دكتوراه فخرية للبرهان في ماذا.. أفي علوم الحرب والخراب

حيدر المكاشفي
قبل أن نعرض للواقعة الغريبة والعجيبة بمنح إحدى الجامعات الروسية شهادة دكتوراه فخرية للجنرال البرهان، قائد الجيش السوداني، عنَّ لي أن أعرض أولاً لبعض تجاربنا المحلية مع هذه الشهادات الفخرية.. أذكر أن جامعة الخرطوم كانت قد منحت الدكتوراه الفخرية للعقيد القذافي وهو في عز سلطته وسطوته، ثم قررت لاحقاً سحبها منه بعد أن زال عزّه وذهبت سطوته وأفل نجمه وخبا صيته، وكانت تلك سقطة من جامعة الخرطوم جعلتها تمنح العقيد الدكتوراه الفخرية في القانون وهي تعلم سلفاً مدى مفارقة الرجل لأي قانون، ثم تنكص على عقبيها لتسحبها منه لاحقاً بعد أن علمت ورأت قرب نهاية الرجل، وكان ذلك قبل أن يُعثر على القذافي قتيلاً داخل ماسورة، والغريب أن العقيد القذافي لم يكن فخوراً ولا حفيّاً بالدكتوراه الفخرية التي تكرّمت بها عليه الجامعة، بل كاد أن يسخر منها عندما قال باللهجة الليبية: (ما نبيش دكتوراه فخرية، شن أدير بها)، والواقع يقول إن معمر محمد عبد السلام حميد خميس أبو منيار، وهو الاسم الكامل للقذافي، قد شبع من الدكتوراه الفخرية، فقد أُحصي له البعض، ولا أقول حصروا، ثلاثين دكتوراه فخرية حصل عليها من جامعات في مشارق الأرض ومغاربها، ليبية وعربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية ومن أميركا اللاتينية.. كما أذكر أن مجلس أساتذة جامعة السودان كان قد قرر سحب الدرجات الفخرية التي منحتها الجامعة خلال عهد الإنقاذ البائد من كل من علي عثمان محمد طه، محمد الشيخ مدني، عبد الرحيم محمد حسين، أحمد محمد هارون، سمية أبوكشوة، علي عمر إبراهيم فرح، عطيات مصطفى عبد الرحيم، وذلك لعدم تطابق أسباب منح الدرجة عليهم، وإنما انطبقت عليهم أسباب سحبها، وليست جامعة السودان وحدها من ترخصت في منح الدرجات العلمية الفخرية لنافذي النظام المندحر، وإنما تبارت عدد من الجامعات الأخرى في منح عدد من القيادات السابقة بغير وجه حق هذه الدرجات..

وعودة إلى دكتوراه البرهان، فقد كانت شيئاً عجيباً وغريباً يصعب فهمه، بأن تمنح جامعة روسية الجنرال عبد الفتاح البرهان شهادة دكتوراه فخرية، في الوقت الذي يقف فيه السودان كله شاهداً على واحدة من أفدح مآسيه الإنسانية ويصر على مواصلة الحرب رغم كلفتها الفادحة، حتى يستحق أن تحتفي به جامعة وتمنحه شهادة دكتوراه فخرية، فهذه والله مفارقة تثير الاستغراب والعجب والشكوك بين معنى الدكتوراه الفخرية بوصفها تكريماً للعطاء والإنجاز الاستثنائي وخدمة الإنسانية، وبين واقع السودان الذي تتواصل فيه الحرب والدمار والنزوح والجوع وانهيار مؤسسات الدولة، فأي إنجاز استثنائي هذا الذي رأته جامعة موسكو الحكومية للعلوم الإنسانية في البرهان، وأي إسهام علمي أو إنساني أو وطني قدمه البرهان لبلده، دعك عن العالم، دفعها إلى اختياره لنيل هذا التكريم؟ الحقيقة الوحيدة التي يعرفها جميع السودانيين اليوم، مثل معرفتهم لجوع بطنهم والمسغبة التي يكابدونها، أن البرهان مع آخرين هم من تسببوا في تمزيق البلاد وتدمير مدنها، ولجوء ونزوح الملايين، وجعلوا الأطفال يواجهون الجوع وسوء التغذية، والخدمات العلاجية والصحية منهارة، إلخ، هذه النكبات والضوائق، وذلك ليس بإشعال هذه الحرب اللعينة فقط، بل بالإصرار على الاستمرار فيها بلا أفق، وإذا كان المعروف بالضرورة أن الدكتوراه الفخرية تُمنح تقديراً للعطاء الاستثنائي والإنجازات التي تخدم الإنسان والمجتمع، فما هو الإنجاز الذي حققه البرهان ليستحقها، اللهم إلا أن يكون هو إنجاز في إدارة حرب الخراب والعبث والدمار وإطالة أمدها، أو ربما هو إنجاز في تحويل عاصمة البلاد ومدنها إلى أطلال، أم في إدارة واحدة من أكبر أزمات النزوح واللجوء في العالم، أم في جعل الجوع والخوف والتشرد تفاصيل يومية في حياة ملايين السودانيين، أو ربما تكون تلك الجامعة الروسية قد استحدثت في مناهجها تخصصاً في علوم إدارة الخراب وتدمير الأوطان، ولعل ذلك ما يثير الريبة في الطريقة التي حصل بها البرهان على هذه الشهادة من الجامعة، الراجح أن هناك جهوداً واتصالات وترتيبات لوجستية سبقت إعلان الجامعة منح الشهادة، باعتبار أن منح قائد الجيش شهادة دكتوراه فخرية يمكن توظيفها سياسياً وإعلامياً وتعد مؤشراً على الاعتراف الروسي به وتقديراً لمكانته، ولم تكن المسألة مجرد مبادرة أكاديمية عفوية من الجامعة..
إن الدكتوراه الفخرية، كما هو معلوم، ليست درجة علمية بالمعنى الأكاديمي، ولا تعني أن حاملها أجرى بحوثاً أو ناقش أطروحة علمية أو استوفى متطلبات الحصول على الدكتوراه. إنها تكريم معنوي تمنحه الجامعات لشخصيات قدمت إسهامات استثنائية في مجالات العلم أو الإنسانية أو التنمية أو خدمة المجتمعات. ولذلك فإن قيمتها لا تنبع من الورقة التي تُسلّم، ولا من اللقب الذي يضاف إلى الاسم، وإنما من مكانة الجهة المانحة أولاً، ومن قيمة الشخص الممنوح ثانياً، ومن وجاهة الأسباب التي استوجبت التكريم. وهنا تكمن مشكلة دكتوراه البرهان الحقيقية، فالشهادة الفخرية لا تصنع لصاحبها إنجازاً لم يحققه، ولا تمنحه تلقائياً مكانة لم يكتسبها، ولا تستطيع أن تغير صورة الواقع أو أن تمحو سجل الأحداث. ولعل الجامعة الروسية لم تنتبه إلى أن البرهان لا يقف أمام العالم بوصفه رئيساً لبلد ينعم بالاستقرار والازدهار، أو قائداً قاد شعبه إلى تجاوز أزماته، وإنما بوصفه قائد السلطة العسكرية التي تتحمل مسؤولية سياسية وتاريخية كبرى عن مسار الحرب ومآلاتها، وعن الإصرار على استمرارها رغم ما ألحقته بالسودان والسودانيين من خراب ومآسٍ. كما أن أي تكريم له لا يمكن عزله عن مسؤوليته عن قراراته ومواقفه، ولا عن مطالب ملايين السودانيين بإنهاء الحرب واستعادة الدولة والحياة المدنية. فهل هذه هي القيادة التي تستحق الاحتفاء الأكاديمي؟ وهل أصبح التشبث بالسلطة وإطالة أمد الحرب من مؤهلات نيل الأوسمة والشهادات الفخرية؟ والبرهان المنتشي بهذه الشهادة المضروبة الفالصو، رغم أنها فخرية شرفية، بوسعه أن يضيفها إلى سجل الألقاب التي يحملها، وأن يلتقط الصور ويتلقى التهاني عليها، لكن عليه أن يعلم أن هناك شهادة أخرى لا تمنحها الجامعات، وإنما يمنحها التاريخ والشعوب، ولا تُكتب بالحبر على الورق، بل تُكتب بمواقف القادة وقراراتهم ونتائج أفعالهم، والشهادة التي ينتظرها السودانيون ليست دكتوراه فخرية من جامعة موسكو، وإنما شهادة حقيقية على قدرته على وقف الحرب، وإنقاذ الأرواح، وإنهاء معاناة الشعب السوداني، وإعادة السودان إلى طريق السلام والحكم المدني الديمقراطي، أما الدكتوراه الفخرية فلتحتفظ بها الجامعة الروسية، وليحتفظ بها البرهان ويفخر ويتنبر، لكن الشعب السوداني سينتظر من يمنحه شهادة براءة من الحرب والخراب والمآسي التي يعيشها..





