قراءات مع حامد الناظر لـ«عائلة شجرة الليمون».. الحرب تبدأ في عقل واحد وتنتهي في ذاكرة الجميع

حوار: مصعب محمد علي
صدر حديثًا للروائي السوداني حامد الناظر روايته الجديدة «عائلة شجرة الليمون»، التي يواصل فيها استكشاف أسئلة الحرب والذاكرة والإنسان، والتي يتأمل من خلالها أثر الحروب على العلاقات الإنسانية والهوية والذاكرة الجماعية، أكثر من انشغاله بتوثيق وقائعها.
وفي هذا الحوار، يتحدث الناظر عن الخلفية الفكرية التي انطلقت منها الرواية، وعن رؤيته للحرب بوصفها فكرة تبدأ في عقل فرد قبل أن تتحول إلى عبء تتوارثه الذاكرة الجماعية، كما يناقش رمزية شجرة الليمون، وعلاقة المحبة والعائلة بمقاومة الخراب، وحضور المخيلة الصوفية في الأدب السوداني، ودوره في حفظ الذاكرة الإنسانية. كما يتوقف عند السؤال الذي يشكل جوهر الرواية: كيف يواصل الإنسان الحياة بعد أن ينهار العالم الذي كان يعرفه؟
تقول في روايتك الجديدة «عائلة شجرة الليمون»: «قد تبدأ الحرب في عقل واحد، لكنها تنتهي في ذاكرة الجميع». هل كانت هذه العبارة هي البذرة الفلسفية التي انطلقت منها الرواية؟
إلى حدٍّ كبير، نعم. هذه العبارة ليست مجرد جملة لافتة، بل هي المفتاح الذي يفتح باب الرواية كلها. هي مقولة بدر الدين الخواجة، الشخصية المحورية في العمل، وقد وضعتها عتبةً للنص في الصفحة التي تسبق بداية الرواية، ثم تعود في النهاية داخل شهادة شقيقته بدرية، وكأن معناها يكتمل بعد أن مرّ القارئ بكل ما جرى. لعلي أردت القول إن الحرب لا تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى، بل قبل ذلك بكثير، بفكرة تجد طريقها إلى عقل إنسان، لكنها حين تنتهي لا تخرج من ذاكرة الناس بسهولة، بل تظل تعيش فيها، ربما لأجيال تالية، وهذه هي خطورة الحرب. لذلك جاءت هذه العبارة إطارًا فلسفيًا يربط بداية الرواية بنهايتها، ويختصر رؤيتها للحرب والذاكرة والإنسان.
إذا كانت الحرب، بحسب الرواية، تبدأ كفكرة في عقل فرد وتنتهي كعبء في ذاكرة جماعية، فهل يمكن قراءة «عائلة شجرة الليمون» باعتبارها محاولة لفهم الكيفية التي تتحول بها الأفكار الفردية إلى مصائر جماعية، وكيف يصبح التذكّر نفسه فعلًا أخلاقيًا لمقاومة تكرار المأساة؟
أعتقد أن هذه قراءة ممكنة للرواية، بل إنها تلامس أحد أسئلتها المركزية. فالحرب في «عائلة شجرة الليمون»، كما في الواقع، هي مسار يبدأ بفكرة، أو بخيال، أو بقناعة تتسلل إلى عقل فرد، ثم تنتقل إلى الجماعة حتى تصبح واقعًا يفرض نفسه على الجميع. وحين تبلغ الحرب نهايتها، لا تنتهي آثارها بانتهاء القتال، بل تستقر في الذاكرة الجماعية، حيث يتحول الناجون إلى حَمَلة لذاكرة لم يختاروها، لكنها أصبحت جزءًا من تعريفهم لأنفسهم.
ومن هذا المنظور، يصبح التذكّر أكثر من مجرد استعادة للماضي؛ إنه مسؤولية أخلاقية تجاه المستقبل أيضًا. فالرواية تنظر إلى الذاكرة باعتبارها مساحة للتأمل والمساءلة، ومحاولة لفهم كيف تتحول الأفكار الصغيرة إلى كوارث كبرى إذا لم تُراجع وتُختبر. لذلك تبدو الكتابة نفسها فعلًا لمقاومة النسيان، لأن المجتمعات التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر قابلية لإعادة إنتاج المآسي ذاتها بعناوين وشعارات مختلفة.في الرواية تبدو المحبة والروابط العائلية شكلًا من أشكال مقاومة الخراب، فيما تبدو العائلة نفسها صورة مصغرة للوطن؛ متفرقة، مهددة، لكنها لا تفقد رغبتها في الاجتماع. وفي مقابل ذلك، تكشف الحرب عن أشكال متعددة من الفقد. إلى أي حد كنت تسعى إلى القول إن الإنسان لا يواجه الحرب بالسلاح، بل أيضًا بالحب والحنين والقدرة على التشبث بما تبقى من روابط وقيم؟
على نحوٍ ما، كنت حريصًا على أن أقدم شكلًا آخر من المقاومة، بعيدًا عن معناها التقليدي المباشر. فالحرب لا تدمّر المدن وحدها، بل تستهدف الذاكرة والعلاقات والثقة بين الناس، ولذلك فإن التمسك بالمحبة والعائلة والقيم يصبح فعلًا مقاومًا بحد ذاته. في الرواية، العائلة ليست مجرد مجموعة أفراد، بل استعارة للوطن بكل ما فيه من انقسامات وآمال ورغبة دائمة في الالتئام. أردت أن أقول إن الإنسان قد يخسر بيته أو مدينته، لكنه، ما دام قادرًا على الحفاظ على إنسانيته، وعلى روابطه مع الآخرين، فإنه يرفض أن يمنح الحرب نصرها الكامل. فالحب هنا ليس نقيض الحرب فقط، بل أحد أكثر أشكال الانتصار عليها عمقًا واستدامة.
إذا كانت الحرب تسعى إلى تدمير الثقة والروابط الإنسانية، وإعادة تشكيل البشر على صورة الخوف والكراهية، فهل يمكن قراءة «عائلة شجرة الليمون» بوصفها دفاعًا عن فكرة أن الإنسان ينتصر على الحرب ليس عندما ينجو منها جسديًا، بل عندما ينجح في حماية قدرته على الحب والانتماء والاعتراف بالآخر؟
يمكن قراءتها بهذه الطريقة. فالرواية تنشغل بما يبقى في الإنسان وسط العواصف الكبرى: قدرته على المحبة، وتمسكه بالعائلة، وإحساسه بالمكان، واستعداده لرؤية الآخر بوصفه شريكًا في المصير الإنساني. هذه القيم تمنح الشخصيات مساحة لاستعادة إنسانيتها، وتجعل الروابط الإنسانية والذاكرة والتعاطف عناصر تعيد تعريف معنى الحياة في أكثر اللحظات قسوة. وبهذا المعنى، تصبح حماية القلب والهوية والعلاقة بالآخر شكلًا من أشكال الانتصار الإنساني الذي تتأمله الرواية وتثير الأسئلة بشأنه.
هل كتبت «عائلة شجرة الليمون» لتروي المأساة السودانية، أم لتطرح سؤالًا إنسانيًا أوسع عن مصير البشر بعد انهيار عوالمهم؟
لم أكتب هذه الرواية لتكون سجلًا مباشرًا لمأساة الحرب السودانية، فهذه مهمة التاريخ، ولا لتكون شهادة على الخراب، فذلك تفعله الأخبار كل يوم. ما أردته هو أن أقترب من اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه واقفًا فوق أنقاض عالمه، محاولًا أن يفهم ما الذي بقي منه، وما الذي يمكن إنقاذه.
السودان هو المكان الذي تنطلق منه الحكاية، لكنه ليس حدودها. ما يشغلني هو أسئلة الذاكرة، والهوية، والانتماء، والعائلة، وكيف يعيد الإنسان بناء نفسه بعد أن ينهار كل ما كان يعتقد أنه ثابت. لذلك أرى أن الرواية لا تتحدث عن الحرب بقدر ما تتحدث عن الحياة وهي تحاول أن تستعيد معناها بعد الحرب.
تمزج الرواية بين النفحة الصوفية والواقع والأحلام والأشباح والعائدين من الموت. لماذا شعرت أن الواقعية وحدها لا تكفي لقول هذه الحكاية؟
لأن الحروب نفسها تكسر منطق الواقع. في لحظات الخراب الكبرى تصبح الحدود بين الحقيقة والذاكرة، وبين الحلم واليقظة، أقل صلابة مما نتصور. لذلك شعرت أن الواقعية وحدها لن تستطيع أن تلتقط ما يحدث في الداخل الإنساني، ولا أن تعبر عن ثقل الفقد واستمرار حضور الغائبين في حياة من بقوا. أما النفحة الصوفية، فلم تأتِ للزخرفة، بل لأنها تفتح بابًا للتأمل في أسئلة المصير والمعنى والروح، وتمنح الشخصيات مساحة لمواجهة ما يتجاوز التفسير العقلي المباشر. لعلي أردت أن تبدو الرواية وفية للحقيقة الإنسانية، لا للحقيقة الواقعية فقط، لأن الأولى أوسع وأعمق، خاصة في زمن الحرب.





