إما إعادة تأسيس الدولة أو استمرار التفكك والانهيار (1-2) حمدوك يطرح ست ركائز للعقد الاجتماعي

أمام الحلو: الحرب كشفت فشل نماذج الدولة المطروحة

أدار حلقة النقاش وقدم لها الطاهر بدر الدين

رصد: أم سلمة العشا

في ظل الحرب التي تعصف بالسودان، وما أفرزته من أسئلة كبرى حول مستقبل الدولة الوطنية ومشروعية الأسس التي قامت عليها منذ الاستقلال، نظمت مجلة “أفق جديد” عبر تطبيق “زووم” أولى حلقاتها النقاشية حول قضية العقد الاجتماعي الجديد، تحت عنوان: “من الحرب إلى الدولة.. العقد الاجتماعي صمام أمان السودان”.

وشارك في الحلقة رئيس الوزراء السابق ورئيس تحالف صمود، الدكتور عبد الله حمدوك، وأمين السياسات بحزب الأمة القومي الأستاذ إمام الحلو، ومؤسس ومدير مشروع الفكر الديمقراطي والقراءة من أجل التغيير الدكتور شمس الدين ضو البيت، إلى جانب الباحثة والأكاديمية عائشة حمد، والكاتب الإسلامي عامر الحاج، بمشاركة واسعة من كبار الأكاديميين والسياسيين والمفكرين السودانيين الذين أثروا النقاش بمداخلات ورؤى متعددة حول مستقبل الدولة السودانية.

وتأتي هذه الحلقة بوصفها الأولى ضمن سلسلة من الحوارات الفكرية والسياسية التي تعتزم مجلة “أفق جديد” مواصلة تنظيمها حول قضية العقد الاجتماعي، انطلاقًا من قناعة متزايدة لدى قطاعات واسعة من النخب السياسية والفكرية بأن الأزمة السودانية الراهنة ليست مجرد أزمة حكم أو نزاع على السلطة، وإنما هي أزمة تأسيس للدولة الوطنية نفسها، وأن المخرج الحقيقي من الحلقة الجهنمية التي ظلت تدور فيها البلاد منذ الاستقلال يكمن في إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها دولة ما بعد الاستعمار، وصياغة عقد اجتماعي جديد يحظى بالرضا والقبول الوطني الواسع.

فقد أثبتت التجربة التاريخية الممتدة لأكثر من ستة عقود أن الدولة التي ورثها السودانيون بعد الاستقلال لم تستطع بناء توافق وطني مستدام حول هويتها وطبيعة نظامها السياسي وعلاقات مكوناتها الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي جعلها عرضة، بصورة مستمرة، لدورات الانقلابات والحروب الأهلية والأزمات السياسية المتعاقبة.

ومن هذا المنطلق، سعت الحلقة إلى فتح نقاش فكري وسياسي عميق حول إمكانات تأسيس دولة سودانية جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، والإدارة الرشيدة للتنوع، والحكم الديمقراطي، باعتبار أن العقد الاجتماعي الجديد لم يعد مجرد طرح فكري أو سياسي، بل أصبح ضرورة تاريخية تفرضها تحديات الحاضر ومستقبل الأجيال القادمة.

ست ركائز لإعادة تأسيس الدولة

حدد رئيس الوزراء السابق ورئيس تحالف “صمود”، الدكتور عبد الله حمدوك، ست ركائز رئيسية يقوم عليها العقد الاجتماعي الجديد في السودان، مؤكدًا أن بناء دولة مدنية ديمقراطية تنموية لم يعد خيارًا سياسيًا قابلًا للأخذ والرد، وإنما أصبح ضرورة وجودية تفرضها تحديات الواقع السوداني وما أفرزته الحرب من أزمات وانقسامات.

وقال حمدوك، خلال حلقة النقاش التي نظمتها مجلة “أفق جديد” بعنوان: “من الحرب إلى الدولة.. العقد الاجتماعي صمام أمان السودان”، إن العقد الاجتماعي الجديد القائم على أسس الدولة المدنية الديمقراطية والتنموية يمثل الطريق الوحيد لإعادة تأسيس الدولة السودانية، مضيفًا أن الأمر لم يعد ترفًا فكريًا أو خيارًا سياسيًا بين بدائل متعددة، بل خيارًا وجوديًا؛ فإما إعادة بناء الدولة على هذه الأسس، أو الاستمرار في مسار التفكك والانهيار.

وأوضح أن الدولة الديمقراطية المنشودة لا تقوم على الانتخابات الحرة والنزيهة وحدها، وإنما تستند كذلك إلى الفصل الكامل بين السلطات، واستقلال القضاء، وسيادة حكم القانون، مشيرًا إلى أن العقود الثلاثة الماضية شهدت تدميرًا ممنهجًا لاستقلال المؤسسة القضائية، وتحويلها إلى جهاز تابع للسلطة التنفيذية والسياسية، الأمر الذي أفقدها دورها الطبيعي في تحقيق العدالة وحماية الحقوق والحريات.

وأكد أن حرية التنظيم والتعبير والصحافة تمثل ركائز أساسية لأي نظام ديمقراطي حقيقي، مشددًا بصورة خاصة على أهمية الصحافة الحرة بوصفها السلطة الرابعة والضامن الأساسي للشفافية والمساءلة ومراقبة أداء الجهاز التنفيذي، وأن غيابها يفتح الباب أمام الاستبداد والفساد وإضعاف مؤسسات الدولة.

كما دعا إلى بناء نظام حكم محلي وولائي منتخب، يتيح للمواطنين المشاركة المباشرة في إدارة شؤونهم، ويجعل السلطة أقرب إلى الناس، بما يعزز المشاركة الشعبية ويحقق التنمية المتوازنة بين مختلف الأقاليم.

وفي الجانب الاقتصادي، أكد حمدوك أن الدولة التنموية التي يدعو إليها ليست دولة تقوم على الشعارات والخطابات السياسية، وإنما دولة تجعل التنمية محورًا أساسيًا للسياسات العامة، بحيث تصبح مسؤولية أصيلة للدولة، وليست مجرد تفضلات أو منح من الحكام للمواطنين.

وأشار إلى أن الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة والزراعة والصناعة يمثل حجر الأساس لأي مشروع وطني للنهوض والتقدم، مؤكدًا أن التصنيع، بشقيه الخفيف والثقيل، يظل المدخل الرئيس لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.

واستشهد بتجارب اليابان والصين والهند والنمور الآسيوية، موضحًا أن هذه الدول استطاعت خلال العقود الماضية تحقيق نهضتها الاقتصادية عبر مشاريع تصنيع وطنية كبرى، وهو ما ينبغي أن يشكل جزءًا من الرؤية السودانية المستقبلية.

وفي ما يتعلق بالنموذج الاقتصادي، دعا إلى تبني نموذج اقتصادي تنموي يقوم على قطاع عام يؤدي دورًا تنظيميًا وتنمويًا، إلى جانب تشجيع التعاونيات وقيام قطاع خاص منتج يسهم في التنمية الحقيقية، بعيدًا عن الطفيلية الاقتصادية والأنشطة غير المنتجة.

وأكد أن هذا النموذج يجب أن يضع حماية الفئات الفقيرة والهشة ضمن أولوياته، وأن يعمل على معالجة الاختلالات التاريخية بين المركز والهامش عبر سياسات واضحة وعادلة لتوزيع الموارد والاستثمارات وفرص التنمية.

وأضاف أن التهميش الذي تعاني منه مناطق واسعة في السودان ليس قدرًا تاريخيًا أو أمرًا عارضًا، وإنما نتيجة مباشرة للسياسات التي مورست منذ الحقبة الاستعمارية وحتى اليوم، الأمر الذي يتطلب سياسات اقتصادية جديدة تراعي العدالة التنموية وتزيل الفوارق بين الأقاليم المختلفة.

وأوضح أن الفكرة المحورية للمشروع الوطني الجديد تتمثل في بناء دولة مدنية وديمقراطية، ليس بالمعنى الإجرائي الضيق المرتبط بالانتخابات وتداول السلطة فقط، وإنما دولة قادرة على تحقيق التنمية وبناء مؤسسات حديثة، لأن الفقر والتهميش يمثلان الوقود الدائم لاستمرار النزاعات والحروب وتجددها.

المواطنة والعدالة أساس العقد الجديد

وفي سياق حديثه عن ركائز العقد الاجتماعي الجديد، قال حمدوك إن هذه الركائز يمكن تلخيصها في ستة مبادئ رئيسية، يأتي في مقدمتها مبدأ المواطنة المتساوية، بحيث يكون الانتماء للوطن هو الأساس الوحيد للحقوق والواجبات، عبر نصوص دستورية واضحة وحاسمة لا تميز بين المواطنين على أي أساس.

أما الركيزة الثانية فتتمثل في الفصل الكامل بين الدين والدولة، وحظر كافة أشكال التمييز على أساس الدين أو العرق أو النوع أو الجهة، إلى جانب مراجعة القوانين التي تعزز الإقصاء والتمييز، والعمل على إدارة التنوع السوداني بوصفه مصدر قوة وإثراء، من خلال الاعتراف بالتنوع التاريخي والمعاصر، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية لمختلف المجموعات.

كما دعا إلى إقامة نظام حكم فيدرالي ولا مركزي يمنح الأقاليم سلطات حقيقية وموارد كافية تمكنها من إدارة شؤونها وتحقيق تنميتها بصورة عادلة ومتوازنة

جيش مهني تحت قيادة مدنية.

وفي الركيزة الثالثة المتعلقة بالعلاقة بين المدنيين والعسكريين، شدد حمدوك على ضرورة خضوع القوات المسلحة والأجهزة النظامية للقيادة المدنية المنتخبة، مؤكدًا أن هذا المبدأ ليس حكرًا على التجارب الأوروبية، وإنما يمثل واقعًا قائمًا في دول إفريقية عديدة تشترك مع السودان في ظروف تاريخية متشابهة، مثل كينيا ونيجيريا وغانا، حيث تخضع المؤسسات العسكرية بصورة كاملة للسلطات المدنية.

وأشار إلى الحاجة إلى إصلاح مدني وعسكري شامل يتضمن عمليات الدمج وإعادة التأهيل، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن النشاطين الاقتصادي والسياسي، وبناء جيش قومي مهني موحد يستند إلى عقيدة وطنية جديدة تعبر عن جميع السودانيين، مع تضمين نصوص دستورية واضحة وصارمة تجرم الانقلابات العسكرية وتمنع تكرارها.

لا سلام مستدام دون عدالة انتقالية

وفي الركيزة الرابعة، تناول قضية العدالة الانتقالية، مؤكدًا أنها تمثل أحد الشروط الأساسية لبناء سلام مستدام ومنع تكرار المآسي والانتهاكات التي شهدها السودان عبر تاريخه الحديث.

وقال إن تحقيق العدالة يبدأ بكشف الحقيقة كاملة بشأن الجرائم والانتهاكات القديمة والحديثة، وإنصاف الضحايا، ورد الاعتبار لهم، وتقديم تعويضات فردية وجماعية مناسبة، إلى جانب إصلاحات مؤسسية تضمن عدم الإفلات من العقاب، خاصة في الجرائم الجسيمة والانتهاكات الكبرى.

وأشار إلى أهمية الاستفادة من الإرث السوداني المتجذر في الجودية والمصالحات الأهلية، والانفتاح على التجارب الدولية الناجحة، مثل تجربة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا، وتجربة رواندا، والتجربة المغربية في العدالة الانتقالية.

التنمية شرط لاستقرار الدولة

أما الركيزة الخامسة فتتمثل في بناء عقد اقتصادي واجتماعي جديد يربط شرعية الحكم بقدرة الدولة على خدمة مواطنيها وتحسين أوضاعهم المعيشية، من خلال توفير فرص العمل للشباب، وضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والمياه والخدمات العامة.

وشدد على ضرورة معالجة الاختلالات الكبيرة في توزيع الموارد والاستثمارات بين المركز والأقاليم، داعيًا إلى وضع رؤية وطنية استراتيجية للتنمية تمتد لعشر أو خمس عشرة سنة، تقوم على توافق وطني واسع، ولا ترتبط بالأشخاص أو الحكومات المتعاقبة.

مؤتمر تأسيسي ودستور جديد

وفي الركيزة السادسة والأخيرة، أكد أهمية الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد باعتبارهما شرطين أساسيين لإعادة بناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين في مؤسساتها.

ودعا إلى ترسيخ الشفافية في إدارة الموارد الوطنية، سواء في الذهب أو الزراعة أو الثروات المعدنية أو البترول، عبر مؤسسات رقابية مستقلة، وإحياء مؤسسات الخدمة المدنية التي تعرضت للتدمير خلال العقود الماضية، مع تطوير التشريعات والآليات اللازمة لمكافحة الفساد والاستفادة من التجارب السابقة والبناء عليها.

وحول آليات إعادة تأسيس الدولة، دعا حمدوك إلى إطلاق عملية دستورية شاملة تقوم على مؤتمر تأسيسي قومي أو حوار وطني واسع يفضي إلى صياغة دستور جديد يعبر عن الإرادة الجماعية للسودانيين، بمشاركة الأحزاب والحركات المسلحة ومنظمات المجتمع المدني والنساء والشباب والنقابات والإدارات الأهلية والقيادات الدينية وممثلي الأقاليم.

كما طالب بقيام مرحلة انتقالية مدنية تستند إلى مشروع وطني واضح، يركز على إيقاف الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة والتحضير لانتخابات حرة ونزيهة وفق الدستور الجديد، ضمن تفويض زمني محدد ورقابة مجتمعية فعالة.

واختتم حمدوك بالتأكيد على أن هذا الإطار يمثل المخرج العملي الوحيد للأزمة السودانية، لأن تجارب الانقلابات العسكرية أثبتت فشلها، ولأن السودان بلد متعدد الثقافات والأعراق والأديان، ولا يمكن حكمه بعقلية الإقصاء والهيمنة.

وأضاف أن التنمية والعدالة الاجتماعية أصبحتا شرطًا لبقاء الدولة نفسها، لأن الدولة التي تعجز عن توفير الخدمات الأساسية والفرص المتكافئة لمواطنيها تفقد شرعيتها السياسية والأخلاقية، وتتحول إلى مجرد سلطة للجباية والإكراه.

وختم حمدوك مداخلته الرئيسية بالقول إن العقد الاجتماعي الجديد، المرتكز على الدولة المدنية الديمقراطية والتنموية، يمثل الخيار الوجودي للسودان، فإما إعادة تأسيس الدولة على هذه الأسس التي تحقق العدالة والتنمية والسلام، أو مواصلة السير في طريق التفكك والانهيار.

الحرب كشفت فشل نماذج الدولة

أكد أمين السياسات بحزب الأمة القومي، الأستاذ إمام الحلو، أن السودان يواجه اليوم واحدة من أخطر المحطات في تاريخه الحديث، وأن الحرب الراهنة، رغم مآسيها وتداعياتها الكارثية، تفتح في الوقت نفسه نافذة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة الوطنية على أسس جديدة تقوم على المواطنة والعدالة والتعددية والديمقراطية.

وقال الحلو، خلال مشاركته في حلقة النقاش التي نظمتها مجلة “أفق جديد” بالقاهرة بعنوان: “من الحرب إلى الدولة.. العقد الاجتماعي صمام أمان السودان”، إن حزب الأمة القومي كان قد استشعر مبكرًا الاختلالات التي صاحبت إدارة الفترة الانتقالية عقب انتصار ثورة ديسمبر المجيدة وقيام الحكومة الانتقالية في أغسطس 2019، الأمر الذي دفع الحزب إلى إصدار النسخة الثانية من مشروع العقد الاجتماعي الجديد في مارس 2020، داعيًا آنذاك إلى إعادة تنظيم قوى الحرية والتغيير في إطار جبهة سياسية أكثر تماسكًا، تمتلك برنامجًا واضحًا وقيادة خاضعة للمساءلة وميثاقًا ملزمًا لإدارة المرحلة الانتقالية.

وأوضح أن تلك الدعوات لم تجد طريقها إلى التنفيذ، الأمر الذي أتاح لقوى الثورة المضادة، بحسب تعبيره، فرصة إجهاض التجربة الانتقالية عبر انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، وهو الانقلاب الذي انتهى إلى إشعال الحرب الكارثية في أبريل 2023.

وأشار إلى أن الحرب بدأت بوصفها صراعًا بين طرفي الانقلاب، لكنها سرعان ما تحولت إلى حرب مدن، ثم اتخذت طابع الحرب الأهلية، وأصبحت تتجه تدريجيًا نحو التحول إلى حرب بالوكالة، بفعل التدخلات الخارجية وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.

وأضاف أن طرفي الحرب سعيا إلى اكتساب شرعية تقوم على الغلبة العسكرية، وأصبح كل منهما أسيرًا لفكرة الانتصار الكامل، رغم استحالة تحقيقه عمليًا، الأمر الذي جعلهما أكثر ارتهانًا للدعم الخارجي والضغوط الإقليمية والدولية، بينما تراجعت الإرادة الوطنية المستقلة، وأصبح مستقبل السودان عرضة للتجاذبات الخارجية.

وأكد الحلو أن حرب أبريل وضعت البلاد أمام تحديات وجودية غير مسبوقة، تمثلت في تهديد وحدة السودان وسلامة أراضيه، وإضعاف التماسك الاجتماعي والثقافي والاقتصادي بين مكونات الشعب، فضلًا عن اتساع نطاق التدخلات الأجنبية بصورة جعلت القرار الوطني يفقد كثيرًا من استقلاليته.

ورأى أن الكيفية التي تنتهي بها الحرب ستكون العامل الحاسم في رسم مستقبل السودان وشكل دولته المقبلة، مؤكدًا أن تجاوز المعادلة الصفرية القائمة على انتصار طرف وهزيمة الآخر يمثل الخيار الأكثر عقلانية، عبر اتفاق تفاوضي يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات العسكرية والسياسية الضيقة.

وأوضح أن هذا الهدف يمكن تحقيقه من خلال الضغط الشعبي، وتبني استراتيجية تقوم على الإنهاك والإدراك السياسي، كما ورد في مشروع الخلاص الوطني الذي طرحه حزب الأمة القومي.

ثلاثة مشاريع تتنافس على مستقبل السودان

وفي معرض حديثه عن مستقبل الدولة السودانية، قال الحلو إن الحرب الدائرة اليوم تدور عمليًا بين ثلاثة مشاريع متنافسة لأنماط مختلفة من الدولة؛ يتمثل أولها في مشروع المؤسسة العسكرية لإعادة بناء دولة العسكر الأوتوقراطية، وثانيها مشروع الحركة الإسلامية لاستعادة دولة المشروع الحضاري، وثالثها مشروع قوات الدعم السريع القائم على فكرة الدولة العلمانية الفيدرالية.

واعتبر أن هذه المشروعات الثلاثة، رغم اختلاف مرجعياتها، لا تمتلك القدرة على تحقيق السلام والاستقرار والتنمية، لأنها لا تستند إلى مفهوم الدولة-الأمة الذي يقوم على وجود وعي قومي مشترك يجمع المواطنين داخل إطار سياسي وثقافي جامع.

وأشار إلى أن الدولة التي ورثها السودان عقب الاستقلال لم تكن، في حقيقتها، دولة وطنية مكتملة، وإنما كانت امتدادًا للدولة الاستعمارية التي تشكلت في ظل النظام الكولونيالي الأوروبي ومخرجات مؤتمر برلين، وقامت على مؤسسات صممت لخدمة سلطة الاحتلال أكثر من خدمة المجتمع المحلي.

وأوضح أن هذه الدولة الموروثة تعرضت، بعد رحيل المستعمر، إلى تآكل تدريجي في بنيتها ومؤسساتها حتى أصبحت دولة هشة، قبل أن تصل في نهاية المطاف إلى حالة الفشل التي تعيشها البلاد اليوم.

وأضاف أن الانقلابات العسكرية المتعاقبة، بدءًا من انقلاب نوفمبر 1958، مرورًا بتجربة مايو 1969، ووصولًا إلى نظام يونيو 1989، أسهمت بصورة مباشرة في تعطيل عملية بناء الأمة السودانية، وأعاقت تطور الوعي الوطني المشترك، وأضعفت الثقافة الديمقراطية اللازمة لترسيخ دولة حديثة تقوم على المشاركة والتعددية.

واستحضر، في هذا السياق، مقولة الإمام المهدي: “المنن في طي المحن”، معتبرًا أن الأزمات الكبرى تحمل في داخلها فرصًا للتجديد وإعادة البناء، وأن انهيار الدولة الراهنة يتيح فرصة تاريخية للبحث عن صيغة جديدة للدولة السودانية تقوم على عقد اجتماعي مختلف عن عقود الإذعان التي حكمت المراحل السابقة.

المواطنة والهوية الجامعة مدخل الحل

وأكد الحلو أن الدولة الوطنية الجديدة ينبغي أن تقوم على مفهوم المواطنة المتساوية، بحيث تصبح المواطنة وحدها أساس الحقوق والواجبات، بعيدًا عن أي اعتبارات عرقية أو دينية أو جهوية.

كما دعا إلى تعزيز الاندماج الوطني وإدارة التنوع العرقي والثقافي والجهوي بصورة إيجابية، والعمل على صهر التعدد السوداني داخل إطار الهوية الوطنية الجامعة، بدلًا من اختزال الهوية في الانتماءات الإثنية الضيقة أو تحويل التنوع إلى مصدر دائم للصراع.

وأشار إلى أهمية التركيز على توظيف عناصر القوة الكامنة في التنوع السوداني، بدلًا من الاكتفاء بخطابات حماية الأقليات أو تكريس الانقسامات المجتمعية، مؤكدًا أن بناء الأمة السودانية يتطلب ترسيخ الانتماء الوطني المشترك وضمان الحقوق الثقافية والدينية لجميع المواطنين دون استثناء.

كما طرح رؤية تقوم على بناء فضاء إقليمي جديد للتكامل الاقتصادي والأمني والاستراتيجي مع دول حوض النيل والجوار المباشر، وفق مفهوم السيادة المتقاسمة بدلًا من السيادة المغلقة التي ارتبطت بالنموذج الوستفالي التقليدي للدولة الحديثة.

وأوضح الحلو أن مشروع العقد الاجتماعي الجديد الذي قدمه حزب الأمة القومي في مارس 2020 كان يمثل مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا، اشتمل على تشخيص لأسباب تعثر الفترة الانتقالية وطرح معالجات عملية لتجاوزها، إلى جانب الدعوة إلى بناء اصطفاف سياسي جديد ووضع برنامج وطني واضح المعالم لإدارة المرحلة الانتقالية وإنجاز المؤتمرات القومية اللازمة للبناء الوطني.

 

وأشار إلى أن تطورات الحرب الراهنة جعلت القوى المدنية والسياسية أمام أربعة تحديات مصيرية لا يمكن تجاوزها، تتمثل في تحقيق السلام العادل والشامل، وإدارة مرحلة انتقالية راشدة، وبناء دولة وطنية حديثة، وتعزيز الأمن والسلم الإقليمي.

جبهة مدنية لاستعادة القرار الوطني

وأكد امام الحلو أن وقف الحرب وإنهاء الكارثة الإنسانية يمثلان الأولوية القصوى للقوى المدنية الديمقراطية، الأمر الذي يتطلب توحيد الجبهة الداخلية واستعادة القرار الوطني المستقل، عبر تكوين اصطفاف وطني جديد تشارك فيه مختلف القوى السياسية والمدنية والاجتماعية المؤمنة بالسلام والتحول الديمقراطي، بما في ذلك الإدارات الأهلية والطرق الصوفية والهيئات الدينية والمؤسسات الثقافية والرياضية.

وأوضح أن هذا الاصطفاف ينبغي أن يتحول إلى جسم مدني متماسك يمتلك هيكلًا تنظيميًا واضحًا، وقيادة خاضعة للمساءلة، وبرنامجًا سياسيًا مفصلًا، وميثاقًا وطنيًا يحدد المبادئ الدستورية والسياسية الملزمة لجميع مكوناته.

وأشار إلى أن هذا الميثاق الوطني يجب أن يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها الحفاظ على وحدة السودان وسيادته الوطنية، وبناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على الحرية والعدالة الاجتماعية والتنوع الثقافي والهوية الجامعة.

كما أكد ضرورة اعتماد المواطنة أساسًا للحقوق والواجبات، بحيث لا يتم سن أي تشريع إلا عبر مؤسسات تشريعية منتخبة تعبر عن الإرادة الشعبية.

وشدد على الالتزام الكامل بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وترسيخ الديمقراطية التوافقية المستدامة ومعايير الحكم الرشيد، إلى جانب بناء نظام سياسي تعددي يقوم على الفيدرالية واللامركزية..

ودعا إلى تبني استراتيجية قومية لتحقيق السلام العادل والشامل، بعيدًا عن المحاصصات السياسية والمزايدات الحزبية، مع التأكيد على خضوع المؤسسة العسكرية للقرار المدني وقيام جيش مهني بعقيدة وطنية مستقلة عن النشاط السياسي والاقتصادي.

كما طرح مشروعًا اقتصاديًا نهضويًا يعتمد على استثمار موارد السودان الطبيعية وثرواته الوطنية، إلى جانب بناء سياسة خارجية متوازنة تدعم الأمن والسلم الإقليميين وتبتعد عن سياسات المحاور والتبعية.

وفي هذا السياق، دعا إلى تعزيز التكامل الإقليمي عبر إقامة صيغ جديدة للتعاون مع دولتي السودان ودول حوض النيل ودول الجوار الغربي، بما يفتح آفاقًا أوسع للتنمية الاقتصادية والتقدم التكنولوجي والتعاون الاستراتيجي.

سلام تفاوضي قبل بناء الدولة

وعرض الحلو رؤية تقوم على عقد مؤتمر مائدة مستديرة يضم مختلف أصحاب المصلحة السودانيين من المدنيين والعسكريين، بدعم إقليمي ودولي، مع استبعاد عناصر النظام السابق وروافده، من أجل وضع استراتيجية قومية شاملة لإدارة المرحلة المقبلة.

وأوضح أن هذه الاستراتيجية تقوم على أربعة محاور رئيسية، تشمل وضع خطة شاملة لتحقيق السلام الدائم وإزالة أسباب الحرب ومعالجة آثارها، وإدارة مرحلة انتقالية راشدة عبر حكومة قومية مؤقتة ودستور انتقالي قائم على التفويض الشعبي والرقابة التشريعية، إلى جانب وضع الأسس اللازمة لبناء الدولة الوطنية الجديدة ونظام الحكم الديمقراطي التعددي.

 

وأشار إلى أن نهاية المرحلة الانتقالية يجب أن تشهد إجازة الدستور الدائم عبر استفتاء شعبي، يعقبه تنظيم انتخابات متدرجة تبدأ بالمستويات المحلية قبل الانتقال إلى الانتخابات القومية العامة.

وأكد أن وقف الحرب وحده لا يعني تحقيق السلام النهائي، بل إن السلام الحقيقي يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تشارك فيها جميع الأطراف وأصحاب المصلحة، بمن فيهم الضحايا والنازحون واللاجئون، مع اعتماد آليات الحقيقة والمصالحة والعدالة الانتقالية وجبر الضرر ومنع الإفلات من العقاب.

القضايا المصيرية تُحسم بالتوافق

كما شدد على أن القضايا المصيرية الكبرى، وعلى رأسها نظام الحكم، والعلاقة بين الدين والدولة، وصياغة الدستور الدائم، والإصلاح الأمني والعسكري، لا يمكن حسمها عبر ترتيبات ثنائية أو قرارات فوقية، وإنما عبر مؤتمرات قومية متخصصة يشارك فيها الخبراء والسياسيون ومؤسسات المجتمع المدني والإدارات الأهلية، وتديرها مفوضيات مستقلة.

وأشار إلى أهمية عقد مؤتمرات قومية متخصصة تشمل قضايا السلام والدستور والإصلاح الأمني والعسكري والاقتصاد والعلاقات الخارجية والثقافة والتعليم والخدمة المدنية والبيئة، باعتبارها أدوات لبناء التوافق الوطني حول مستقبل البلاد.

وفي ما يتعلق بالمجتمع الدولي، أكد الحلو أن عدم الاستقرار في السودان يمثل تهديدًا إقليميًا ودوليًا بسبب الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر وإمكانية تمدد الجماعات المتطرفة، مشيرًا إلى أن ضعف التنسيق بين القوى المدنية السودانية أسهم في تراجع ثقة المجتمع الدولي بقدرتها على قيادة عملية التحول السياسي.

ودعا إلى الإسراع في تشكيل جبهة مدنية موحدة قادرة على مخاطبة المجتمعين الإقليمي والدولي برؤية متماسكة وموقف موحد، والاستفادة من مخرجات المبادرات الدولية الأخيرة لدعم جهود السلام والاستجابة الإنسانية.

وأكد أن الدور الأكثر إلحاحًا للمجتمع الدولي يتمثل في استخدام نفوذه السياسي والاقتصادي للضغط من أجل وقف تدفق السلاح والدعم المالي واللوجستي لأطراف الحرب، تمهيدًا لتهيئة الظروف اللازمة لإنهاء النزاع.

وأضاف أن المجتمع الدولي سيكون مطالبًا، بعد تحقيق السلام وقيام الحكم الانتقالي، بدعم برامج الإغاثة الإنسانية والإسعاف الاقتصادي، والمساهمة في مشروع وطني شامل لإعادة البناء، وصفه بأنه أشبه بـ “مشروع مارشال سوداني” يؤسس للميلاد الجديد للدولة السودانية.

إما إعادة التأسيس… أو استمرار الانهيار

واختتم الحلو مداخلته بالتأكيد على أن الكارثة الراهنة يجب أن تتحول إلى فرصة تاريخية لبناء دولة وطنية حديثة تقوم على قيم المواطنة والتنمية والتحديث، وأن العقد الاجتماعي الجديد ينبغي أن يكون نتاج مشروع فكري تحرري يتجاوز إرث الاستبداد والشمولية والإقصاء، ويستفيد من التطورات العلمية والتكنولوجية المعاصرة لصناعة مستقبل مختلف للسودان وأجياله القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى