محادثات الخماسية في أديس أبابا: هل توحِّد القوى المدنية السودانية أم تعمِّق الانقسام؟

عادل يعقوب أحمد نور
تشهد العاصمة الإثيوبية أديس أبابا هذه الأيام جولة جديدة من محادثات «الخماسية» المتعلقة بالأزمة السودانية، في لحظة تبدو من أكثر اللحظات تعقيدًا منذ اندلاع الحرب. وبينما تُطرح هذه اللقاءات باعتبارها محاولة لإعادة بناء موقف مدني موحَّد يسهم في وقف الحرب واستعادة المسار السياسي، يبرز سؤال جوهري: هل تؤدي هذه المحادثات فعلًا إلى توحيد القوى المدنية السودانية، أم أنها ستنتج انقسامًا جديدًا فوق الانقسامات القائمة؟
الإجابة ليست سهلة، لأن المشهد المدني السوداني نفسه لم يعد كتلة واحدة. فمنذ اندلاع الحرب، ظهرت اصطفافات متعددة داخل القوى المدنية، بعضها يحمّل المسؤولية لطرف بعينه، وبعضها يتبنى خطابًا أقرب إلى الحياد السياسي، فيما ذهبت مجموعات أخرى نحو تحالفات إقليمية ودولية مختلفة. وبين هذه التباينات، أصبح الحديث عن «القوى المدنية» وكأنها جسم واحد أقرب إلى التوصيف الرغائبي منه إلى الواقع السياسي.
من زاوية أولى، يمكن القول إن محادثات الخماسية قد تفتح نافذة لتوحيد الحد الأدنى من الموقف المدني، لا عبر إذابة الخلافات الأيديولوجية والتنظيمية، بل عبر الاتفاق على أجندة عاجلة تتمثل في وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، وخلق مناخ يسمح بإطلاق عملية سياسية شاملة. فالإرهاق الذي أصاب المجتمع السوداني، وحجم الدمار الذي أصاب الدولة والمجتمع، جعلا كثيرًا من القوى تدرك أن استمرار التشظي المدني لم يعد ترفًا سياسيًا.
كما أن المجتمعين الإقليمي والدولي باتا ينظران إلى ضعف الصوت المدني بوصفه أحد أسباب غياب البديل السياسي القادر على التأثير. لذلك قد تمارس الضغوط الدبلوماسية دورًا في دفع الأطراف المدنية نحو صيغ تنسيق أوسع، حتى وإن كانت مؤقتة أو هشة.
لكن في المقابل، هناك أسباب حقيقية تدعو إلى الحذر من التفاؤل المفرط. فمثل هذه المحادثات قد تنتج أيضًا اصطفافات جديدة، خاصة إذا شعرت بعض القوى بأنها مُستبعدة من التمثيل أو أن التفاهمات تُصنع في غرف مغلقة بعيدًا عن التوافق الوطني الأوسع. وفي التجربة السودانية، كثيرًا ما تحولت المبادرات السياسية إلى أسباب إضافية للانقسام عندما فُهمت باعتبارها إعادة توزيع للنفوذ أكثر من كونها سعيًا لصناعة إجماع وطني.

ثم إن أزمة القوى المدنية ليست أزمة تنسيق فقط، بل أزمة ثقة أيضًا؛ ثقة متبادلة بين المكونات المختلفة، وثقة شعبية تآكلت بفعل الإخفاقات السياسية السابقة، والاستقطاب الحاد، والخطاب المتبادل الذي اتسم أحيانًا بالإقصاء والتخوين. ولهذا فإن أي محاولة للوحدة لن تنجح ما لم تُبنَ على مراجعات صريحة وشجاعة، لا مجرد تفاهمات تكتيكية مرتبطة باللحظة.
السؤال الأهم ربما ليس: هل ستوحِّد محادثات أديس القوى المدنية؟ بل: ما نوع الوحدة الممكنة أصلًا؟ فالوحدة الكاملة قد تكون هدفًا بعيدًا وغير واقعي في ظل التباينات الحالية، لكن بناء منصة مدنية عريضة حول أهداف محددة ومرحلية قد يكون ممكنًا وأكثر عملية.
السودان اليوم لا يحتاج بالضرورة إلى تطابق سياسي كامل بين القوى المدنية، بقدر ما يحتاج إلى حد أدنى من التوافق الوطني يمنع انهيار الدولة ويعيد الاعتبار للعمل السياسي المدني كبديل للحرب.
لذلك يمكن القول إن محادثات الخماسية في أديس تقف عند مفترق طريق: فهي قد تصبح بداية لترميم الصف المدني إذا غلبت روح التنازل والمصلحة الوطنية، وقد تتحول إلى محطة جديدة من الانقسام إذا انتصرت الحسابات الضيقة ومنطق الإقصاء.
وفي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي ليس في البيانات الختامية أو الصور الجماعية، بل في قدرة القوى المدنية السودانية على تحويل الحوار إلى مشروع وطني يتجاوز خلافات الأمس، ويستجيب لمأساة السودانيين الذين أنهكتهم الحرب وأثقلت كاهلهم الانتظارات.





