من فض الاعتصام إلى الحرب: السودان وجلجامش والبحث عن العقد المفقود

محمد عمر شمينا
في ملحمة جلجامش، أقدم ملحمة عرفتها الإنسانية، لا تكمن المأساة الحقيقية في مواجهة الوحوش أو خوض المعارك الكبرى، بل في اكتشاف حدود القوة نفسها. فجلجامش، الملك الذي ظن أن بإمكانه إخضاع العالم لإرادته، انتهى إلى حقيقة بسيطة وقاسية لا شيء يدوم بالقوة وحدها، ولا يمكن للإنسان أن يبني الخلود فوق الفقدان.
قد تبدو هذه الفكرة بعيدة عن الواقع السوداني المعاصر، لكنها تكتسب دلالة خاصة عند التأمل في المسار الذي سلكه السودان منذ فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو 2019 وحتى اندلاع الحرب في أبريل 2023 وما تلاها من كوارث وانهيارات.
فمثلما شكل موت إنكيدو نقطة التحول الكبرى في حياة جلجامش، مثل فض الاعتصام نقطة التحول الكبرى في مسار الثورة السودانية. لم يكن الأمر مجرد حادثة سياسية أو أمنية عابرة، بل كان لحظة انكسار عميقة مست فكرة الثقة نفسها، تلك الثقة التي كانت تمثل الأساس الضروري لأي عقد اجتماعي قومي جديد بعد سقوط نظام الإنقاذ.
لقد حمل اعتصام القيادة العامة معنى يتجاوز المطالب السياسية المباشرة. كان مساحة التقت فيها فئات مختلفة من السودانيين حول حلم مشترك بدولة ووطن جديد. ولأول مرة منذ عقود طويلة بدا أن شرعية جديدة تتشكل من أسفل المجتمع إلى أعلى الدولة، لا عبر الانقلابات العسكرية ولا عبر التسويات النخبوية المغلقة.
لكن فض الاعتصام أحدث شرخاً كبيراً في هذا التصور. فالدم الذي أريق لم يسقط ضحايا فحسب، بل أصاب أيضاً الثقة المتبادلة بين القوى التي كان يفترض أن تقود الانتقال. ومنذ تلك اللحظة دخلت العملية السياسية السودانية في أزمة ظلت تتجدد بأشكال مختلفة حتى اليوم.
بعد ذلك توالت الاتفاقيات والتفاهمات والوثائق السياسية. الوثيقة الدستورية، واتفاق جوبا للسلام، والتعديلات المختلفة، والاتفاق الإطاري، وغيرها من الصيغ التي قُدمت باعتبارها مخرجاً للأزمة. لكن أياً منها لم يصمد طويلاً أو ينجح في بناء استقرار دائم.
في التفسير التقليدي يُعزى ذلك إلى تضارب المصالح أو ضعف المؤسسات أو التدخلات الخارجية أو الصراع بين المدنيين والعسكريين. وهي كلها عوامل حقيقية ومؤثرة. غير أن هناك سبباً أعمق ظل حاضراً في الخلفية، وهو غياب الثقة التي تشكل الأساس غير المكتوب لأي اتفاق سياسي.
فالوثائق القانونية تستطيع تنظيم السلطات وتوزيع الاختصاصات وتحديد الإجراءات، لكنها لا تستطيع أن تصنع الثقة من العدم. وعندما تصبح الأطراف مقتنعة بأن الطرف الآخر لا يلتزم إلا بما يخدم مصالحه الآنية، تتحول الاتفاقيات إلى مجرد أوراق قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي.
هنا تتقاطع التجربة السودانية مع الحكمة الكامنة في ملحمة جلجامش. فالبطل الأسطوري أمضى رحلته الطويلة باحثاً عن الخلود، معتقداً أن الحل يكمن في مكان بعيد. لكنه اكتشف في النهاية أن المشكلة لم تكن في الطريق الذي سلكه، بل في السؤال الذي طرحه منذ البداية.
وبالمثل، بدا وكأن النخب السودانية تبحث باستمرار عن حل جديد للأزمة عبر اتفاق جديد أو وثيقة جديدة أو وساطة جديدة، بينما بقي السؤال الجوهري دون إجابة كيف يمكن بناء شراكة سياسية مستقرة في ظل انهيار الثقة؟
لقد حاولت العملية السياسية معالجة النتائج دون معالجة الأسباب. وتم التركيز على توزيع السلطة أكثر من التركيز على بناء الأساس الأخلاقي والسياسي الذي يسمح لهذه السلطة بأن تعمل بصورة مستقرة. ولذلك ظلت كل اتفاقية تحمل في داخلها بذور أزمتها القادمة.
وإذا كان فض الاعتصام قد مثل لحظة فقدان الثقة، فإن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 مثلت لحظة انهيار ما تبقى منها. فقد كشفت الحرب أن كثيراً من التناقضات التي جرى تأجيلها خلال السنوات السابقة لم تُحل أصلاً، وإنما جرى تغطيتها بتفاهمات مؤقتة لم تصمد أمام أول مواجهة حقيقية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن السودان، منذ الاستقلال، ظل يدور في حلقة متشابهة. اتفاقات تعقب الأزمات، ثم أزمات تعقب الاتفاقات. دساتير مؤقتة، ثم تعديلات، ثم تسويات جديدة، ثم انهيارات جديدة. وكأن البلاد تعيش داخل دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها باستمرار.
وفي هذا المعنى يمكن النظر إلى فض الاعتصام ليس بوصفه سبباً وحيداً للحرب الحالية، وإنما باعتباره لحظة رمزية كشفت هشاشة العقد الاجتماعي القومي كله. فقد أظهر أن الانتقال السياسي لا يمكن أن ينجح بمجرد إسقاط نظام قديم إذا لم يُصاحب ذلك بناء ثقة جديدة بين مكونات الدولة والمجتمع.
في ملحمة جلجامش يعثر البطل أخيراً على النبتة التي يعتقد أنها ستمنحه الخلود. وبعد كل ما تحمله من مشقة وتضحيات تصبح النبتة بين يديه بالفعل. لكن الحية تسرقها منه قبل أن يستفيد منها. وهكذا يضيع ما كان يظنه خلاصه النهائي.
وربما يجد السودانيون في هذه الصورة شيئاً من تجربتهم الخاصة. فبعد ثورة ديسمبر بدت فرصة تاريخية نادرة وكأنها أصبحت في متناول اليد. كان هناك زخم شعبي واسع، وتعاطف إقليمي ودولي، ورغبة حقيقية في بناء مستقبل مختلف. لكن هذه الفرصة أخذت تتآكل تدريجياً وسط الصراعات والتنافس وانعدام الثقة، حتى انتهى الأمر إلى حرب تعد من أكثر الحروب تدميراً في تاريخ البلاد الحديث.
غير أن ملحمة جلجامش لا تنتهي باليأس. ففي خاتمتها يعود البطل إلى مدينته بعد أن فقد أوهام الخلود، وهناك يكتشف أن القيمة الحقيقية ليست في السيطرة على الزمن، بل في بناء ما يستحق البقاء.
وهذا ربما هو الدرس الأهم للسودان اليوم. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بوقف الحرب أو توقيع اتفاق جديد، بل بإعادة بناء الثقة التي تحطمت عبر سنوات طويلة من الصراع والانقسامات. ذلك أن السلام الحقيقي لا يُبنى على توازن القوى وحده، بل على اقتناع الأطراف المختلفة بأن مستقبلها المشترك أهم من مكاسبها المؤقتة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاتفاقيات وحدها لا تصنع الاستقرار، كما أن القوة وحدها لا تصنع الدولة. وما لم يُعاد تأسيس عقد اجتماعي وطني جديد قائم على الثقة والمساءلة والعدالة والشراكة الحقيقية، فإن أي اتفاق قادم قد يواجه المصير نفسه الذي واجه الاتفاقيات السابقة.
ولذلك يبقى السؤال الذي يلاحق السودان منذ فض الاعتصام وحتى اليوم هل كان فشل الاتفاقيات نتيجة عيوب في نصوصها، أم أن الجرح الذي انفتح يومها ظل مفتوحاً، وكل اتفاق جديد لم يكن سوى محاولة للكتابة فوقه دون أن يلتئم؟
ربما تكمن الإجابة في الدرس الذي تعلمه جلجامش متأخراً: ليست المشكلة في غياب الوثيقة التي تمنح الخلود، بل في الاعتقاد أصلاً أن الخلود يمكن أن يُصنع بناء الأساس الذي يحمله.
.





