ماذا كانت تعرف أميركا عن السودان؟ قراءة في الصورة الذهنية بين 1885 و1918

محمد أحمد شبشة
ثمة سؤال بسيط في ظاهره، لكنه عسير في جوهره: ماذا كان يعرف الأميركي العادي عن السودان في الفترة الممتدة بين سقوط الخرطوم عام 1885 ونهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918؟ والسؤال ليس ترفًا فكريًا، بل هو مدخل ضروري لفهم كيف تتشكل الصور الذهنية عن الشعوب والبلدان في أذهان من لم يزوروها ولم يعرفوا أهلها، وكيف يمكن لاسم دولة حية بأهلها وتاريخها وصراعاتها أن يتحول إلى مجرد رمز ثقافي يُستعار ويُوظَّف في سياقات لا علاقة لها بالبلد الحقيقي الذي يقف وراءه.
والإجابة المختصرة كشفتها الصحافة الأميركية نفسها؛ ففي الأول من أغسطس 1884، وفي ذروة أزمة حصار الخرطوم، نشرت صحيفة Cheyenne Transporter الصادرة في الأراضي الهندية بولاية داكوتا جملة لافتة تقول: “السودان بالنسبة إلى معظم الأميركيين ليس أكثر من كلمة عابرة.” لم تكن تلك الجملة اعترافًا بجهل القراء، بل كانت توصيفًا دقيقًا لحالة وعي جماعي؛ السودان اسم يتردد في الصحف، لكنه لا يحمل في الأذهان صورة بلد حقيقي بأهله وتاريخه وجغرافيته، بل يحمل شحنة من الغموض والإثارة المجردة.
ولفهم آلية تشكل هذه الصورة، لا بد من العودة إلى ربيع عام 1884، حين بدأ الجنرال البريطاني تشارلز غوردون يُرسل رسائله المباشرة من داخل الخرطوم المحاصرة إلى الصحف البريطانية، مستنهضًا الرأي العام ضد حكومة غلادستون المترددة في إرسال قوة إنقاذ. كانت تلك الرسائل تُنشر وتُعاد نشرها وتتناقلها الصحافة الأميركية، التي كانت تتابع الحدث ببالغ الاهتمام، لا لأن السودان كان يعنيها بحد ذاته، بل لأن البطل الإنجليزي المحاصر كان يعنيها، ولأن الدراما الإنسانية الكامنة في حصار رجل واحد وسط قارة بعيدة كانت مادة صحفية استثنائية بمعايير أي عصر. وقد رصدت كبريات الصحف الأميركية كالـ New York Times والـ Washington Post والـ New York Tribune تلك الأحداث بعناوين متكررة من قبيل “أزمة السودان” و”خطر غوردون”، وحين انقطعت الاتصالات بعد سقوط بربر في مايو 1884، باتت الأخبار تُبنى على الشائعات والرسائل المهربة، وظهرت عناوين من قبيل “هل الخرطوم آمنة؟” قبل أن يقع السقوط الفعلي بأشهر.

وحين سقطت الخرطوم في السادس والعشرين من يناير 1885، ووصل خبر مقتل غوردون إلى الصحف الأميركية، كان رد الفعل امتدادًا طبيعيًا لرد الفعل البريطاني؛ حدادًا على بطل إمبراطوري، لا على كارثة إنسانية سودانية. ولم يكن أحد في تلك الصحف مهتمًا بأن يسأل: ماذا يعني هذا الحدث بالنسبة للسودانيين أنفسهم؟ ماذا كانت تعني الثورة المهدية لمن اشتعلت في أرضهم؟ وما الذي كان يجري داخل أم درمان التي اختارها المهدي عاصمةً لدولته الجديدة؟ هذه الأسئلة لم تكن مطروحة، لأن الإطار الذي وضعته الصحافة للحدث لم يكن يتسع لها أصلًا؛ الإطار كان إطار المأساة البريطانية، لا إطار التحول السياسي السوداني.
وفي سبتمبر 1898 جاءت معركة أم درمان لتُرسخ في الذاكرة الأميركية صورة السودان كأرض يتصادم فيها التحديث الأوروبي مع المقاومة المسلحة، وكان ونستون تشرشل مراسلًا حربيًا شابًا يومها، وروايته للمعركة انتشرت في الصحافة الأميركية بالأسلوب ذاته المعتاد: المعركة مسرح، والبريطانيون أبطال أو ضحايا، والسودانيون قوة طبيعية كالرياح، لا فاعلون سياسيون لهم إرادة وحسابات. وفي العشرين من يناير 1899 نشرت صحيفة The Evening Herald الصادرة في شيناندوا بولاية بنسلفانيا عنوانًا بارزًا “ENGLAND AND SOUDAN” يتحدث عن اتفاقية الحكم الثنائي الأنجلو-مصري — السودان مرة أخرى موضوع قانوني بين قوتين أجنبيتين، لا بلد لأهله.
وهكذا تكرر النمط في كل محطة: السودان موجود بوصفه موضعًا جغرافيًا وخلفيةً للأحداث، لكنه غائب بوصفه مجتمعًا بشريًا وكيانًا سياسيًا. الخرطوم موجودة لأن غوردون مات فيها. أم درمان موجودة لأن كيتشنر انتصر عندها. فاشودة موجودة لأن بريطانيا وفرنسا تواجهتا فوقها. لكن السودانيين أنفسهم، بلغتهم وحياتهم اليومية وأسواقهم ومزارعهم وطريقة تفكيرهم فيما يجري حولهم، كل هذا كان مفقودًا من الصورة التي رسمتها الصحافة وحملتها إلى القارئ الأميركي. وهذا الغياب ليس تفصيلًا هامشيًا قابلًا للتبرير بضيق المساحة أو بُعد المسافة، بل هو خيار تحريري متكرر يكشف كيف كانت الصحافة ترى العالم، وكيف كانت تقرر ما يستحق الرواية وما لا يستحقها — وهو الخيار ذاته الذي تحاول المقالة التالية أن تشرح آليته.





