الخارجية الأمريكية لـ”أفق جديد”: ما راج عن لقاءات مع الإسلاميين “أخبار كاذبة

"حصاد الأصفار"

أفق جديد

أَوْصَدَتْ الولايات المتحدة الأمريكية أبوابها نهائيًا أمام الحركة الإسلامية السودانية، قاطعةً الطريق أمام كل محاولات التواصل التي قادها نافذون في التنظيم الساعي، بحسب خصومه، إلى استعادة السلطة التي أطاحت بها ثورة ديسمبر الشعبية عام 2019، عبر حرب مدمرة أدخلت البلاد في واحدة من أعقد أزماتها الحديثة. وفي تصريح خاص لـ”أفق جديد”، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية بعبارات حاسمة: “لم ولن نلتقِ الإسلاميين”، في موقف يعكس اتجاهًا دوليًا متناميًا لعزل الحركة سياسيًا وإبعادها عن أي ترتيبات مستقبلية تخص السودان.

وفي المقابل، أجمع سياسيون وصحافيون وأكاديميون ودبلوماسيون تحدثوا لـ”أفق جديد” على أن الحركة الإسلامية تواجه أكثر مراحلها قتامة منذ سقوط نظامها، إذ يتراجع نفوذها السياسي والعسكري بوتيرة متسارعة، وتتآكل مواقعها داخل مؤسسات الدولة لمصلحة فاعلين جدد فرضتهم التحولات العميقة التي أعادت رسم خرائط القوة والنفوذ في البلاد. وبين عزلة خارجية متزايدة، وتحديات داخلية غير مسبوقة، يثور السؤال الكبير حول ما إذا كانت الحركة الإسلامية تقف على أعتاب أفول تاريخي، أم أنها لا تزال تمتلك أوراقًا تمكّنها من إعادة إنتاج حضورها في المشهد السوداني المضطرب.

وبعبارات قاطعة لا تحتمل التأويل، أغلقت الولايات المتحدة الأمريكية الباب أمام الروايات التي تحدثت خلال الأيام الماضية عن لقاءات سرية جرت في ثلاث عواصم مختلفة بين مسؤولين أمريكيين وقيادات نافذة في الحركة الإسلامية السودانية، في وقت كانت تتردد فيه معلومات عن مساعٍ قادتها شخصيات مؤثرة داخل الحركة لتقديم مبادرات سياسية للإدارة الأمريكية والاستعانة بشركات علاقات عامة ولوبيات ضغط أملًا في كسر العزلة الدولية التي تطوقها منذ سقوط نظامها في العام 2019، وحتى القبول، وفق تلك الروايات، بأي وساطات إقليمية أو دولية يمكن أن تفضي إلى فتح قنوات تواصل مع واشنطن.

وقال متحدث باسم الخارجية الأمريكية، لـ”أفق جديد”، إن “التقارير التي تحدثت عن اجتماعات بين قادة الحركة الإسلامية السودانية ومسؤولين أمريكيين كاذبة تمامًا وبشكل قاطع”، نافيًا بصورة مطلقة صحة ما راج عن وجود قنوات اتصال أو تفاهمات بين الطرفين.

ومضى المتحدث إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا أن “الحركة الإسلامية السودانية صُنفت منظمة إرهابية أجنبية باعتبارها جزءًا من جماعة الإخوان المسلمين السودانية”، في توصيف يعكس، وفق مراقبين، عمق القطيعة السياسية بين واشنطن والتيار الإسلامي السوداني، ويغلق عمليًا الباب أمام أي رهانات على إعادة تطبيع العلاقات أو بناء شراكات سياسية مستقبلية.

ويكتسب هذا الموقف أهمية مضاعفة لأنه يأتي في سياق سياسة أمريكية أكثر تشددًا تجاه مجريات الحرب في السودان والأطراف المنخرطة فيها. ففي إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي، رسم كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، صورة قاتمة للأوضاع الإنسانية والأمنية في البلاد، مؤكدًا أن استمرار القتال ينذر بمزيد من الفظائع والانتهاكات بحق المدنيين، وأن الولايات المتحدة ماضية في فرض عقوبات جديدة على الأطراف التي تسهم في إطالة أمد النزاع أو تصعيده.

 

لغة صارمة

ويبدو أن واشنطن، التي ظلت لعقود تنظر إلى الحركة الإسلامية السودانية باعتبارها أحد مكونات المشروع الأيديولوجي المرتبط بتنظيم الإخوان المسلمين، لم تبدل حتى الآن مقاربتها الأساسية تجاه هذا التيار، رغم التحولات الكبرى التي شهدها السودان منذ اندلاع الحرب. فالإدارة الأمريكية الحالية لا ترى في الإسلاميين طرفًا يمكن الرهان عليه في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب، بل تنظر إلى الأزمة السودانية من زاوية بناء عملية سياسية جديدة تقوم على الحكم المدني وقطع الطريق أمام إعادة إنتاج النخب التي ارتبطت، في نظرها، بتقويض الانتقال الديمقراطي وإدخال البلاد في دوامات العنف والانقسام. ولعل ما يعزز هذا الفهم، اللغة الصارمة التي استخدمها كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، خلال الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن الدولي المخصصة لمناقشة الأوضاع في السودان، إذ رسم صورة قاتمة لمستقبل الصراع، مؤكدًا أن المدنيين السودانيين يدفعون الثمن الأكبر لحرب استنزاف مفتوحة، وأن البلاد تواجه مخاطر متزايدة لارتكاب مزيد من الفظائع والانتهاكات المشابهة لما حدث في الفاشر.

ولم يكتفِ بولس بوصف الكارثة الإنسانية، بل أعلن أن الولايات المتحدة ماضية في فرض عقوبات جديدة على أطراف سودانية على خلفية استخدام أسلحة كيميائية، وكشف عن استهداف شبكات شراء وتجنيد ساهمت في تصعيد العمليات العسكرية، في رسالة تعكس اتجاهًا أمريكيًا أكثر تشددًا تجاه كل الفاعلين الذين يسهمون في إطالة أمد الحرب أو تعقيد فرص التسوية السياسية.

والأكثر دلالة أن المسؤول الأمريكي كشف أمام مجلس الأمن عن رفض مجلس السيادة السوداني لآخر نسخة من مقترح الهدنة الإنسانية الذي قدمته واشنطن، مشيرًا إلى أن السلطات السودانية ظلت ترفض بصورة متكررة الدعوات الأمريكية الرامية إلى التوصل إلى هدنة تمهد لوقف دائم لإطلاق النار. ويعكس هذا التطور حجم التباعد المتزايد بين الرؤية الأمريكية للأزمة السودانية وبين مواقف القوى المسيطرة على الأرض، بما في ذلك التيارات الإسلامية التي يُنظر إليها بوصفها أحد أبرز مراكز النفوذ داخل المعسكر الداعم لاستمرار الحرب.

ومن هذا المنظور، فإن النفي الأمريكي للقاءات المزعومة مع قيادات الحركة الإسلامية لا يمكن قراءته باعتباره موقفًا إجرائيًا أو دبلوماسيًا فحسب، بل يمثل امتدادًا لاستراتيجية أوسع تقوم على إعادة تشكيل المشهد السوداني بعيدًا عن القوى التي حكمت البلاد خلال العقود الماضية، وترسيخ معادلة سياسية جديدة لا مكان فيها للعودة إلى صيغ الحكم القديمة أو للتحالفات التي ارتبطت بها.

تراجع مراكز النفوذ

وبين عزلة خارجية تتسع يومًا بعد يوم، وتراجع في مراكز النفوذ التقليدية داخل مؤسسات الدولة، وصعود فاعلين جدد فرضتهم معادلات الحرب، تبدو الحركة الإسلامية السودانية أمام واحدة من أكثر اللحظات حرجًا في تاريخها السياسي؛ لحظة لا يتعلق فيها السؤال بموعد العودة إلى السلطة، وإنما بقدرتها على الحفاظ على وجودها وتأثيرها في سودان يتشكل على أنقاض النظام الذي أسسته وحكمت باسمه لثلاثة عقود كاملة.

ولا يقتصر الجدل حول مستقبل الحركة الإسلامية السودانية على المواقف الدولية وحدها، بل يمتد إلى قراءات متباينة يقدمها سياسيون وأكاديميون وصحافيون وفاعلون من داخل التيار الإسلامي ومن خارجه، تجمعها حقيقة واحدة مفادها أن الحركة تواجه لحظة فارقة قد تعيد رسم موقعها في الحياة العامة لعقود مقبلة.

ويرى مدير المرصد السوداني للشفافية والسياسات، د. سليمان بلدو، أن أي تصنيف دولي للحركة الإسلامية لا يعني بالضرورة وضع قياداتها تلقائيًا تحت طائلة الملاحقة القضائية الأمريكية، ما لم تتوافر أدلة قانونية معتمدة تربط أفرادًا بعينهم باستهداف المصالح الاستراتيجية أو القوات الأمريكية في أي مكان من العالم. ويشير إلى أن واشنطن تميز بين البعد القانوني والبعد السياسي والأمني في تعاملها مع الملف السوداني، مستشهدًا بتجارب أخرى مثل استهداف الولايات المتحدة لجماعة الشباب الصومالية والحوثيين بعد ارتباط أنشطتهم بمصالح أمريكية مباشرة.

وبحسب بلدو، فإن المقاربة الأمريكية الحالية تعتمد بصورة أكبر على ممارسة ضغوط مباشرة على قيادة الجيش السوداني لإبعاد العناصر الأكثر تشددًا داخل الحركة الإسلامية عن مواقع النفوذ في المؤسسة العسكرية، لافتًا إلى وجود تعاون استخباري مستمر بين الأجهزة الأمنية السودانية ونظيراتها الأمريكية، ظل أحد عناوينه الرئيسية، منذ اندلاع الحرب، المطالبة الأمريكية المستمرة بتحجيم نفوذ الإسلاميين داخل القوات المسلحة وإعادة هيكلة مراكز القرار العسكري بما ينسجم مع أي تسوية سياسية مستقبلية.

نتائج المعركة

ومن جانبه، يرى رئيس تحرير صحيفة “الجريدة”، أشرف عبد العزيز، أن مجمل المواقف الدولية الراهنة تعكس إرادة واضحة لإغلاق الباب أمام أي عودة للحركة الإسلامية إلى المشهد السياسي بالصيغ التي حكمت السودان طوال العقود الماضية. ويقول لـ”أفق جديد” إن الخطوات الأمريكية الأخيرة، إلى جانب الضغوط الغربية والإقليمية المتزايدة، وجهت ضربة استراتيجية لقدرة الإسلاميين على المناورة السياسية والمالية، وأجبرت المؤسسة العسكرية على إعادة النظر في طبيعة تحالفاتها حفاظًا على شرعيتها الخارجية وتجنبًا لتداعيات العقوبات والعزلة الدولية. ويعتقد عبد العزيز أن فرص الحركة الإسلامية في بناء علاقات علنية مع المجتمع الدولي تكاد تكون معدومة، وإن كانت لا تزال تملك إمكانية التواصل غير المعلن مع بعض القوى الإقليمية التي احتفظت معها بعلاقات تاريخية، مشيرًا إلى أن مستقبل الإسلاميين في السودان بات رهنًا بقدرتهم على التكيف مع بيئة سياسية وإقليمية جديدة تتجه نحو إعادة تأسيس الدولة على أسس مدنية مختلفة.

ويضيف أن التيار الإسلامي، رغم الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها، لا يزال يحتفظ ببعض عناصر القوة المرتبطة بوجوده التنظيمي داخل مؤسسات الدولة وأجزاء من المؤسسة العسكرية، غير أن استمرار الحرب ربط مصيره السياسي بنتائج المعركة بصورة تكاد تجعل من خسارته، في أي سيناريو للسلام أو التسوية الشاملة، أمرًا بالغ الكلفة على مستقبله السياسي والتنظيمي. ويرى أن الخلافات التي امتدت إلى مؤسسات دعوية وتاريخية محسوبة على التيار الإسلامي تعكس حجم التصدعات الداخلية التي قد تفضي إلى صعود أجيال أكثر اعتدالًا وأقل ارتباطًا بإرث الصراع القديم.

وفي شهادة تحمل قدرًا كبيرًا من المراجعة والنقد الذاتي، يذهب الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي، د. كمال عمر، إلى أن الحركة الإسلامية بدأت تفقد رصيدها السياسي منذ لحظة وصولها إلى السلطة عبر المؤسسة العسكرية، معتبرًا أن الانقلاب على الشرعية الديمقراطية مثل نقطة التحول الكبرى في مسيرتها السياسية.

ويقول إن الحركة، رغم ما كانت تطرحه من تصورات تتعلق بتوسيع الحريات العامة والعودة إلى التداول الديمقراطي للسلطة، وقعت في فتنة الحكم والتشبث بالنفوذ، الأمر الذي أدى إلى تراجع مكاسبها السياسية لصالح أدوات القوة الأمنية والعسكرية. ويرى أن التجربة السودانية قدمت نموذجًا جديدًا لكيفية تآكل المشروعية السياسية عندما تتغلب حسابات السلطان على مقتضيات العمل الديمقراطي والتنافس الحر.

فرص معدومة

أما الكاتب والمحلل السياسي عادل سيد أحمد خليفة، فيذهب إلى أن الحركة الإسلامية، أو ما تبقى من الحزب الحاكم السابق، لا تملك فرصة حقيقية للعودة إلى المشهد في ظل سلام شامل يعيد بناء الدولة السودانية على أسس جديدة، معتبرًا أن استمرار الحرب يمثل بالنسبة لبعض مكوناتها هدفًا وجوديًا أكثر منه مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية.

ويشير خليفة إلى أن المزاج الإقليمي، ولا سيما لدى دول مؤثرة مثل مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، يتقاطع مع الرغبة الشعبية السودانية في منع عودة جماعة الإخوان المسلمين إلى صدارة الحياة السياسية، مؤكدًا أن هناك توافقًا متزايدًا بين هذه الأطراف حول ضرورة إنهاء الحرب وتهيئة الظروف لقيام نظام مدني جديد بعيدًا عن هيمنة الإسلام السياسي.

ويضيف أن المواقف الأمريكية الأخيرة لا يمكن فصلها عن التحولات التي أطلقتها ثورة ديسمبر، معتبرًا أن الإرادة الشعبية التي أطاحت بالنظام السابق أسهمت في إعادة تشكيل الموقف الدولي تجاه الحركة الإسلامية، وأن الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، يبدو ماضيًا في دعم ترتيبات سياسية تفضي إلى حكم مدني لا يعيد إنتاج أنماط الوصاية والاحتكار التي ميزت حقبة النظام السابق.

وفي مقابل القراءات السياسية والدبلوماسية التي تتناول مستقبل الحركة الإسلامية من الخارج، تكشف إفادات من داخل التنظيم نفسه عن حجم التحولات العميقة التي ضربت بنيته التنظيمية وأعادت تشكيل موازين القوى والولاءات داخله منذ اندلاع الحرب.

مشهد مرتبك

ويلخص أحد القيادات الشابة في الحركة الإسلامية، في حديث لـ”أفق جديد” اشترط فيه عدم الكشف عن هويته، المشهد الداخلي بالقول إن التنظيم لم يعد كتلة واحدة أو اثنتين كما كان في السابق، بل أصبح عمليًا موزعًا بين ثلاثة مراكز رئيسية تتمثل في “مجموعة تركيا”، و”مجموعة القاهرة”، إلى جانب “مجموعة الداخل”، مشيرًا إلى أن الاستقطاب التقليدي الذي كان قائمًا بين تياري إبراهيم محمود وعلي كرتي فقد كثيرًا من تأثيره بعد المتغيرات السياسية والعسكرية التي فرضها استطالة أمد الحرب.

وبحسب الشاب، فإن أعضاء الحركة يعيشون اليوم حالة من الارتباك وفقدان البوصلة، في ظل انهيار كثير من الهياكل التنظيمية التقليدية وتراجع المرجعيات التي كانت تحكم مسار العمل الداخلي، موضحًا أن الولاءات لم تعد تُبنى على الاعتبارات الفكرية أو التنظيمية بقدر ما أصبحت مرتبطة بالقدرة الاقتصادية لكل مجموعة على توفير متطلبات الحياة الأساسية لمنسوبيها، بعد أن فقد عدد كبير منهم مصادر رزقهم جراء استمرار الحرب واتساع تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية. ويقول إن كل تيار بات يدين بالولاء للجهة القادرة على تأمين السكن والمعيشة والإسناد المالي لأفراده، في تحول يعكس، بحسب تعبيره، انتقال الحركة من مرحلة التماسك الأيديولوجي إلى مرحلة البقاء التنظيمي ومواجهة الاستحقاقات المعيشية التي فرضتها الحرب.

ويرى المصدر أن الحركة الإسلامية ما كانت لتحتفظ بأي حضور مؤثر في المشهد العام لولا ارتباطها بالمؤسسة العسكرية واستنادها إلى قوة الجيش، مضيفًا أن استمرار الحرب، على خلاف ما كان يعتقده كثيرون داخل التنظيم، لم يحقق للإسلاميين مكاسب سياسية أو تنظيمية، بل عمّق أزماتهم الداخلية واستنزف ما تبقى من رصيدهم الشعبي والتنظيمي.

ويضيف، بلغة يغلب عليها الأسى، أن قطاعات واسعة من الإسلاميين باتت تنظر إلى الحرب باعتبارها خيارًا مكلفًا لم يجنِ منه التنظيم سوى الخسائر والانقسامات، قائلًا: “لو استقبل الإسلاميون من أمرهم ما استدبروا، لما انخرطوا في هذه الحرب، ولكان موقفهم منها أقرب إلى الحياد، لأن ما حصدوه لم يكن سوى الندم”.

وتعكس هذه الشهادة، الصادرة من داخل البيت الإسلامي نفسه، حجم المراجعات التي بدأت تتشكل بين الأجيال الشابة في الحركة، كما تكشف عن تصدعات عميقة تضرب بنيتها التنظيمية والفكرية، في وقت تبدو فيه أكثر من أي وقت مضى أسيرة لتحولات الحرب ومآلاتها، بعدما ارتبط مستقبلها السياسي والتنظيمي إلى حد كبير بنتائج معركة قد تعيد رسم الخريطة السياسية للسودان بأكملها.

خيارات الجيش

 

ويضع الموقف الأمريكي الجديد الجيش أمام معادلة شديدة التعقيد، إذ لم يعد الأمر يتعلق بضغوط سياسية عابرة أو خلافات حول ترتيبات المرحلة الانتقالية، وإنما بملف أمني واستراتيجي ذي امتدادات إقليمية ودولية قد يعيد رسم العلاقة بين المؤسسة العسكرية وحلفائها الإسلاميين.

فالحركة الإسلامية، التي ظلت لعقود جزءًا من بنية السلطة العميقة في السودان، تمتلك نفوذًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة والأجهزة النظامية، كما أن حضورها داخل المؤسسة العسكرية لم يعد، وفق تقديرات مراقبين، مجرد تحالف سياسي ظرفي فرضته الحرب، وإنما امتداد لتراكمات تنظيمية وأيديولوجية تعود إلى عقود طويلة، الأمر الذي يجعل أي محاولة لتحجيمها أو إبعادها عن مراكز القرار محفوفة بتعقيدات أمنية وسياسية بالغة الحساسية.

ومن هنا، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل يستطيع الفريق أول عبد الفتاح البرهان المضي نحو تقليص نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية استجابةً للضغوط الدولية المتزايدة؟ أم أن توازنات الحرب القائمة ستفرض عليه الإبقاء على تحالفاته الحالية، ولو بصورة مؤقتة، تجنبًا لانفجار صراعات جديدة داخل المعسكر نفسه؟

وتشير قراءات سياسية إلى أن الإدارة الأمريكية لم تعد تنظر إلى تحركها بوصفه إجراءً قانونيًا فحسب، بل باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع لفك الارتباط بين المؤسسة العسكرية السودانية وبين التيارات الإسلامية ذات الصلات الإقليمية، لا سيما بعد الاتهامات التي ربطت بعض التشكيلات المقاتلة إلى جانب الجيش بعلاقات مع إيران والحرس الثوري الإيراني.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن تصاعد التوتر الإقليمي والمواجهة الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران أسهم في تسريع وتيرة التشدد الأمريكي تجاه الإسلاميين السودانيين، خاصة بعد صدور تصريحات من قيادات محسوبة على التيار الإسلامي أعلنت تأييدها لطهران، الأمر الذي وضع قيادة الجيش في موقف بالغ الحرج أمام حلفائها الإقليميين، ودفعها إلى التأكيد مرارًا على عدم وجود أي علاقة تنظيمية رسمية بين المؤسسة العسكرية وهذه المجموعات المسلحة.

وتتحدث أوساط سياسية عن أن أخطر ما في المقاربة الأمريكية الجديدة ليس التصنيف في حد ذاته، ولا الاتجاه نحو إقرار المزيد من العقوبات على قيادات التيار الإسلامي، وإنما الربط المباشر بين كتائب الإسلاميين في السودان وشبكات الدعم والتدريب الإيرانية، وهو تطور يضع الملف السوداني ضمن الحسابات الأوسع للصراع الإقليمي، ويمنح واشنطن مبررات إضافية لممارسة ضغوط أكبر على المؤسسة العسكرية من أجل إعادة هيكلة تحالفاتها الداخلية.وبحسب تقديرات دوائر قريبة من الإسلاميين، فإن الخيار الأكثر ترجيحًا خلال المرحلة المقبلة يتمثل في ما يمكن وصفه بسياسة “الانحناء للعاصفة”، عبر خفض الظهور الإعلامي والسياسي وتجنب أي صدام مباشر مع قيادة الجيش، إدراكًا لحساسية اللحظة الراهنة ولإمكانية أن يؤدي أي تصدع داخلي إلى إضعاف الجبهة العسكرية في مواجهة قوات الدعم السريع.

غير أن خصوم الحركة الإسلامية يشيرون إلى أن نفوذها المتجذر داخل مؤسسات الدولة، والأجهزة الأمنية، والاستخبارات العسكرية، والقضاء، والنيابة العامة، يجعل من عملية إقصائها أو تحجيمها مهمة معقدة ومكلفة، خصوصًا أن الاختراق الأيديولوجي للمؤسسة العسكرية يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وتعزز بصورة غير مسبوقة خلال العقود الثلاثة التي حكم فيها نظام الإنقاذ البلاد.

وفي قراءة للمشهد، يرى رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي، بابكر فيصل، في مقالة نشرها مؤخرًا، أن قيادة الجيش تواجه ثلاثة خيارات رئيسية: أولها الاستمرار في إنكار وجود نفوذ إسلامي منظم داخل المؤسسة العسكرية، وهو الخطاب الذي ظل البرهان يردده بصورة متكررة. أما الخيار الثاني، فيتمثل في المناورة بين الضغوط الدولية والحفاظ على التحالفات القائمة، عبر تقديم تطمينات متبادلة للطرفين. بينما يبقى الخيار الثالث، والأكثر كلفة، هو الدخول في مواجهة مباشرة مع الإسلاميين والعمل على إبعادهم من مواقع النفوذ والتأثير.

 

ويرجح فيصل أن يستمر الجيش، في المدى المنظور، في تبني سياسة المناورة وتجنب الحسم النهائي، غير أن هذا الخيار، بحسب تقديره، لن يكون قابلًا للاستمرار إلى ما لا نهاية، خاصة مع تصاعد الاهتمام الأمريكي والإقليمي بملف العلاقة بين الإسلاميين السودانيين وإيران، وتحوله إلى أحد الملفات الأكثر حساسية في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة السودانية.

وفي المقابل، ترى قوى مدنية مناهضة للحرب أن استبعاد الحركة الإسلامية من أي ترتيبات سياسية مستقبلية يمثل شرطًا ضروريًا لإنهاء الصراع وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة، معتبرة أن استمرار نفوذها داخل المؤسسة العسكرية وأجهزة الدولة يشكل أحد أبرز العوائق أمام تحقيق سلام مستدام وانتقال مدني حقيقي.

وبين خيار المواجهة الصعبة، وسياسة المناورة المؤقتة، أو إعادة إنتاج التحالفات القديمة بأشكال جديدة، يجد الجيش السوداني نفسه أمام واحدة من أكثر معضلاته تعقيدًا منذ اندلاع الحرب؛ معضلة لا تتعلق فقط بإدارة الصراع العسكري الراهن، وإنما بتحديد ملامح الدولة التي ستولد من رحم هذه الحرب، ومن ستكون له الكلمة العليا في رسم مستقبلها السياسي.

في المحصلة، لا تبدو الحركة الإسلامية السودانية أمام أزمة سياسية عابرة أو انتكاسة ظرفية يمكن تجاوزها بإعادة ترتيب الصفوف أو تبديل القيادات، وإنما أمام لحظة تاريخية فارقة تهدد بإعادة تعريف موقعها ودورها في السودان لعقود مقبلة. فبين عزلة دولية غير مسبوقة، وضغوط أمريكية وإقليمية متصاعدة، وانقسامات داخلية تتجاوز الخلافات التقليدية إلى صراع على البقاء ذاته، يجد التنظيم الذي حكم البلاد ثلاثين عامًا نفسه في مواجهة أسئلة وجودية لم يسبق أن واجهها بهذا العمق والحدة.

وفي المقابل، تقف المؤسسة العسكرية أمام معادلة شديدة التعقيد؛ إذ إن الاستجابة الكاملة للمطالب الدولية بتحجيم نفوذ الإسلاميين قد تفتح أبواب مواجهة داخلية مكلفة، فيما يهدد الإبقاء على التحالفات القديمة بتعميق العزلة الخارجية وإطالة أمد الحرب واستحقاقاتها السياسية والاقتصادية. وبين هذين الخيارين، تبدو سياسة المناورة، مهما طالت، عاجزة عن تقديم إجابات نهائية على أسئلة المستقبل.

أما داخل الحركة نفسها، فإن لغة المراجعات والندم التي بدأت تتسرب من بعض أجيالها الشابة، والانقسامات التي فرضتها الجغرافيا والحرب والاقتصاد، تكشف عن تحول عميق في بنية التنظيم، حيث تراجعت الروابط الأيديولوجية القديمة لصالح اعتبارات البقاء وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، في مشهد يعكس حجم الزلزال الذي أصاب أحد أكثر التنظيمات السودانية تماسكًا ونفوذًا.

ومع ذلك، فإن نهاية النفوذ السياسي للحركة لا تبدو مسألة محسومة بالقرارات الدولية وحدها، ولا بالتمنيات السياسية لخصومها، فالإرث التنظيمي الذي راكمته طوال عقود، وشبكاتها الممتدة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، تجعل من إخراجها الكامل من المعادلة مهمة أكثر تعقيدًا مما يتصوره كثيرون. غير أن المؤكد، بحسب معظم المؤشرات المحلية والإقليمية والدولية، أن السودان الذي سيتشكل بعد هذه الحرب لن يكون هو السودان الذي عرفته الحركة الإسلامية أو حكمته لثلاثة عقود متصلة.

وهكذا، وبين ضغوط الخارج، ومراجعات الداخل، واستحقاقات الحرب، يقف الإسلاميون السودانيون أمام أكثر فصول تاريخهم حساسية؛ فإما أن ينجحوا في إنتاج مشروع جديد يتصالح مع التحولات العميقة التي شهدها المجتمع والدولة، وإما أن يتحولوا، للمرة الأولى منذ عقود، إلى جزء من ذاكرة سياسية صنعت التاريخ، لكنها عجزت عن مواكبة زمن جديد يولد من بين أنقاض الحرب وأحلام السودانيين في دولة مختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى