جبهة الكرامة أم جبهة الكراسي..حرب داخل معسكر الحرب

حيدر المكاشفي
بعد إندلاع الحرب العبثية اللعينة في أبريل 2023، برزت ما عُرف بـ(جبهة الكرامة) بوصفها مظلة سياسية ومجتمعية داعمة للقوات المسلحة في مواجهة قوات الدعم السريع. وقد ضمت هذه الجبهة طيفاً من القوى السياسية والأهلية والتنظيمات والشخصيات التي اجتمعت تحت شعار الدفاع عن الدولة ومساندة الجيش في معركة اعتبروها معركة وجودية واسموها زورا معركة الكرامة بينما في حقيقتها كانت حرب ندامة. غير أن هذا التحالف الذي نشأ تحت ضغط الحرب بدأ مع مرور الوقت يشهد تصدعات وانقسامات متزايدة كشفت هشاشته البنيوية وغياب المشروع السياسي الموحد الذي يجمع مكوناته. الشاهد أن ما سميت بجبهة الكرامة نشأت على قاعدة رفض الدعم السريع أكثر من نشأتها على برنامج سياسي متفق عليه. ولذلك كانت وحدتها مرتبطة بوجود عدو مشترك لا بوجود رؤية مشتركة لمستقبل السودان. ولهذا عندما بدأ طرح الأسئلة المتعلقة بمرحلة ما بعد الحرب، ظهرت التناقضات الكامنة بين مكونات الجبهة بشأن شكل الدولة وطبيعة السلطة الانتقالية ومستقبل العملية السياسية. ومع تنامي الحديث عن ترتيبات ما بعد الحرب، بدأت بعض القوى السياسية والتنظيمات المنضوية تحت الجبهة تتنافس على مواقع النفوذ والتمثيل السياسي. وأصبح واضحاً أن عدداً من الأطراف داخل الجبهة ينظر إلى الحرب باعتبارها مدخلاً ورافعة للعودة إلى السلطة أو تعزيز موقعه داخل الدولة، الأمر الذي حول التحالف من منصة دعم عسكري إلى ساحة تنافس سياسي محتدم، ورغم أن جميع مكونات الجبهة أعلنت دعمها للجيش، إلا أن درجة هذا الدعم وطبيعته أصبحت محل خلاف بينهم، فبينما ترى بعض الأطراف ضرورة بقاء الجيش بعيداً عن التجاذبات السياسية، تدفع أطراف أخرى على رأسها الحركة الاسلامية وحزبها المؤتمر الوطني وواجهاتها المختلفة نحو تحالف سياسي طويل الأمد مع المؤسسة العسكرية يعيدها للسلطة أو على الاقل يضمن لها دوراً في الحكم مستقبلاً، كما ان الجبهة وبطبيعة تكوينها تضم تيارات ذات أجندات مختلفة. وخلال فترة الحرب تم تأجيل هذه الخلافات، لكنها عادت إلى السطح مع أول اختبار سياسي حقيقي ظهرت ابرز تجلياته في اجتماعات الخماسية التي انعقدت مؤخرا بالعاصمة الاثيوبية اديس اببا، خاصة فيما يتعلق بقضايا الانتقال الديمقراطي والعلاقة مع المجتمع الدولي وإدارة الدولة بعد انتهاء الحرب.وتجلت هذه الاجندات والاختلافات في انسحاب أو تجميد عضوية بعض المكونات، وتبادل الاتهامات بين القيادات حول احتكار القرار، وظهور مبادرات سياسية موازية، وخلافات حول الحوار مع القوى السياسية الأخرى، وصراعات إعلامية بين شخصيات كانت حتى وقت قريب ضمن معسكر واحد، وتشير هذه الظواهر إلى أن الجبهة فقدت تدريجياً قدرتها على العمل ككتلة موحدة. ونتيجة لذلك ستتراجع قدرتها على تعبئة الرأي العام وتوحيد الخطاب الوطني. ويؤدي تشتت مكوناتها بالضرورة إلى نشؤ مراكز ضغط متنافسة تحاول التأثير على القرارات العسكرية والأمنية وفقاً لحساباتها الخاصة. لقد كانت جبهة الكرامة تطرح نفسها باعتبارها الحاضنة السياسية للمعسكر الداعم للجيش. لكن الانقسامات الحالية تطرح سؤالاً جوهرياً من يمثل هذا المعسكر الان، فحتى الآن لا يبدو أن هناك قيادة موحدة أو مشروعاً سياسياً متفقاً عليه، ويفرز هذا المشهد عدة سيناريوهات ولكن السيناريو الاقرب في تقديري بناء على الشواهد الماثلة هو استمرار التفكك واستمرار الانشقاقات وستتشكل كتل جديدة متنافسة داخل المعسكر نفسه. وربما تتصاعد الصراعات الشخصية والتنظيمية داخلها، بما قد يؤدي الى ان تتحول الجبهة إلى مجرد اسم سياسي بلا وزن حقيقي، وتصبح مكوناتها جزءاً من تحالفات جديدة مختلفة. وتكشف أزمة جبهة الكرامة حقيقة أن التحالفات التي تبنى على الخوف من خصم مشترك غالباً ما تواجه اختبار البقاء بمجرد ظهور أسئلة السلطة والمستقبل. فالوحدة التي فرضتها الحرب بدأت تتآكل أمام تضارب المصالح واختلاف الرؤى، الأمر الذي يجعل تفتت الجبهة ليس مجرد أزمة تنظيمية داخل تحالف سياسي، بل مؤشراً على أزمة أعمق تتعلق بطبيعة المشهد السياسي السوداني نفسه..
منذ تأسيسها قدمت جبهة الكرامة نفسها بوصفهاعنواناً للوحدة الوطنية وحائط صد في مواجهة الأخطار التي تهدد الدولة السودانية، وقيل إنها جمعت الجميع تحت راية واحدة، وأنها تجاوزت الانقسامات الحزبية والأيديولوجية، وأن الوطن أصبح أكبر من المصالح الضيقة. لكن ما إن اقترب الحديث من السياسة والسلطة حتى اكتشف الناس أن(الكرامة) كانت أقل تماسكاً مما زعمته بل نجحت في تفكيك نفسها بنفسها، فمشهد الجبهة اليوم يبدو أقرب إلى اجتماع ورثة حول تركة لم تقسّم بعد، لا إلى تحالف سياسي يقود بلداً يواجه واحدة من أخطر أزماته في تاريخه. والمفارقة ان (الجبهجية) اليوم وبعد ان بدأ يلوح في الأفق سؤال من يحكم بعد الحرب حتى تحول النقاش بينهم فجأة من حماية الدولة إلى توزيع المكاتب. لقد اختفت الشعارات الكبرى الكذوبة وحلت محلها الحسابات الصغيرة. وأصبح بعض قادة الجبهة يتعاملون مع الحرب وكأنها مشروع استثماري طويل الأجل يجب أن يحقق عائداً سياسياً مناسباً لهم عند نهايته، ولهذا استحقت مسمى جبهة الكراسي وليس جبهة الكرامة، والمفارقة الساخرة أن القوى التي كانت تتحدث يومياً عن وحدة الصف أصبحت عاجزة عن توحيد صفوفها داخل غرفة واحدة، فضلاً عن توحيد بلد بحجم السودان.ويكشف ذلك ان الجبهة لم تتفق يوماً على ما تريده بعد الحرب لقد اتفقت على ما ترفضه لكنها لم تتفق على ما تريده.. ولهذا ما إن بدأ الحديث عن المستقبل حتى ظهرت عشرات المشاريع والرؤى والقيادات والطموحات، حتى بدا الأمر وكأن كل عضو في الجبهة يحمل في جيبه حكومة كاملة تنتظر لحظة الإعلان. والمشهد الأكثر إثارة للسخرية أن القوى التي كانت تهاجم خصومها بسبب الانقسامات أصبحت تعيش الانقسامات نفسها. والوجوه نفسها التي كانت تلقي المحاضرات حول أهمية الاصطفاف الوطني أصبحت تتبادل الاتهامات على المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي. والحقيقة المؤلمة أن أزمة جبهة الكرامة ليست أزمة أفراد فقط بل أزمة فكرة. فالجبهة نشأت على أساس ظرف استثنائي فرضته الحرب، لكنها لم تنجح في التحول إلى مشروع سياسي متكامل ولهذا كانت الخلافات مؤجلة لا ملغاة، كانت الخلافات كامنة تحت السطح تنتظر اللحظة المناسبة للخروج، وما إن اقتربت أسئلة السلطة حتى خرجت دفعة واحدة. والمشكلة أن ثمن هذه الصراعات لا يدفعه المتنافسون على النفوذ، بل يدفعه للأسف المواطن الذي ينتظر نهاية الحرب وبداية الاستقرار..





