قراءة في رواية أشباح فرنساوي للكاتب السوداني منصور الصويم

علياء قاسم حمودة
يبدو غلاف أشباح فرنساوي كلوحة غامضة لا تُفهم دلالتها إلا بعد التعمق في الرواية؛ إذ يوحي للقارئ بأنه مقبل على عمل ينتمي إلى الفانتازيا أو الخيال، لكنه يفاجأ بواقعية سياسية واجتماعية شديدة القسوة. ويمكن قراءة الغلاف بوصفه انعكاسًا لحالة الحيرة والتيه التي يعيشها إنسان المنطقة، وقد أُقحم في صراعات لا تخصه. فالوجوه المرسومة، بعيونها المفتوحة على اتساعها، تعكس إحساسًا بالتلاشي والضياع، وربما الخوف من مستقبل لا يملك أصحابه حق رسم ملامحه.
تتناول الرواية ما يمكن أن ينشأ حين تكون السلطة مطلقة في يد من يملك السلاح، في مناطق بعيدة عن المحاسبة والعقاب. هنا لا يظهر الفساد كانحراف فردي، بل كمنظومة متكاملة تتداخل فيها السلطة مع رأس المال والخدمة المدنية، لتنتج واقعًا يسمح بانتشار التفكك الأخلاقي، حيث يصبح عالم الخمر والدعارة جزءًا من بيئة يتم التغاضي عنها، بل وحمايتها أحيانًا.
في هذا السياق، تتشكل طبقة طافية على السطح، جاءت نتيجة رعاية مباشرة من مراكز النفوذ، لتكون أداة طيعة في خدمة مصالحها. والمفارقة أن هذه الفئة نفسها تتحول لاحقًا إلى موضع لوم اجتماعي، رغم أنها في جوهرها نتاج لذلك الخلل الأكبر.
داخل هذا الواقع، يتحول الإنسان البسيط إلى الحلقة الأضعف، ويجسد عوض فرنساوي هذا النموذج. غير أنه، بخلاف الآخرين، يعيش مؤمنًا بتعويذة يعتقد أنها تحصنه من الرصاص، فلا يخشى السلاح ولا سطوة حامليه، وهو ما يثير استفزاز من اعتاد أن يجعل من القوة المسلحة وسيلةً لفرض الهيمنة.
تعتمد الرواية على تعدد الرواة، فلا تحتكر شخصية واحدة السرد، بل تتناوب عدة شخصيات على رواية الأحداث، وهو ما يمنح القارئ زوايا نظر متعددة، ويجعل الصورة تتشكل تدريجيًا من خلال أصوات مختلفة. كما يتنقل المكان بين نيالا والخرطوم، في ثنائية تعكس العلاقة بين الهامش والمركز، وهي من القضايا التي يشتغل عليها النص بوضوح.

وتأتي مشاهد السجن في نيالا مثالًا صارخًا على طبيعة السلطة حين تغيب عنها الرقابة، إذ تتجاوز الانتهاكات حدود المهام المفترضة، ليصبح السجن مساحةً للتنكيل أكثر من كونه مؤسسةً لتطبيق القانون.
أما الاقتباسات التي افتُتح بها كل فصل، فلم أجد رابطًا واضحًا بينها وبين الأحداث التي تلته، وهو ما جعل وظيفتها الفنية، من وجهة نظري، أقل تأثيرًا في مسار القراءة.
وتفتح أشباح فرنساوي نافذة مختلفة على إقليم دارفور، ليس بوصفه مساحةً للحرب والأزمات فحسب، بل مكانًا حيًا، غنيًا بالإنسان والتفاصيل والطبيعة. وهي رؤية تثير لدى القارئ رغبةً في اكتشاف هذه الجغرافيا خارج الصورة النمطية المختزلة التي صنعتها الأخبار.
في مجملها، تبدو أشباح فرنساوي رواية واقعية إلى حد الانزعاج، لأنها لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تجعل القارئ يرى الواقع كما هو…
الواقع… حين تغيب المحاسبة





