السودان… الحرب المنسية

طارق فرح
لم يكن وصف “السودان… الحرب المنسية” مجرد عنوان لحلقة تلفزيونية، بل كان توصيفًا دقيقًا لواقع عاشه السودانيون طوال سنوات الحرب. وقد اقتبست عنوان هذا المقال من ذلك الوصف الذي جاء في برنامج “المسائية” على قناة الجزيرة مباشر، لأنه اختصر مأساة شعبٍ تتراجع أخباره في نشرات العالم، بينما تتفاقم معاناته يومًا بعد يوم.
في هذا السياق، برز برنامج “المسائية” بوصفه نافذةً مهمة يطل منها العالم على ما يجري في السودان. لم يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل قدم قراءةً للأحداث، واستضاف أصحاب الرأي والخبراء، وتابع التطورات العسكرية والسياسية والإنسانية، محافظًا على حضورٍ ثابت لقضية كادت أن تطغى عليها أزمات أخرى في المشهد الإخباري العالمي.
وجد آلاف السودانيين داخل البلاد وخارجها، إلى جانب المهتمين بالشأن السوداني، مصدرًا موثوقًا لمتابعة التفاصيل وتحليل الأحداث وفهم تعقيدات الأزمة. ففي وقتٍ تراجعت فيه التغطية الإعلامية الدولية، ظل البرنامج يؤدي رسالته باحترافية شهد بها كثير من المتابعين، على اختلاف توجهاتهم.
لا يمكن الحديث عن “المسائية” دون الإشادة بمقدمه؛ أحمد طه، الذي اكتسب، عبر سنوات من المتابعة، معرفةً عميقةً بالشأن السوداني، وأدار حوارات اتسمت بالهدوء والمهنية، وطرح أسئلة ساهمت في إظهار كثير من الحقائق وإثراء النقاش العام حول الأزمة.
وفي ذروة هذا الحضور، جاء إعلان مقدم البرنامج انتهاء التجربة مفاجئًا لكثيرين، حين كتب في صفحته الشخصية:
“أسدل الستار اليوم على آخر حلقات برنامج (المسائية) على شاشة الجزيرة مباشر، بعد سنوات تشرفت خلالها بالمشاركة في تقديمه… أتقدم إليكم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان على ثقتكم الغالية… وإلى لقاء قريب بإذن الله في إطلالة متجددة عبر الجزيرة.”
حملت هذه الرسالة كلمات الشكر والوداع، لكنها تركت أيضًا سؤالًا مشروعًا لدى جمهور واسع من المتابعين:
لماذا توقف برنامج استطاع أن يكون أحد أبرز المنابر الإعلامية لمتابعة الحرب في السودان؟
حتى الآن لا توجد معلومات معلنة تفسر أسباب التوقف، لكن المؤكد أن غياب منصة إعلامية بهذا الحضور يترك فراغًا في متابعة واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية والسياسية في المنطقة.
إن الحرب في السودان لم تنتهِ، ومعاناة المدنيين لم تتوقف، واحتياج العالم إلى معرفة ما يجري لا يزال قائمًا. فالإعلام الحر والمهني لا يؤدي دورًا إخباريًا فحسب، بل ينهض بمسؤولية أخلاقية وإنسانية تتمثل في نقل الحقيقة، وإعطاء الضحايا صوتًا، وإبقاء القضايا العادلة حاضرة في الضمير العالمي.
ومن هنا، تبقى الدعوة قائمة لقناة الجزيرة بأن تعيد هذا البرنامج، ولو في ثوب جديد أو بمسمى مختلف، مع استمرار أحمد طه في تقديمه، أو في أي مساحة تُعنى بالشأن السوداني. فقد أثبت خلال السنوات الماضية فهمًا عميقًا للملف السوداني، وهو ما يجعل الاستفادة من هذه الخبرة إضافةً حقيقية لأي مشروع إعلامي يتناول هذه القضية.
ولا تقتصر هذه الدعوة على قناة الجزيرة مباشر، بل تمتد إلى كل وسائل الإعلام الحرة والمستقلة، لتمنح السودان ما يستحقه من اهتمام، وتوضح للعالم حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها ملايين السودانيين. فالسودان لا يحتاج إلى تعاطف موسمي، وإنما إلى تغطية إعلامية مستمرة تمنع أن تتحول مأساته إلى خبر عابر، وتدفع نحو السلام ووقف الحرب، وإنهاء معاناة السودانيين.
قد تتوقف البرامج، وتتغير الخرائط الإعلامية، لكن معاناة السودانيين لا تتوقف. ويبقى الواجب الأخلاقي والمهني للإعلام أن يواصل نقل الحقيقة، وأن يُبقي السودان حاضرًا في صدارة الاهتمام، حتى لا تتحول مأساته إلى حربٍ منسية بالفعل.





