من العملية السياسية إلى معركة العقد الاجتماعي..من يملك حق تأسيس السودان؟ (3-3)

حاتم أيوب أبوالحسن
انتهى الجزء الثاني إلى أن الشعب السوداني، بكل تنوعه، هو صاحب الحق الأصيل في تأسيس الدولة الجديدة. لكن يبقى السؤال الأصعب:
كيف يتحول هذا الحق من فكرة أخلاقية وسياسية إلى عملية تأسيسية واقعية تنتج دولة جديدة؟
هذا هو السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان والسودانيين.
فالحديث عن العقد الاجتماعي لا ينبغي أن يبقى في حدود التنظير السياسي، لأن السودان لم يعد يحتمل إنتاج أفكار كبيرة بلا أدوات تنفيذ. لقد أثبتت التجربة أن أزمات البلاد لم تكن ناتجة عن غياب الشعارات، وإنما عن غياب المؤسسات التي تحول المبادئ إلى قواعد حكم، وتحول الإرادة الشعبية إلى شرعية دستورية مستدامة.
ولهذا فإن المعركة القادمة ليست معركة تشكيل حكومة أو اقتسام سلطة، وإنما معركة إعادة بناء الدولة نفسها.
وهنا ينبغي التمييز بين الفترة الانتقالية والمرحلة التأسيسية.
فالانتقال يعالج الحاضر، أما التأسيس فيصنع المستقبل.
والانتقال ينشغل بإدارة السلطة، بينما يعيد التأسيس تعريف السلطة نفسها، وحدودها، ووظيفتها، وعلاقتها بالمجتمع.
ولهذا فإن أي عملية سياسية لا تنتهي بعملية تأسيسية شاملة ستعيد إنتاج الأزمة نفسها، حتى وإن تبدلت الحكومات والوجوه.
إن البداية الحقيقية تتمثل في إطلاق حوار وطني تأسيسي واسع، تشارك فيه المدن والقرى، ومعسكرات النزوح واللجوء، والجامعات، والنقابات، والنساء، والشباب، والإدارات الأهلية، ورواد الأعمال، والمهنيون، والمزارعون، والرعاة، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب القوى السياسية. فالمطلوب ليس استبدال نخبة بأخرى، وإنما إعادة الدولة إلى أصحابها الحقيقيين: المواطنين.
ثم تُترجم مخرجات هذا الحوار إلى مؤتمر تأسيسي جامع، يضع المبادئ الدستورية الكبرى، ويحدد شكل الدولة، ونظام الحكم، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وآليات توزيع الموارد، وضمان الحقوق والحريات، وإصلاح المؤسسات الأمنية، وبناء إدارة عامة مهنية مستقلة.
لكن الدساتير وحدها لا تكفي، فالعقد الاجتماعي الحقيقي هو الذي يتحول إلى مؤسسات. فقيمة النصوص الدستورية تقاس بقدرتها على حماية المواطن، لا بجمال عباراتها.
كما أن السلام لا يكتمل دون عدالة انتقالية تكشف الحقيقة، وتنصف الضحايا، وتحاسب المسؤولين وفق القانون، وتفتح الطريق لمصالحة وطنية قائمة على الاعتراف والإنصاف، لا على النسيان أو الإفلات من المسؤولية.
ولا يكتمل التأسيس كذلك إذا ظل المواطن عاجزًا عن الحصول على التعليم، والعلاج، والعمل، والخدمات الأساسية. فالعقد الاجتماعي ليس اتفاقًا سياسيًا فحسب، بل التزامًا متبادلًا بين الدولة والمجتمع، تُقاس شرعيته بقدر ما يحسن حياة الناس ويحفظ كرامتهم.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى زعيم جديد بقدر ما يحتاج إلى قواعد جديدة؛ فالأشخاص يرحلون، أما المؤسسات الرشيدة فتبقى. والدول التي تستقر هي التي تجعل القانون أعلى من الجميع، والمؤسسات أقوى من الأفراد، والإرادة الشعبية مصدرًا دائمًا للشرعية.
وهنا تصبح السياسة وسيلة لبناء الدولة، لا غاية في ذاتها، وتصبح الانتخابات آلية لتداول السلطة، لا وسيلة لاحتكار الوطن، ويصبح الدستور عقدًا دائمًا بين المواطنين، لا اتفاقًا مؤقتًا بين المتنافسين.
إن السؤال الذي ينبغي أن يقود المرحلة المقبلة ليس: من يحكم السودان؟ بل: كيف يُحكم السودان؟ ثم كيف نبني دولة لا يحتاج كل جيل إلى إعادة تأسيسها من جديد؟
ولعل الإجابة يمكن أن تبدأ بالاتفاق على المبادئ المؤسسة للدولة الجديدة.
ونقترح أن يُطلق عليها اسم:
(المبادئ العشرة للعقد الاجتماعي السوداني الجديد)
أولًا: الشعب مصدر الشرعية
لا تستمد أي سلطة مشروعيتها من السلاح أو الانقلاب أو المحاصصة، وإنما من الإرادة الحرة للمواطنين وسيادة الدستور.
ثانيًا: المواطنة أساس الحقوق والواجبات
لا امتياز بسبب العرق أو القبيلة أو الجهة أو الدين أو النوع، فجميع السودانيين متساوون أمام القانون.
ثالثًا: سيادة القانون واستقلال القضاء
يخضع الجميع للقانون، وتستقل السلطة القضائية استقلالًا كاملًا عن النفوذ السياسي والعسكري.
رابعًا: الدولة المدنية الدستورية
تُدار مؤسسات الدولة وفق الدستور والقانون، مع خضوع جميع مؤسساتها للمساءلة والرقابة، واحترام دور المؤسسات الدستورية.
خامسًا: احتكار الدولة الشرعي لاستخدام القوة
تُوحَّد المنظومة الأمنية والعسكرية في مؤسسات وطنية مهنية تعمل وفق الدستور والقانون، بما يحفظ أمن البلاد وحقوق المواطنين.
سادسًا: العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
لا سلام بلا حقيقة، ولا مصالحة بلا إنصاف، ولا استقرار دائم دون مساءلة عادلة وجبر للضرر.
سابعًا: اللامركزية والعدالة في توزيع السلطة والثروة
تُوزع الصلاحيات والموارد بين المركز والأقاليم وفق معايير العدالة والكفاءة والتنمية المتوازنة.
ثامنًا: المشاركة الشعبية والمساءلة
لا يقتصر صنع القرار على الأحزاب والنخب، بل تُبنى السياسات العامة عبر المشاركة المجتمعية والشفافية والرقابة الشعبية.
تاسعًا: التنمية والكرامة الإنسانية
تلتزم الدولة بتوفير التعليم، والصحة، والعمل، والخدمات الأساسية باعتبارها حقوقًا للمواطن لا امتيازات تمنحها السلطة.
عاشرًا: حماية التنوع وبناء الهوية الوطنية الجامعة
يُدار التنوع الثقافي واللغوي والإثني والديني باعتباره مصدر قوة ووحدة، في إطار هوية وطنية تقوم على المواطنة والاحترام المتبادل.
إن هذه المبادئ ليست برنامج حكومة، ولا مشروع حزب، وإنما إطار وطني جامع يمكن أن يلتقي حوله السودانيون وهم يعيدون بناء دولتهم بعد الحرب.
فإذا نجح السودانيون في الاتفاق على هذه القواعد، فإنهم لن يؤسسوا مرحلة انتقالية جديدة فحسب، بل سيؤسسون لأول مرة دولة تستمد قوتها من عقدها الاجتماعي، لا من موازين القوة.





