أزمة صناعة القرار.. إصدار القرار حتى إشعار آخر

حيدر المكاشفي
في الأنباء أن بنك السودان المركزي تراجع عن قراره بمنح شركة العسجد للحلول الرقمية والبنكية تصديقًا للعمل في مجال خدمات نظم الدفع الإلكتروني، وقد جاء قرار الإلغاء في الوقت الذي لم يكن فيه الحبر الذي كُتب به قرار التصديق قد جف بعد، والغريب أن البنك برر قرار الإلغاء على طريقة (الجس بعد الذبح) بأنه جاء بعد مراجعة شاملة. (أليس من المفترض أن تكون هذه المراجعة الشاملة هي الشرط الأساسي الذي يسبق منح الترخيص، لا أن تأتي بعده؟).
المهم ليس من أغراضي هنا تناول قضية شركة العسجد وعدم أهليتها وما أثير من شكوك حولها، فذلك موضوع قتله الكاتبون تمحيصًا، وإنما غرضي هنا أن القضية تتجاوز مجرد التراجع عن قرار إداري، إلى ما يمكن توصيفه بأنه (أزمة صناعة القرار)، حيث تتحول القرارات الرسمية إلى مجرد مسودات تُعلن للرأي العام قبل أن تكتمل مراحلها المؤسسية، ثم تُسحب أو يتم التنصل منها أو يتم نفي وجودها أصلًا، كما في حالة قرار تعيين وكيل جديد لوزارة الخارجية.
وهذه الظاهرة تكررت في حكومة الأمر الواقع القائمة حاليًا بصورة لافتة، حتى أصبحت تثير تساؤلات حول الجهة التي تصدر القرار الحقيقي، ومن يملك سلطة إلغائه بعد الإعلان عنه.
المعروف في الدول التي لديها مؤسسات وتحترم مؤسساتها، أن القرارات الرسمية فيها تمر عبر سلسلة طويلة من الدراسات والمراجعات القانونية والفنية قبل أن ترى النور. أما مع حكومة الأمر الواقع فيبدو أن المراجعة تبدأ بعد نشر القرار، وأن التدقيق الحقيقي لا يأتي إلا بعد أن يقرأ المواطن الخبر في وسائل الإعلام.
آخر حلقات هذا المشهد جاءت مع قرار بنك السودان بمنح شركة العسجد ترخيصًا للعمل في مجال خدمات الدفع الإلكتروني، قبل أن يسحب البنك الترخيص بعد ساعات أو أيام قليلة، مبررًا ذلك بأنه أجرى (مراجعة شاملة للأوضاع الفنية والمالية والرقابية للشركة). وهو تبرير يثير سؤالًا بديهيًا مؤداه: إذا كانت هذه المراجعة ضرورية، فلماذا لم تُجر قبل إصدار الترخيص أصلًا؟ وهل أصبحت مؤسسات الدولة تختبر قراراتها على الهواء مباشرة وبعد إصدارها؟
وقبل أن تهدأ أصداء واقعة العسجد، طفت إلى السطح قصة تعيين أحد السفراء وكيلًا لوزارة الخارجية. فبحسب المعلومات المتداولة، أن إجراءات ومشاورات تعيين الوكيل قد اكتملت، بل وأُعدت المسودة الرسمية، وكادت تحمل الرقم النهائي قبل توقيعها، ثم اختفى القرار فجأة، بل صدر نفي لوجوده من الأساس، وكأن الوثائق التي كانت تتحرك داخل مؤسسات الدولة كانت مجرد سراب.
المشكلة هنا ليست في إلغاء قرار أو تعديله، فكل الحكومات في العالم يمكن أن تتراجع عن بعض قراراتها عندما تظهر معلومات جديدة. لكن الفارق أن التراجع هناك يحدث وفق إجراءات معلنة ومسببة، أما هنا فالمشهد يبدو وكأن هناك حكومتين، حكومة تعلن القرار، وحكومة أخرى تلغيه، بينما يبقى المواطن حائرًا لا يعرف أين السلطة الحقيقية.
لقد تحولت ظاهرة (صدر القرار ثم أُلغي) إلى سمة متكررة في إدارة الشأن العام. قرارات تصدر ثم تجمد، وتعيينات تعلن ثم تنفى، وتوجيهات تنشر ثم تسحب. وكأن مؤسسات الدولة تعمل بمنطق (النسخة التجريبية)، حيث يصبح المواطن هو من يكتشف الأخطاء بعد النشر.
هذا النمط يكشف عن أحد احتمالين، وكلاهما معيب. الأول هو أن المؤسسات تعاني ضعفًا مهنيًا يجعلها تصدر قرارات قبل استكمال الفحص والتدقيق، وهو خلل إداري جسيم. والثاني، وهو الأخطر، أن القرار الرسمي ليس هو القرار الحقيقي، وأن مراكز نفوذ غير معلنة تستطيع التدخل في اللحظة الأخيرة لإيقافه أو تغييره، بما يعني أن السلطة الفعلية توجد خارج المؤسسات التي يمنحها القانون حق إصدار القرار.
وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة، هي تآكل هيبة الدولة. فالدولة التي تتراجع عن قراراتها بهذه السرعة، أو تنفي قرارات خرجت من داخل أجهزتها، ترسل رسالة سلبية إلى المستثمر، فالمستثمر الذي يرى ترخيصًا يصدر ثم يُسحب، لن يسأل عن الشركة، بل سيسأل عن الدولة، وترسل أيضًا رسالة سلبية إلى الموظف العام وإلى المواطن العادي، مفادها أن الاستقرار المؤسسي غائب، وأن القرار ليس نهاية الإجراءات بل بدايتها.
ولا يقتصر الضرر على الجانب الإداري فحسب، بل يمتد إلى الثقة العامة. فكل قرار يُلغى بعد ساعات، وكل بيان يُكذَّب ببيان آخر، يضيف طبقة جديدة من الشك بين الدولة والمجتمع. وعندما تصبح البيانات الرسمية نفسها محل تساؤل، فإن أخطر ما تخسره السلطة ليس القرار، وإنما المصداقية.
إن القضية ليست قضية شركة أو منصب أو مسؤول بعينه، وإنما قضية منهج في الحكم. فالدول لا تُدار بردود الأفعال، ولا بالتراجع المستمر، ولا بالقرارات التي تعيش ساعات قبل أن تُلغى. الإدارة الرشيدة تبدأ قبل توقيع القرار، لا بعد نشره.
ويبقى السؤال المهم الذي تفرضه هذه الوقائع: من الذي يحكم فعلًا؟ هل هي الجهة التي تصدر القرار، أم هي الجهة التي تمتلك القدرة على إلغائه بعد صدوره؟
وحتى يجد السودانيون إجابة واضحة، ستظل البلاد تعيش في تلك المنطقة الرمادية الفاصلة بين الإعلان والنفي، حيث لا يكون القرار نهائيًا إلا بعد أن ينجو من معركة خفية لا يراها أحد.
والتجربة علمتنا ألا نتعامل مع أي قرار رسمي باعتباره قرارًا نهائيًا، وإنما باعتباره النسخة التجريبية التي قد تُسحب في أي لحظة إذا اعترضت عليها جهة لا يعرفها أحد، أو إذا اكتشف أصحاب القرار متأخرين أنهم نسوا القيام بما كان ينبغي القيام به قبل إصداره.
أم أن الإجراءات عندنا أصبحت مثل أفلام (الفلاش باك)، يبدأ عرضها من النهاية ثم يعود المخرج لشرح البداية؟
ويا للعجب، فالمشكلة ليست في شركة العسجد بقدر ما هي في هذه الخرمجة و(السواطة) السائدة في حكومة الأمر الواقع.





