السلطة والإنسان..قصة صراع لم تنتهِ

حاتم أيوب أبو الحسن

حاتم أيوب أبو الحسن

منذ أن اكتشف الإنسان فكرة السلطة، بدأت واحدة من أطول القصص في التاريخ؛ قصة لم تكن يومًا مجرد صراع بين حاكم ومحكوم، أو بين دولة ومعارضة، بل كانت في جوهرها صراعًا بين السلطة باعتبارها أداة لتنظيم الحياة، والسلطة حين تتحول إلى غاية تبتلع كل ما حولها، بما في ذلك الإنسان نفسه.

في كل حقبة من التاريخ، كانت السياسة تُقدَّم بوصفها الطريق إلى الاستقرار والعدالة وحماية المصالح العامة. لكن التاريخ نفسه يخبرنا أن السياسة كثيرًا ما انحرفت عن هذا المسار، فتحولت من وسيلة لحماية المجتمعات إلى وسيلة للهيمنة عليها، ومن عقدٍ اجتماعي يربط الدولة بمواطنيها إلى علاقة قوة تختبر فيها السلطة حدود قدرتها على السيطرة.

لهذا يعود السؤال في كل أزمة كبرى، وفي كل حرب، وفي كل انهيار اقتصادي أو اجتماعي: لمن تُمارس السياسة؟ ولصالح من تُدار الدولة؟ فالمواطن الذي يدفع ثمن الصراعات من أمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه لا تعنيه كثيرًا خرائط النفوذ ولا تفاصيل الصفقات والتحالفات، بقدر ما يعنيه أن يعيش حياة آمنة وكريمة في وطن لا ينظر إليه باعتباره رقمًا في تعداد السكان أو بندًا في خطابات السياسيين.

لقد نشأت السياسة لأن البشر أدركوا أن إدارة الخلاف أقل كلفة من إدارة الحروب، وأن الحوار أقل دموية من السلاح، وأن التعايش أكثر حكمة من الإقصاء. كانت محاولة لتحويل الصراع من ساحات القتل إلى مؤسسات الدولة، ومن منطق الغلبة إلى منطق التوافق. لكن المأساة تبدأ حين تنسى السلطة هذه الحقيقة البسيطة، وتتعامل مع بقائها بوصفه الهدف الأعلى الذي يبرر كل شيء.

عندها يتغير معنى الوطن. لا يعود فضاءً مشتركًا للمواطنين، بل يتحول إلى ساحة تنافس على النفوذ. ويتحول الإنسان من صاحب حق إلى موضوع للإدارة والتعبئة والاستقطاب. تصبح معاناته مادة للخطابات، وتصبح حياته هامشًا في معارك تدور باسمه لكنها نادرًا ما تكون من أجله.

ولعل أكثر مفارقات السياسة قسوة أن كثيرًا من القوى التي رفعت شعارات الإنقاذ والتحرير والحماية انتهت إلى إنتاج أزمات جديدة بأسماء مختلفة. انتصرت في معاركها، لكنها خسرت ثقة الناس. سيطرت على الأرض، لكنها عجزت عن بناء الاستقرار. امتلكت أدوات القوة، لكنها فقدت الغاية التي تمنح القوة معناها.

فالسلطة التي لا تنتج أمنًا وعدالة وفرصًا للحياة ليست قوة حقيقية، بل قدرة مؤقتة على فرض الأمر الواقع. والدولة التي تُقاس بقدرتها على إخضاع مواطنيها أكثر من قدرتها على خدمتهم، إنما تضعف نفسها ببطء، لأن الشرعية لا تُصنع بالخوف، والاستقرار لا يُبنى على الإكراه، والأوطان لا تُدار بمنطق المنتصر والمهزوم.

إن الأزمة العميقة في كثير من المجتمعات ليست أزمة أشخاص أو حكومات فقط، بل أزمة فهم للسياسة ذاتها. فهناك من يرى السلطة وسيلة لبناء المجتمع، وهناك من يراها حقًا مكتسبًا يجب الاحتفاظ به مهما كانت الكلفة. وهناك من ينظر إلى الدولة باعتبارها ملكًا عامًا لجميع مواطنيها، بينما يتعامل معها آخرون كغنيمة يجب الاستحواذ عليها والدفاع عنها ضد الجميع.

وحين تصبح الدولة غنيمة، يتحول العمل السياسي إلى صراع صفري لا مكان فيه للشراكة أو التسوية أو المصلحة العامة. يصبح الانتصار الكامل وهمًا يطارد الجميع، بينما يدفع المجتمع وحده ثمن هذا الوهم. عندها لا يعود السؤال من يحكم، بل ماذا تبقى ليُحكم؟ وما قيمة السلطة إذا كانت المدن مدمرة، والمؤسسات منهارة، والمواطنون موزعون بين الخوف والنزوح والانتظار؟

الحقيقة التي كثيرًا ما تضيع وسط ضجيج الصراعات هي أن الإنسان ليس تفصيلًا في المعادلة السياسية، بل هو أصلها وسبب وجودها. فكل مشروع سياسي لا يجعل حياة الناس أكثر أمنًا وحرية وكرامة وعدالة هو مشروع فقد مبرره الأخلاقي والتاريخي، مهما كانت شعاراته براقة وخطاباته مؤثرة.

وفي نهاية المطاف، لا تُقاس عظمة الدول بحجم ما تملك من قوة، بل بحجم ما توفره من حياة كريمة لمواطنيها. ولا تُقاس نجاحات السياسة بعدد من وصلوا إلى السلطة، بل بعدد الذين استطاعوا العيش بكرامة تحت ظلها. فحين ينتصر الإنسان تنتصر السياسة بمعناها النبيل، وحين يُهزم الإنسان تصبح كل الانتصارات الأخرى مجرد هزائم مؤجلة.

وهكذا تستمر قصة الصراع بين السلطة والإنسان؛ قصة تتغير وجوه أبطالها وأسماء ساحاتها، لكنها تحتفظ بالسؤال نفسه منذ فجر التاريخ: هل وُجدت السلطة لخدمة الإنسان، أم أصبح الإنسان وقودًا في طريق السلطة؟ وحتى تجد البشرية إجابة عادلة لهذا السؤال، ستظل هذه القصة مفتوحة على فصل جديد لم يُكتب بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى