من أعطى “العسجد” المفتاح؟

إبراهيم هباني

السؤال ليس لماذا أُلغي ترخيص شركة “العسجد”.

السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه بنك السودان المركزي هو: من أعطاها الترخيص أصلا؟

فما مُنح لـ”العسجد” لم يكن تصريحا لفتح متجر، ولا موافقة على تطبيق جديد للدفع عبر الهاتف. كان إذنا بالدخول إلى واحدة من أكثر طبقات النظام المالي حساسية: تشغيل محوّل معاملات مالية ومنصة مدفوعات رقمية.

بعبارة أبسط، مُنحت شركة خاصة مفتاحا للدخول إلى البنية التي تمر عبرها حركة الأموال بين المصارف وقنوات الدفع والمنصات الرقمية.

ثم أُلغي القرار.

وهنا لا ينتهي الملف.

بل يبدأ.

الخبير المصرفي عمر سيد أحمد تناول القضية في مقال مهم نشرته صحيفة “التغيير” تحت عنوان “إلغاء ترخيص المحوّل: قصور إجرائي أم غياب مساءلة؟”، وطرح أسئلة ضرورية عن الطريقة التي مُنحت بها الرخصة والمسؤولية المؤسسية عن القرار.

وهو محق.

إذا كانت “العسجد” غير مؤهلة، فمن قرر أنها مؤهلة؟

إذا كانت لا تستوفي الشروط، فمن راجع ملفها؟

وإذا ظهرت لاحقا مخاطر فنية أو مالية أو أمنية، فلماذا لم تظهر قبل منح الرخصة؟

هذه ليست أسئلة ضد شركة.

إنها أسئلة إلى البنك المركزي.

فالمحوّل المالي ليس تطبيقا عاديا. إنه جزء من الطريق الذي تعبر عبره المعاملات بين البنوك وأجهزة الصراف ونقاط البيع والمنصات الرقمية.

ومن يدخل إلى هذه الطبقة لا يدخل سوقا عادية.

يدخل إلى قلب حركة المال.

لهذا فإن السؤال عن “العسجد” ليس فقط: من يملك الشركة؟

بل: ما المعايير التي أقنعت بنك السودان المركزي بمنحها الترخيص؟

هل كانت هناك منافسة مفتوحة؟

هل خضعت الشركة لاختبارات فنية مستقلة؟

هل جرى تقييم قدرتها المالية؟

هل فُحص الأمن السيبراني؟

هل دُرست حماية بيانات العملاء؟

هل أُعلن هيكل الملكية والمستفيد الحقيقي؟

هذه ليست رفاهية بيروقراطية.

هذه هي وظيفة البنك المركزي.

لكن القضية تكتسب بعدا أكثر حساسية مع معلومات تتحدث عن خلافات داخل دوائر نافذة بشأن الصفقة، وعن اعتراضات سبقت اكتمال إجراءاتها، وتحذيرات من مخاطر محتملة على النظام المالي والمصرفي.

وتفيد المعلومات بأن مصرفيين ومسؤولين معنيين بالأمن الاقتصادي أثاروا تساؤلات حول قدرة شركة حديثة التجربة على إدارة منظومة مالية بهذا الحجم والحساسية، في ظل غياب سجل معروف لها في تشغيل بنية مماثلة.

هذه المعلومات لا تكفي وحدها لإدانة أحد.

لكنها تكفي لطرح السؤال:

هل كان القرار مصرفيا خالصا؟

هل خضع الترخيص للمسار الفني المعتاد؟

هل تلقى البنك المركزي توصيات أو ضغوطا من خارج مؤسساته؟

هل عُقدت اجتماعات لترتيب المشروع قبل اكتمال التقييم الفني؟

هل صدرت تحفظات من جهات مصرفية أو رقابية أو معنية بالأمن الاقتصادي؟

وإذا صدرت، كيف عولجت؟

هذه أسئلة مشروعة، لأن استقلال القرار المصرفي ليس مسألة إدارية.

إنه جزء من أمن الدولة الاقتصادي.

فالبنك المركزي ليس مكتبا لتوزيع الرخص ثم استردادها.

هو حارس النظام المالي.

ولهذا فإن إلغاء الترخيص لا يكفي.

بل يجعل السؤال أكبر.

إما أن “العسجد” لم تكن مؤهلة، ومع ذلك حصلت على الترخيص.

وهنا تكون المشكلة داخل عملية اتخاذ القرار.

أو أنها كانت مؤهلة، ثم أُلغي ترخيصها لأسباب لم تُعلن.

وهنا يصبح السؤال:

ما الذي تغير؟

في الحالتين، لا يجوز أن يُغلق الملف بصمت.

السودان يعيش حربا دمرت جزءا واسعا من اقتصاده، وأضعفت نظامه المصرفي، ورفعت اعتماد المواطنين على المدفوعات الرقمية.

ومن يسيطر على بوابات الدفع لا يملك مجرد مشروع مربح.

يملك نفوذا اقتصاديا.

ولهذا فإن المطلوب من بنك السودان المركزي ليس بيانا مقتضبا عن إلغاء رخصة.

المطلوب كشف المعايير.

من أوصى بالترخيص؟

من أجازه؟

ما الشروط التي استوفتها “العسجد”؟

هل تلقى البنك توصيات من خارج المؤسسة؟

هل صدرت تحذيرات من مصرفيين أو جهات معنية بالأمن الاقتصادي؟

وما الذي اكتُشف بعد منح الرخصة ولم يكن معروفا قبلها؟

هذه هي القضية.

ليس المطلوب الدفاع عن “العسجد”.

ولا مهاجمتها.

المطلوب أن نعرف كيف تُدار البنية المالية في السودان.

لأن الرخصة أُلغيت.

لكن المفتاح كان قد سُلِّم.

ولهذا بقي السؤال:

من أعطى “العسجد” المفتاح؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى