الكتابة للمستقبل ..مقاربة في الاقتصاد المؤسسي وإعادة بناء الدولة السودانية

د. صلاح الحبو
تتقدم الأمم أحيانًا باكتشاف الموارد، لكنها تتقدم أكثر حين تكتشف الأفكار التي تعيد تعريف تلك الموارد. فكل مرحلة تاريخية كبرى صاحبتها مفاهيم جديدة غيّرت طريقة فهمنا للدولة والاقتصاد والثروة. وإذا كان القرن العشرون قد انشغل برأس المال المادي، فإن القرن الحادي والعشرين يتجه بصورة متزايدة إلى الاعتراف بأن الثروة الحقيقية للدول تكمن في أصولها غير المادية؛ كجودة المؤسسات، والثقة العامة، وسيادة القانون، والحوكمة، ورأس المال الاجتماعي (1).
ومن هذا المنطلق، أطرح أسسًا أولية لما يمكن أن يتطور إلى نظرية الأصول السيادية غير المادية للدولة (Sovereign Intangible Assets Theory)، وهي مقاربة تنطلق من أن الدولة لا تمتلك أصولًا مادية فقط، بل تمتلك كذلك أصولًا سيادية غير ملموسة، تُنتج قيمتها الاستراتيجية، وتحدد قدرتها على النمو والاستقرار والصمود في مواجهة الأزمات.
وفي حدود ما اطلعت عليه من الأدبيات الاقتصادية والقانونية، فإن تصنيف المبادئ فوق الدستورية باعتبارها أصلًا غير مادي سياديًا يمثل طرحًا لم يحظَ – بحسب علمي – بتأطير مستقل في أدبيات الاقتصاد المؤسسي، رغم أن أثره الاقتصادي لا يقل أهمية عن أثره الدستوري.
فالمبادئ فوق الدستورية ليست مجرد قواعد قانونية عليا، وإنما تمثل رصيدًا من الثقة واليقين المؤسسي. وكلما اتسعت مساحة الاتفاق عليها، انخفضت درجة المخاطر السياسية، وارتفعت قدرة الدولة على جذب الاستثمار، وتحسنت جودة السياسات العامة، وأصبح الانتقال السياسي أقل تكلفة.
إن هذه الفكرة تكتسب أهمية استثنائية في السودان.
فالسودان، منذ الاستقلال، لم يعانِ من نقص الدساتير، وإنما من غياب الأصول المؤسسية التي تحمي تلك الدساتير. تعاقبت الدساتير المؤقتة، وتبدلت النظم السياسية، وتغيرت الحكومات، لكن الثقة العامة ظلت تتراجع، والشرعية المؤسسية ظلت محل نزاع، وأصبحت قواعد اللعبة السياسية قابلة لإعادة الصياغة مع كل أزمة وطنية.
ومن منظور الاقتصاد المؤسسي، فإن المشكلة لا تكمن في النصوص، بل في هشاشة المؤسسات التي تطبقها. وقد بيّن الاقتصادي Douglass C. North أن المؤسسات هي “قواعد اللعبة” التي تحدد أداء الاقتصاد والمجتمع (2). وإذا كانت قواعد اللعبة نفسها موضع نزاع دائم، فإن الاقتصاد يصبح أسيرًا لعدم اليقين، وتتحول المخاطر السياسية إلى تكلفة اقتصادية يتحملها المواطن قبل المستثمر.
والحرب التي يشهدها السودان اليوم تقدم مثالًا بالغ الدلالة على ذلك. فهي لم تدمر البنية التحتية فحسب، بل استنزفت ما هو أخطر: الأصول السيادية غير المادية. فقد تراجعت الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وتآكل رأس المال الاجتماعي، وتضررت الشرعية المؤسسية، وارتفعت درجة عدم اليقين، وهي خسائر لا تظهر في الحسابات القومية، لكنها قد تكون أكثر كلفة من خسائر المباني والطرق والمصانع.
ولهذا فإن إعادة الإعمار ينبغي ألا تُختزل في إعادة بناء الحجر، بل يجب أن تشمل إعادة بناء الثقة، والشرعية، وسيادة القانون، ورأس المال الاجتماعي، والمبادئ فوق الدستورية التي تمنح الدولة استقرارها طويل الأجل.
إنني أقترح النظر إلى هذه العناصر بوصفها مكونات لما أسميه محفظة الأصول السيادية غير المادية، والتي يمكن أن تضم:
– المبادئ فوق الدستورية.
– الثقة العامة في مؤسسات الدولة.
– الشرعية المؤسسية.
– جودة الحوكمة.
– سيادة القانون.
– رأس المال الاجتماعي.
– الكفاءة المؤسسية.
– السمعة السيادية للدولة.
– الاستقرار التنظيمي.
– رأس المال المعرفي الوطني.
ولا تمثل هذه العناصر قيمًا معنوية مجردة، بل أصولًا ذات أثر اقتصادي مباشر. فهي تؤثر في تكلفة الاقتراض السيادي، وجاذبية الاستثمار، وكفاءة الإنفاق العام، والإنتاجية، والاستقرار الاجتماعي، والتنافسية الدولية. وكلما ارتفع رصيد الدولة منها، انخفضت تكلفة المخاطر، وتحسنت قدرتها على التخطيط طويل الأجل، وازدادت مرونة اقتصادها في مواجهة الصدمات (3).
ولعل السودان يحتاج، بعد توقف الحرب، إلى مشروع وطني لا يقتصر على إعادة إعمار المدن، وإنما يهدف إلى إعادة رسملة الدولة مؤسسيًا. فكما تحتاج الخزينة العامة إلى رأس مال مالي، تحتاج الدولة إلى رأس مال مؤسسي، قوامه الثقة، والحوكمة، والمبادئ الجامعة، والمؤسسات المستقرة.
ومن هنا، فإن قياس نجاح الدولة لا ينبغي أن يعتمد فقط على معدل النمو أو حجم الناتج المحلي، بل يجب أن يشمل مؤشرات تعكس جودة أصولها السيادية غير المادية، مثل مستويات الثقة العامة، واستقلال القضاء، وفعالية المؤسسات، وسيادة القانون، والاستقرار الدستوري، وجودة الحوكمة.
ولا أدعي أن هذه المقالة تقدم نظرية مكتملة، وإنما تطرح إطارًا أوليًا لبرنامج بحثي متعدد التخصصات، يجمع بين الاقتصاد المؤسسي، والقانون الدستوري، والحوكمة، وتقييم الأصول غير الملموسة، والمالية العامة، وبناء الدولة. وأحسب أن هذا البرنامج يمكن أن يفتح بابًا جديدًا للبحث العلمي، ليس في السودان وحده، بل في الدول الخارجة من النزاعات والتحولات الكبرى.
فإذا كانت الدول تقيس احتياطياتها من الذهب والنفط والعملات الأجنبية، فقد آن الأوان لأن تقيس أيضًا احتياطياتها من الثقة، والشرعية، وجودة المؤسسات، والمبادئ المؤسسة للدولة. فهذه هي الثروة التي لا تنضب، وهي الأصل السيادي الذي يحدد قدرة الأمم على النهوض بعد الأزمات.





