عطل في خزنة الكلاش

أفق جديد
«تحالف الكرامة ليس بخير».. بهذه العبارة المكثفة بدأ محدثنا إجابته حين سألناه عن الملاسنة التي ملأت فضاء الوسائط بين القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وحليفه القوي حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي. لم يذهب الرجل إلى حد الجزم بوجود قطيعة أو انفجار كامل بين الطرفين، لكنه بدا واثقاً من أن ما يجري أعمق من مجرد تباينات عابرة أو سجال إعلامي، قائلاً إن الخلافات بينهما قائمة وتتصل بملفات استراتيجية، وإن طريقة إدارة الدولة خلال الحرب «تجعل حتى الحلفاء يعيشون حالة من عدم اليقين».
منذ اندلاع الحرب ظهر ما عُرف لاحقاً بـ«تحالف الكرامة» بوصفه مظلة سياسية واجتماعية واسعة التفّت حول الجيش تحت شعارات الدفاع عن الدولة ورفض تمدد قوات الدعم السريع. اللافت أن هذا التحالف لم يتشكل عبر إعلان سياسي واضح أو وثيقة تأسيس محددة، لكنه استند إلى حالة التعبئة العامة التي فرضتها الحرب.
في ذلك الوقت، بدا المشهد وكأن قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، من قوى سياسية وإدارات أهلية وطرق صوفية وقيادات اجتماعية، اختارت الاصطفاف خلف المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن الأخير لوحدة الدولة. وبرز في المشهد نُظّار وعُمد ومشائخ من أقاليم مختلفة، بل وحتى شخصيات تنتمي اجتماعياً إلى بيئات يُنظر إليها تاريخياً باعتبارها الأقرب إلى الحاضنة الاجتماعية لقوات الدعم السريع.
لكن بعد أكثر من عامين من الحرب، بدأت الصورة تتغير.
يقول أكاديمي وباحث سياسي تحدثت إليه «أفق جديد» إن المزاج العام الذي أحاط بتحالف الكرامة لم يعد كما كان. فمع طول أمد الحرب وارتفاع كلفتها الإنسانية والاقتصادية، بدأت قطاعات واسعة تعيد حساباتها. ويضيف أن كثيراً ممن كانوا يقدمون دعماً سياسياً أو معنوياً للحرب انتقلوا إلى مواقع أكثر حياداً، فيما اتجه آخرون إلى تبني خطاب يركز على وقف القتال والبحث عن تسوية سياسية.
ويرى الباحث أن التراجع لا يقتصر على الحاضنة الشعبية، بل يمتد إلى الطبقة السياسية نفسها؛ إذ تناقص عدد السياسيين الذين يعلنون تأييداً صريحاً لاستمرار الحرب، مقابل اتساع دائرة الداعين إلى إنهائها.
ويشير إلى أن بعض الشخصيات التي كانت تُعد من أكثر الأصوات حماسة لخيار الحسم العسكري أصبحت اليوم تتحدث بلغة مختلفة، لغة تركز على كلفة الحرب واستحالة إنتاج استقرار دائم عبر المعركة وحدها. كما أن أحاديث متزايدة داخل الأوساط السياسية تتناول مؤشرات تململ داخل مكونات السلطة نفسها، وسط تكهنات متكررة حول حجم التوافق الحقيقي بين شركاء الحكم في المرحلة الحالية.
ويذهب الباحث إلى أن التراجع لم يعد اجتماعياً فقط، بل سياسياً أيضاً، قائلاً إن عدد السياسيين الذين يعلنون تأييداً صريحاً لاستمرار الحرب تقلّص مقارنة بالمراحل الأولى. ويشير في هذا السياق إلى أن شخصيات مثل مبارك الفاضل، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كأحد الأصوات المؤيدة للحسم العسكري، بات يُقدَّم اليوم ضمن التيار الداعي إلى وقف الحرب. كما أشار إلى شخصيات أخرى مثل مبارك أردول، والأمين داؤود، وإبراهيم دنيا باعتبارهم ضمن الأسماء التي تتداول الأوساط السياسية مواقفها وتحولاتها خلال الفترة الأخيرة.
اين عقار؟
كما يلفت الباحث إلى أن الأحاديث السياسية في المجالس السودانية تتناول تكهنات حول وجود تباينات داخل السلطة، ومن بينها أحاديث غير مؤكدة تتعلق بموقف نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار إير، مشيراً إلى أن آخر ظهور علني بارز له – بحسب روايته – كان خلال مناسبة تنصيب الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر قيلي
وفي الاتجاه نفسه، يرى العميد المتقاعد معتصم أحمد أن حالة التماسك داخل معسكري الحرب ليست بالصلابة التي تظهر في الخطابات العلنية. ويقول إن الطرفين يواجهان تحديات تتعلق بإدارة التحالفات والسيطرة على القوى المتعددة داخل كل معسكر.
وبحسب تقديره، فإن مركز القرار لم يعد بسيطاً أو أحادياً كما يُقدَّم للرأي العام، لا داخل المؤسسة العسكرية ولا داخل قوات الدعم السريع، حيث تفرض الوقائع الميدانية والتحالفات المحلية وحسابات الأقاليم نفسها على الجميع.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما إذا كان تحالف الكرامة يتفكك أم لا، بل بما إذا كانت الحرب نفسها تدخل مرحلة جديدة: مرحلة إنهاك التحالفات.
فالحروب الطويلة لا تُختبر فقط في الجبهات، وإنما تُختبر أيضاً في قدرة التحالفات على الصمود، وفي مدى قدرة القيادة على الحفاظ على الثقة بين الحلفاء. وعندما تبدأ الأسئلة حول اتجاه المعركة واليوم التالي للحرب في التزايد، تصبح الخلافات الداخلية أكثر ظهوراً، حتى لو لم تصل إلى مرحلة الانقسام العلني، وهو ما يرى العميد معتصم أن بوادره آخذة في الظهور مضيفا أن “الكلاش عندما يطول استخدامه وتبدأ خزنته في فشل التلقيم” يجب على القائد تغييره واللا سيكون الثمن حياة الجندي الذي يحمله، وهذا ما يجب على قادة هذه الحرب الانتباه له، فالمعركة الآن لم تعد بذات الصورة البطولية الباهرة التي بدأت بها اتضحت صورتها في ليس معركة وطنية كما أرادوا أن يصوروها للجنود أو الشعب وانما هو صراع بين انتهازيين.
وربما لهذا السبب تبدو العبارة التي بدأ بها محدثنا حديثه ذات دلالة أكبر مما تبدو عليه للوهلة الأولى: «تحالف الكرامة ليس بخير». فهي ليست إعلاناً عن انهيار، لكنها إشارة إلى أن التحالف الذي نشأ في ظروف استثنائية يواجه اليوم اختبار البقاء في واقع تغيّرت فيه الحسابات وتبدلت فيه الأولويات.
خط النهاية:
وتقول مصادر سياسية مطلعة إن البرهان، الذي كان يُنظر إليه في بداية الحرب باعتباره شريكاً ضرورياً في إدارة المرحلة الانتقالية العسكرية ومواجهة قوات الدعم السريع، أصبح في نظر قطاعات داخل التيار الإسلامي مصدراً للقلق وعدم اليقين، بسبب ما تصفه تلك المصادر بتقلبات في المواقف وتغيرات متكررة بين الخطاب السياسي والممارسة على الأرض.
وبحسب المصادر نفسها، فإن هذا التحول لم يكن مفاجئاً بالكامل، لكنه تدرّج مع اتساع رقعة الحرب وتعقّد الحسابات الإقليمية والدولية، حيث بدأ البرهان – وفق هذا التصور – في إعادة ترتيب أولوياته السياسية بما يضمن له هامش مناورة أوسع في المشهد الداخلي والخارجي، حتى لو جاء ذلك على حساب بعض حلفائه التقليديين.
خطاب مزدوج
وتضيف المصادر أن نقطة التحول الأبرز في العلاقة بين الطرفين ارتبطت بما تصفه الحركة الإسلامية بـ«الخطاب المزدوج» للبرهان؛ إذ كان يظهر أمام المجتمع الدولي والرأي العام المحلي بمظهر الداعم لعملية انتقال مدني وإبعاد الإسلاميين عن السلطة، بينما في الواقع العملي كان يعتمد على شبكات وقيادات ذات خلفية إسلامية في إدارة جزء من الجهد العسكري والسياسي المرتبط بالحرب.
هذا التناقض، بحسب تلك القراءات، خلق حالة من الارتباك داخل الصف الإسلامي، وأدى إلى اهتزاز الثقة في نوايا القيادة العسكرية، خصوصاً مع غياب رؤية واضحة لمستقبل الشراكة بين الطرفين.
وتشير مصادر أخرى إلى أن المزاج العام داخل بعض دوائر الحركة الإسلامية بات يميل إلى شعور متزايد بأنهم تعرضوا لاستثمار سياسي مؤقت، حيث جرى توظيف قدراتهم التنظيمية والميدانية في دعم الجيش خلال مراحل الحرب الأولى، قبل أن تبدأ عملية إبعاد تدريجي لهم عن مراكز التأثير والقرار.
ويرى بعض القيادات – بحسب هذه المصادر – أن البرهان تعامل مع التحالف بوصفه تحالف ضرورة ظرفية، وليس شراكة استراتيجية طويلة المدى، وهو ما خلق شعوراً بـ«الخذلان السياسي» داخل قطاعات من التيار.
أزمة ثقة
وفي سياق متصل، تشير تقديرات سياسية إلى أن البرهان يواجه أيضاً أزمة ثقة متنامية على المستوى الإقليمي والدولي، حيث بدأت بعض الدول التي كانت تنظر إليه كطرف قادر على ضبط المشهد السوداني في إعادة تقييم مواقفها، في ضوء استمرار الحرب وتعثر مسارات الحل السياسي.
كما ترى بعض الدوائر الغربية، وفق هذه التقديرات، أن القيادة العسكرية الحالية لم تنجح في الالتزام بتعهدات مرتبطة بوقف إطلاق النار أو الدخول في مسار سياسي مستدام، ما أدى إلى تراجع مستوى الرهان الخارجي على قدرتها في إدارة المرحلة الانتقالية.
وتؤكد المصادر أن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بالعلاقة بين البرهان والحركة الإسلامية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل أوسع لتحالفات الحرب، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية والضغوط الخارجية، في مشهد يتسم بتعدد مراكز القرار وتضارب المصالح داخل المعسكر الواحد.
ويرى مراقبون أن هذا الوضع يعكس انتقال الصراع من مرحلة التحالفات الصلبة إلى مرحلة «السيولة السياسية»، حيث تصبح الولاءات أكثر هشاشة، وتخضع لإعادة التقييم المستمر وفقاً لمعادلات القوة على الأرض.
ويذهب محللون إلى أن الإشكال الأساسي يتمثل في غياب قرار سياسي واضح ومركزي، مقابل تعدد مراكز التأثير داخل بنية السلطة العسكرية وحلفائها، وهو ما يجعل القرارات – في نظرهم – تبدو متناقضة بين لحظة وأخرى.
وبحسب هؤلاء، فإن هذه الازدواجية في إدارة المشهد، سواء على مستوى الخطاب أو التحالفات، ساهمت في تعميق فقدان الثقة، ليس فقط داخل الحركة الإسلامية، بل أيضاً داخل دوائر سياسية أخرى كانت تراهن على استقرار العلاقة بين مكونات معسكر الحرب.
وفي المحصلة، تشير تقديرات سياسية إلى أن العلاقة بين البرهان والحركة الإسلامية دخلت مرحلة متقدمة من التوتر، قد لا تعني القطيعة الفورية، لكنها تعكس بداية تفكك التحالفات التقليدية التي تشكلت تحت ضغط الحرب.
ويرى مراقبون أن ما يجري حالياً قد يكون مقدمة لمرحلة سياسية جديدة يعاد فيها تعريف التحالفات والخصومات داخل السودان، بعيداً عن الاصطفافات التي فرضتها لحظة اندلاع الحرب، وباتت اليوم عرضة لإعادة التشكيل تحت ضغط الوقائع الميدانية والتحولات الإقليمية.
في المحصلة، لا يبدو ما يجري مجرد خلافات عابرة داخل «تحالف الكرامة»، بل هو تعبير عن لحظة سياسية وعسكرية تتآكل فيها مساحات الثقة بين الحلفاء تحت ضغط الحرب وتعقيداتها. فكل طرف بات يعيد حساباته وفق معادلات البقاء والنفوذ، أكثر من حسابات الشعارات التي رُفعت في بدايات الصراع.
وإذا كانت التحالفات في بدايات الحرب قد بُنيت على منطق التعبئة والاصطفاف، فإنها اليوم تواجه امتحان الاستمرار في ظل إرهاق ميداني، وتراجع في القدرة على ضبط التناقضات الداخلية. وهنا، تصبح الخلافات التي كانت تُدار في الخفاء أكثر ظهوراً، وتتحول التباينات إلى مؤشرات على إعادة تشكّل أوسع للمشهد السياسي والعسكري في البلاد.
وفي هذا السياق، تبدو استعارة العميد المتقاعد معتصم أحمد لافتة في دلالتها؛ فكما أن «الكلاش» حين يطول استخدامه وتتعطل خزنة التلقيم فيه يفقد قدرته على أداء وظيفته في اللحظة الحاسمة، فإن أي منظومة حرب أو سلطة لا تراجع أدواتها وتحالفاتها في الوقت المناسب قد تجد نفسها أمام كلفة باهظة لا تتوقف عند حدود السياسة، بل تمتد إلى مصير الدولة نفسها.
وبينما يستمر كل طرف في الاعتقاد بأنه يدير المعركة، فإن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى أن الجميع باتوا داخل معركة أخرى أكثر تعقيداً: معركة إعادة تعريف القوة، وإعادة ترتيب التحالفات، في بلد أنهكته الحرب وبدأ يبحث بصعوبة عن شكل جديد للتوازن.





