من للعدالة إذا لم يلتزم حارسها

6/يوليو/2026
محمد عمر شمينا
إذا صح الخبر، فإن القضية المتداولة تستحق الوقوف عندها، لا بقصد إصدار أحكام مسبقة أو تبني ما نُشر، وإنما لمناقشة ما تثيره من إشكالات قانونية تمس الإجراءات القانونية ومبدأ حكم القانون، وهما من الركائز الأساسية التي تقوم عليها العدالة وسيادة المؤسسات. فالمسألة، بحسب ما تداولته وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لا تقف عند حدود نزاع إداري بين اللجنة التسييرية للمحامين ونقابة المحامين المنحلة، وإنما تمتد إلى الكيفية التي أُديرت بها الخصومة ذاتها، ومدى التزام أعلى سلطة قضائية بالقواعد التي تُلزم بها جميع المتقاضين.
وبحسب ما نُشر، تقدمت اللجنة التسييرية للمحامين بطعن إداري ضد نقابة المحامين المنحلة بشأن القرارات المتعلقة باعتماد بطاقات تعريف المحامين أمام المحاكم. وقد يبدو النزاع، في ظاهره، خلافاً إدارياً محدوداً، إلا أن ما أُثير حول إجراءات نظر الطعن هو الذي يمنحه أهميته القانونية. فقد ذُكر أن عريضة الطعن رُفضت في مرحلة أولى بتوجيه من رئيس القضاء، قبل أن يُعاد السير فيها لاحقاً، كما ذُكر أن الرد على الطعن قُدم بواسطة شخص وُصف بأنه مفوَّض الهيئة القضائية، دون أن يتضح السند القانوني الذي يخوله تمثيل رئيس القضاء ورئيس الدائرة الإدارية بالمحاكم أمام المحكمة المختصة فى اختصامِ مدنياً.
وهنا تنتقل القضية من مناقشة موضوع النزاع إلى مناقشة سلامة الإجراءات. فالعدالة لا تتحقق بمجرد الوصول إلى نتيجة صحيحة، وإنما تبدأ منذ اللحظة الأولى لانعقاد الخصومة. فالإجراءات ليست شكليات يمكن تجاوزها، وإنما هي الضمانات التي تحمي الحقوق، وتكفل المساواة بين الخصوم، وتصون حق الدفاع، وتؤكد حياد المحكمة. ولهذا فإن أول ما يُبحث أمام القضاء هو صحة الخصومة وصحة تمثيل أطرافها، قبل الانتقال إلى موضوع الدعوى.
ومن هذا المنطلق، فإن ما نُشر بشأن تمثيل رئيس القضاء بواسطة شخص يحمل وصف مفوَّض الهيئة القضائية يثير تساؤلاً قانونياً مشروعاً، لأن التمثيل أمام القضاء لا يقوم على الأوصاف الإدارية، وإنما على صفة قانونية يقررها القانون أو وكالة أو تفويض صحيح. كما أن ما أُثير بشأن رفض الطعن ابتداءً ثم السير فيه لاحقاً يستوجب تفسيراً قانونياً واضحاً يبين الأساس الذي استندت إليه تلك الإجراءات، لأن القضاء لا يكفي أن يكون عادلاً، بل يجب أن تبدو إجراءاته كذلك في نظر المتقاضين والرأي العام.
ولا يُقصد من هذا التحليل الجزم بصحة الوقائع، فالفصل فيها يظل من اختصاص المحكمة المختصة وحدها. غير أن احترام القضاء لا يعني تحصين إجراءاته من النقاش القانوني، بل إن النقد الموضوعي يمثل أحد أهم ضمانات ترسيخ الثقة في المؤسسة القضائية. فالقضاء الذي يُلزم الجميع بالخضوع للقانون، ينبغي أن يكون أول من يلتزم به.
ولعل من المفارقات التي تستحق الوقوف عندها أن الجهة التي تباشر هذا الطعن اليوم سبق أن كانت طرفاً في منازعات قضائية انتهت بأحكام نهائية واجبة الاحترام. ففي 27 فبراير 2023 أصدرت محكمة التنفيذ قرارها في الدعوى رقم 373/تنفيذات/2023 برفض طلب التنفيذ، ثم أيدت المحكمة العليا ذلك الاتجاه بقرارها الصادر في 26 مارس 2023 في الطعن رقم م ع/عمومي/56/2023، والذي قضى برفض الطعن والأمر بقفل ملف التنفيذ. وكانت تلك الأحكام عنواناً للحقيقة القانونية، وكان مقتضى حكم القانون هو احترامها وتنفيذها، سواء وافقت رغبة الخصوم أم خالفتها.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز أطراف هذه الخصومة إلى الثقافة القانونية في السودان بأسرها هل تعلمنا أن احترام حكم القانون لا يكون انتقائياً؟ فالأحكام القضائية لا تُحترم لأنها جاءت في مصلحة هذا الطرف أو ذاك، وإنما لأنها تمثل الحقيقة القانونية إلى أن تُلغى أو تُعدل بالطرق التي رسمها القانون. فمن يطالب اليوم بحماية القضاء والإجراءات، ينبغي أن يكون قد احترم بالأمس الأحكام التي لم تكن في صالحه. أما احترام القضاء عندما يوافق الهوى، والتنصل من أحكامه عندما يخالفه، فليس من حكم القانون في شيء.
ولعل أكثر ما يدعو إلى الأسف أن السودان عاش ثلاثين عاماً تحت عقلية سياسية وإدارية كثيراً ما وُجهت إليها انتقادات بسبب عدم احترام حكم القانون، وعدم الامتثال للأحكام القضائية كلما تعارضت مع الإرادة السياسية. وكانت تلك من أبرز أسباب إضعاف مؤسسات الدولة وترسيخ ثقافة تغليب السلطة على حكم القانون. وما ينتظره السودانيون اليوم ليس إعادة إنتاج تلك العقلية، مهما تغيرت الوجوه أو تبدلت المواقع، وإنما القطيعة معها، بحيث يصبح احترام الأحكام القضائية والإجراءات القانونية التزاماً ثابتاً على الجميع.
إن استقلال القضاء لا يعني إعفاءه من حكم القانون، وإنما يعني استقلاله في تطبيقه. والقاضي، مهما علت درجته، ليس فوق القانون، بل هو أول الخاضعين له، لأن قوة القضاء لا تُقاس بحصانته من النقد، وإنما بقدرته على أن يكون النموذج الأول في احترام القانون الذي يطالب الآخرين بالخضوع له.
وفي نهاية المطاف، فإن القضية، إذا ثبتت الوقائع المتداولة، ليست قضية بطاقات تعريف للمحامين، ولا نزاعاً إدارياً عابراً، وإنما اختبار حقيقي لمدى رسوخ دولة حكم القانون في السودان. فهذه الدولة لا تُبنى بكثرة النصوص ولا بعلو المناصب، وإنما عندما تخضع جميع السلطات، وفي مقدمتها السلطة القضائية، للقواعد والإجراءات ذاتها التي تُلزم بها المواطنين. فالقاضي الذي يطلب من الناس احترام الإجراءات يجب أن يكون أول الملتزمين بها، لأن العدالة لا تقوم على سلامة الأحكام وحدها، بل على سلامة الطريق الذي يؤدي إليها. وعندها فقط، يستعيد القضاء ثقة المجتمع، لا باعتباره سلطة فوق القانون، وإنما باعتباره المؤسسة التي تجسد حكم القانون قبل أن تطالب الآخرين بالخضوع له.
mshomena1@yahoo.com





