى السودانية هو الانتقال من سؤال من يشارك ومن يُستبعد إلى الاتفاق على مشروع سياسي يضع إنهاء الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية في مقدمة أولوياته، ويستعيد ثقة السودانيين في إمكانية الخروج من دائرة الصراع والانقسام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى