الإسلام والعلمانية وأزمة الدولة لا أزمة الشعارات (3)

محمد عمر شمينا

انتهى المقال السابق إلى أن السؤال الذي لم يُحسن السودانيون طرحه منذ الاستقلال هو: كيف نبني دولة تتسع للجميع قبل أن نختلف حول من يحكمها؟ وكيف نضمن أن تبقى الدولة ملكاً لجميع مواطنيها، لا أداةً في يد أي تيار سياسي أو فكري مهما كانت شعاراته؟

غير أن طرح السؤال، على أهميته، لا يكفي وحده. فالتحدي الحقيقي يبدأ عندما نحاول الانتقال من مستوى التشخيص إلى مستوى البناء، ومن نقد التجارب السابقة إلى البحث عن الأسس التي يمكن أن تقوم عليها دولة مستقرة وعادلة. فالكثير من الأزمات السياسية لا تنشأ بسبب غياب الوعي بالمشكلة، وإنما بسبب العجز عن تحويل ذلك الوعي إلى مشروع عملي قادر على الصمود والاستمرار.

فالدولة التي تتسع للجميع ليست شعاراً سياسياً جديداً يُضاف إلى قائمة الشعارات المتداولة، وليست مجرد تسوية مؤقتة بين القوى المتنافسة، وإنما هي مشروع يقوم على قواعد ومبادئ تسبق الصراع على السلطة وتعلو عليه. فقبل أن نسأل من يحكم، ينبغي أن نتفق على طبيعة الدولة التي سيحكم من خلالها، وعلى الحقوق التي لا يجوز المساس بها مهما تبدلت الحكومات أو تغيرت موازين القوى.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الاتفاق على هوية الحاكم أسهل كثيراً من الاتفاق على حدود السلطة نفسها. كما أثبتت أن الدول لا تنهار بالضرورة بسبب نقص الموارد أو ضعف الإمكانات، وإنما قد تنهار عندما يفقد مواطنوها الثقة في عدالة مؤسساتها، وفي قدرتها على تمثيلهم جميعاً على قدم المساواة.

ومن هنا، فإن بناء دولة تتسع للجميع يبدأ من الاعتراف بحقيقة أساسية، وهي أن السودان ليس ملكاً لفكرة واحدة، ولا لجماعة واحدة، ولا لقراءة واحدة للتاريخ أو الهوية. إنه وطن تشكل عبر تفاعلات معقدة ومتراكمة، ولا يمكن إدارته بمنطق الغلبة الدائمة أو الانتصار النهائي لأي طرف على الآخر. فكل مشروع حاول احتكار تعريف السودان أو اختزاله في بعد واحد انتهى إلى تعميق الانقسام بدلاً من تحقيق الوحدة.

وعليه، فإن السؤال الذي يواجه السودانيين اليوم ليس كيف ينتصر مشروع على مشروع، بل كيف يمكن إنشاء قواعد مشتركة تسمح لمختلف المشاريع بالتعايش والتنافس السلمي داخل إطار وطني واحد. فالدولة الناجحة ليست تلك التي تلغي الخلافات، وإنما تلك التي تنظمها وتمنع تحولها إلى صراعات مدمرة.

ولذلك، فإن الحديث عن الدولة التي تتسع للجميع يقودنا إلى عدد من المبادئ الأساسية، في مقدمتها المواطنة المتساوية، وسيادة حكم القانون، واستقلال المؤسسات القومية، والقبول بالتنوع بوصفه حقيقة قومية لا مشكلة سياسية.

غير أن التجربة السودانية تقدم دليلاً إضافياً على أن الأزمة لا تكمن في الشعارات وحدها. فلو كانت المشكلة مرتبطة بالأفكار المعلنة فقط، لكان من المتوقع أن تتماسك القوى التي تتبنى المرجعية الفكرية نفسها أو الشعار السياسي نفسه. لكن الواقع أظهر العكس. فقد شهدت الساحة السودانية، على امتداد عقود، انقسامات متكررة داخل الأحزاب والحركات والتنظيمات التي تنطلق من المرجعيات ذاتها، سواء كانت دينية أو قومية أو يسارية أو جهوية.

ولا تعكس هذه الانقسامات بالضرورة خلافات جوهرية حول المبادئ الكبرى، بقدر ما تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بضعف المؤسسية، وغياب آليات إدارة الخلاف، والعجز عن بناء تقاليد سياسية مستقرة تسمح بالتنافس والتداول والتجديد داخل الأطر التنظيمية نفسها. ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على كيفية إدارة التنوع داخل المجتمع، بل يمتد أيضاً إلى كيفية إدارة الاختلاف داخل القوى السياسية ذاتها. فالدولة التي تعجز نخبها عن إدارة خلافاتها بصورة سلمية ومؤسسية ستجد صعوبة في بناء مؤسسات وطنية قادرة على استيعاب المجتمع بكل تعقيداته.

ومن هذه الزاوية، تبدو أزمة الدولة السودانية جزءاً من أزمة أوسع في الثقافة السياسية نفسها. فالمشكلة ليست فقط في تعدد المشاريع والأفكار، وإنما في غياب القواعد التي تنظم العلاقة بينها، وتحول دون انتقال الخلاف الطبيعي إلى انقسام دائم أو صراع مفتوح. ولهذا تظل مهمة بناء المؤسسات أكثر أهمية من الانتصار لأي شعار، لأن المؤسسات وحدها هي القادرة على تحويل الاختلاف من مصدر للانقسام إلى مصدر للإثراء والتجديد.

كما أن بناء دولة تتسع للجميع يقتضي التعامل مع التنوع السوداني بوصفه حقيقة ينبغي إدارتها، لا مشكلة ينبغي التخلص منها. فقد ظل التنوع العرقي والثقافي والديني واللغوي حاضراً في النقاش السوداني لعقود طويلة، وغالباً ما جرى التعامل معه باعتباره مصدر تهديد للوحدة الوطنية. لكن التجارب الحديثة تشير إلى أن التنوع في حد ذاته ليس سبباً للأزمات، وإنما تصبح المشكلة في كيفية إدارته. فالدول التي نجحت في استيعاب تنوعها لم تفعل ذلك عبر الإنكار أو الإقصاء، بل عبر الاعتراف بالتعدد ودمجه في إطار وطني جامع.

ومن هنا تبرز أهمية العقد الاجتماعي بوصفه اتفاقاً عاماً على المبادئ التي تنظم الحياة السياسية. فالدساتير لا تكتسب قيمتها من نصوصها وحدها، وإنما من قبول المجتمع بها واستعداده للدفاع عنها. وكلما اتسعت دائرة التوافق حول القواعد الدستورية، ازدادت فرص الاستقرار السياسي، وتراجعت احتمالات اللجوء إلى القوة لحسم الخلافات.

لقد كشفت الحرب السودانية الراهنة، بصورة مؤلمة، أن بناء الدولة لا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الصراع. فالحروب نفسها كثيراً ما تكون نتيجة لفشل الدولة في أداء وظائفها الأساسية. وعندما تغيب المؤسسات القادرة على إدارة الخلافات، يصبح العنف بديلاً عن السياسة، وتتحول الساحة الوطنية إلى ميدان مفتوح للصراعات المسلحة.

ولهذا، فإن إعادة بناء السودان لا ينبغي أن تقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل يجب أن تشمل أيضاً إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبين المكونات المختلفة للمجتمع السوداني. فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، وإنما تُبنى أيضاً بالعدالة والثقة والشعور المشترك بالمصير الواحد.

إن الانتقال من معركة الشعارات إلى معركة بناء الدولة يتطلب شجاعة من نوع مختلف. فهو لا يحتاج إلى القدرة على هزيمة الخصوم بقدر ما يحتاج إلى القدرة على التفاهم معهم، ولا إلى انتصار فكرة على أخرى بقدر ما يحتاج إلى الاتفاق على قواعد تسمح للأفكار المختلفة بالتعايش داخل إطار وطني مشترك.

فالدول لا تستقر لأن مواطنيها متشابهون، ولا لأنها خالية من الخلافات، وإنما لأنها تمتلك مؤسسات وقواعد تجعل الاختلاف قابلاً للإدارة والتعايش. وعندما ينجح السودانيون في بناء مثل هذه الدولة، عندها فقط يمكن القول إنهم انتقلوا فعلاً من معركة الشعارات إلى معركة بناء الدولة، ومن الجدل البيزنطي حول الهوية إلى تأسيس وطن يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى