“العسجد”.. مشهد آخر من مشاهد سودان الحرب

الزين عثمان
لم يكد الجدل الذي صاحب توقيع بنك السودان المركزي عقدًا مع شركة “العسجد للحلول الرقمية والذكية المحدودة” للعمل في مجال خدمات نظم الدفع الإلكتروني يخفت، حتى عاد البنك نفسه ليعلن إلغاء التصديق الممنوح للشركة، في تحول دراماتيكي يطرح أسئلة تتجاوز الشركة ذاتها إلى طبيعة صناعة القرار داخل مؤسسات الدولة.
وكانت مراسم التوقيع قد جرت في احتفال رسمي بمدينة بورتسودان، بحضور ممثلين عن البنك المركزي وعدد من كبار المسؤولين، الأمر الذي أوحى بأن المشروع حظي بموافقة جميع الجهات المختصة. لكن بيانًا لاحقًا صادرًا عن إدارة الاتصال المؤسسي بالبنك أعلن إلغاء التصديق، استنادًا إلى توصية لجنة فنية وقانونية أجرت مراجعة شاملة لأوضاع الشركة وفق المعايير الفنية والمالية والرقابية المنظمة لقطاع الدفع الإلكتروني.
هذا التبرير يثير سؤالًا بديهيًا: إذا كانت تلك المراجعات الفنية والرقابية شرطًا أساسيًا لمنح الترخيص، فلماذا لم تُحسم قبل الإعلان عن منح الشركة حق تشغيل خدمة ذات طبيعة سيادية؟
وجاء قرار الإلغاء بعد تقارير صحفية تحدثت عن مزاعم بوجود ارتباطات بين الشركة وجهات يُقال إنها على صلة بقوات الدعم السريع، إلى جانب حديث عن علاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة. ورغم عدم صدور توضيحات رسمية تؤكد أن هذه المزاعم كانت سببًا مباشرًا في التراجع، فإن عددًا من الصحفيين المقربين من السلطة قدموا القرار باعتباره انتصارًا على ما وصفوه بنفوذ “المليشيا” وداعميها الإقليميين، وهو ما عزز الانطباع بأن قرار المنح صدر من مؤسسة المركزي، بينما جاء قرار الإلغاء نتيجة اعتبارات أمنية وسياسية أكثر من كونه مراجعة فنية بحتة.
بعيدًا عن “العسجد”، لكن قريبًا من التناقضات ذاتها، برزت واقعة أخرى لا تقل دلالة. فقد سارعت وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة إلى نفي ما جرى تداوله بشأن تعيين إدريس محمد علي وكيلًا لوزارة الخارجية، مؤكدة أن مجلس الوزراء لم يصدر أي قرار بهذا الخصوص.
غير أن النفي جاء بعد تداول خطاب رسمي نُسب إلى الجهات الحكومية بشأن التعيين، وهو ما أعاد طرح السؤال القديم: كيف تتسرب قرارات رسمية ثم تُنفى رسميًا؟ وهل تعكس هذه الوقائع خللًا إداريًا، أم صراعًا بين مراكز اتخاذ القرار؟
مشهد “العسجد” ومشهد وكيل الخارجية يعكسان صورة واحدة؛ مؤسسات تعلن قرارات، ثم تعود مؤسسات أخرى إلى نفيها أو إلغائها، بما يوحي بأن الدولة لم تعد تتحدث بصوت واحد، وأن المؤسسية أصبحت أكثر هشاشة في ظل واقع الحرب.
ولعل أكثر مشاهد التناقض وضوحًا ما شهدته بورتسودان عند تدشين رخصة شركة “العسجد”. ففي الاحتفال، الذي نقلت وقائعه وكالة السودان للأنباء “سونا”، قال ممثل مساعد القائد العام وعضو مجلس السيادة، قائد القوات البحرية الفريق محجوب بشرى، إنهم “لا يحتفلون بمجرد وثيقة ترخيص، بل يدشنون بنية تحتية سيادية”. لكن إذا كانت تلك البنية توصف بأنها سيادية، فكيف تُدار عبر شركة خاصة؟ وكيف يتحول المشروع نفسه، بعد أيام قليلة، إلى قرار بالإلغاء؟
المفارقة أن القرار الذي قُدم في البداية باعتباره خطوة لتعزيز السيادة، أصبح التراجع عنه يُسوَّق بوصفه استعادة للسيادة الوطنية. وبين الروايتين، يبقى السؤال معلقًا: أين كانت السيادة عندما مُنح الترخيص أصلًا؟
في زمن الحرب، لم يعد إسناد ملفات سيادية إلى شركات خاصة هو الأمر الأكثر إثارة للدهشة، كما لم يعد انتشار الفساد أو تضارب القرارات يثير كثيرًا من الاستغراب. الأخطر أن تتحول المؤسسات الرسمية إلى منصات لإلغاء أو نفي ما أعلنته مؤسسات رسمية أخرى، في مشهد يعكس تآكل مبدأ المؤسسية لصالح تعدد مراكز النفوذ.
ولن يغيّر نفي تعيين وكيل لوزارة الخارجية من واقع الأزمات التي يعيشها السودانيون، كما لن يحجب إلغاء ترخيص “العسجد” صور التراجع في الخدمات والبنية التحتية، ولا مشاهد مطار بورتسودان، ولا عربات الـ”تاتشرات” التي تجوب الشوارع احتفالًا بعودة أحد رموز الدعاية الحربية. فهذه الوقائع، مجتمعة، تقدم صورة عن سلطة تبدو منشغلة بصراعاتها الداخلية أكثر من انشغالها ببناء مؤسسات قادرة على إدارة دولة أنهكتها الحرب.





