عودة الربيع من بيت العود… رحلة الذاكرة والأمل

بقلم: طارق فرح

في مساء الثالث عشر من أبريل 2023، جلستُ بين الحضور في غابة السنط بالخرطوم، أستمع إلى أنغام بيت العود، وقد امتلأت جنبات المسرح بجمهور جاء يبحث عن فسحة أمل ولحظة صفاء وسط أيام مثقلة بالقلق. امتدّت الأمسية حتى فجر الرابع عشر، ولم أكن أعلم أنها ستكون آخر أمسية موسيقية أعيشها في السودان قبل أن تشتعل الحرب في صباح الخامس عشر من أبريل، فتقلب حياة الملايين رأساً على عقب، وتفتح أبواب النزوح والغربة القسرية. لم تكن تلك مجرد حفلة عابرة، بل كانت صورة أخيرة لوطن يجتمع على الجمال قبل أن تمزقه الحرب.

منذ ذلك اليوم، تشتتت مساراتنا، غير أن الحنين ظل القاسم المشترك والرفيق الذي لا يفارق السودانيين أينما حلّوا وارتحلوا. وبعد سنوات من الحرب والنزوح، جاء اللقاء مجدداً في القاهرة، مع ذات الأرواح التي صنعت تلك الذكرى، تحت اسم جديد: أوركسترا الملتقى، في حفل حمل عنوان “عودة الربيع” — وكان الاسم وحده كافياً لاستدعاء الشجن والأمل في آنٍ واحد.

على المسرح اجتمعت ألوان السودان بتنوعه الثقافي والجهوي والإنساني، وتغنّت الأوركسترا بألوان موسيقية متعددة تجمع الحضور حول ذاكرة وطن واحد، من شماله إلى جنوبه ومن غربه إلى شرقه؛ فصدحت “دارفور بلدنا” صوتاً من عمق الغرب، و”زينوبة” نغمةً من ضفاف النيل الأزرق، وسواها مما يؤكد أن السودان لا يختزله مكانٌ واحد ولا صوتٌ واحد.

حين صدحت الأغنيات الوطنية تحوّلت الموسيقى إلى مساحة مشتركة للحنين والوجدان؛ مع “يجوا عايدين” و”أحب مكان وطني السودان” و”عازة في هواك” وغيرهما مما ارتبط بوجدان السودانيين على مر السنين. اختلطت المشاعر في القاعة اختلاطاً لم يعهده مسرح من قبل: دموع تنهمر بصمت، وزغاريد السيدات تشق السقف فرحاً وحنيناً، وأصوات الرجال تعلو بـ”أبشر” — تلك الكلمة السودانية العميقة التي تحمل البشرى والصمود في آنٍ واحد. كانت القاعة تبكي وتفرح معاً، في مشهد لا تصنعه إلا الأوطان حين تغيب وتحضر في لحظة واحدة.

ولم يقف الحفل عند حدود الذاكرة السودانية، بل امتدّ ليعبّر عن امتنان حقيقي لمصر الحاضنة، إذ أدّت الأوركسترا “أول مرة تحب يا قلبي” لعبد الحليم حافظ وفاءً لبلدٍ فتح أبوابه للسودانيين في محنتهم حتى شعر أغلبهم أنهم بين أهلهم.

الملتقى الذي احتضن هذا الحفل ليس وليد اللحظة؛ فهو منصة ثقافية أفرو-عربية تأسست في السودان عام 2008، تنطلق من الجذور السودانية وتتشكّل بروح التعبير الفني الجماعي. وما يميّز أوركسترا الملتقى الهارمونية أنها تمزج بين الآلات التقليدية والعود الشرقي والتوزيع الموسيقي الحديث، لتنتج صوتاً فريداً يجمع الأصالة بالتجديد. والملتقى في جوهره مساحة تُعنى بالحفاظ على التراث الثقافي السوداني والأفرو-عربي، وتعزيز التبادل بين الشعوب، وتأهيل أجيال جديدة من المبدعين. تقف خلفه مجموعة دال التي أسهمت على مدى عقود في حياة الملايين داخل السودان، في مجالات الغذاء والصناعة والنقل والرعاية الصحية والتنمية المجتمعية، وقد امتد التزامها اليوم ليشمل الحفاظ على التراث والهوية والذاكرة الجماعية. ويحظى هذا المشروع بدعم إيهاب داوود، الرئيس التنفيذي للمجموعة، المؤمن بأن الثقافة ركيزة أساسية لاستمرارية المجتمعات، وإيصال التراث والهوية الفنية السودانية إلى الجمهور الإقليمي والدولي وخلق مساحات للحوار والإبداع. أثبتت هذه التجربة أن الثقافة ليست ترفاً، بل من أعمق وسائل مقاومة الانقسام والنسيان، وأن الموسيقى قادرة على جمع ما فرّقته السياسة والحروب. فمن هنا التحية لكل القائمين على هذا الجمال: للموسيقار أحمد شمة قائد الأوركسترا، ولمجموعة دال ورئيسها التنفيذي، ولكل الموسيقيين والعاملين خلف الكواليس الذين حافظوا على شعلة الإبداع في أحلك الظروف، فقدّموا للسودانيين جرعةَ أمل ورسالة محبة لوطن يستحق السلام. كما تستحق التحية مركز المنارة بالقاهرة الذي احتضن هذا الحفل في مسرحه الكبير، والمجهّز بأرقى التقنيات الفنية والصوتية. وعلى الرغم من أن الحرب بدّدت السودانيين في أصقاع الأرض، فقد امتلأ المسرح عن آخره بما يزيد على ألف وستمائة مشاهد، كأن السودانيين يقولون بحضورهم: نحن هنا، ووطننا لا يزال يجمعنا.

خرجتُ من الحفل وأنا أتمسّك بفكرة واحدة: لعل “عودة الربيع” ليست مجرد عنوان لحفل موسيقي، بل بشارة رمزية لعودة أكبر، عودة السلام إلى السودان، وعودة النازحين إلى ديارهم، وعودة الحياة إلى المدن التي أنهكتها الحرب. وكما اجتمعت الأصوات في تلك الليلة على لحن واحد، يبقى الأمل أن يجتمع السودانيون على كلمة سواء، وأن يأتي اليوم الذي نستمع فيه إلى هذه الأغنيات لا في المنافي، بل في الخرطوم ومدني والفاشر ونيالا والأبيض وبورتسودان، في وطن عاد إليه أهله وعادت إليه الحياة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى