السودان الذي التهمته الحرب: 145.7 مليار دولار خسائر تقديرية

عمر سيد احمد
باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، يكشف تقدير اقتصادي شامل أن الحرب السودانية التهمت ما يعادل أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد قبل اندلاعها، في واحدة من أكثر الكوارث الاقتصادية دموية بتاريخ أفريقيا الحديث
ثلاث سنوات وأشهر مرت على اللحظة التي انقلب فيها السودان رأساً على عقب. فمنذ 15 أبريل 2023، لم يعد الحديث عن “أزمة اقتصادية” كافياً لوصف ما يجري؛ فالبلاد التي كانت تصارع أصلاً تضخماً جامحاً وديناً متصاعداً، تحوّلت إلى ساحة حرب طحنت كل ما بنته من بنية تحتية ومؤسسات على مدى عقود.
اليوم، تضع أرقام جديدة هذه الكارثة في حجمها الحقيقي: نحو 145.7 مليار دولار هي القيمة الاقتصادية الكلية لآثار الحرب حتى نهاية يونيو 2026، بحسب تقدير شامل يستند إلى منهجية “تقييم الأضرار والخسائر والاحتياجات” (DLNA/RDNA) المعتمدة من البنك الدولي والأمم المتحدة. أما فاتورة التعافي وإعادة الإعمار، فتُقدَّر بنحو 159 مليار دولار على مدى عقد كامل.
رقم يعادل أكثر من أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للسودان قبل الحرب، ويكفي وحده لوضع النزاع السوداني في مصاف أكثر الحروب كلفة اقتصادية شهدتها القارة الأفريقية في العقود الأخيرة.
حين تحوّلت العاصمة إلى ساحة معركة
قبل أن تندلع الحرب، لم يكن الاقتصاد السوداني في أفضل حالاته: تضخم مرتفع، احتياطي ضعيف من النقد الأجنبي، ودَين عام متصاعد. لكنه كان يملك، رغم كل شيء، قاعدة إنتاجية حقيقية: نحو 175 مليون فدان صالحة للزراعة، وقطاع مصرفي يضم 39 بنكاً بأكثر من 800 فرع، وشبكة طرق وموانئ شكّلت شرايين التجارة الإقليمية.
ثم جاءت الحرب، وتركّزت شرارتها الأولى في ولاية الخرطوم — قلب البلاد الإداري والمالي والصناعي — فتحوّل هذا القلب نفسه إلى ساحة قتال. من تلك اللحظة، بدأت دوامة الانهيار: مؤسسات عامة تتفكك، رأس مال مادي يُدمَّر، إنتاج يتوقف، وملايين السودانيين يُجبَرون على النزوح داخل بلادهم وخارجها.
خريطة الدمار: أين ذهبت المليارات؟
يقسّم التقرير الأثر الاقتصادي، وفق المنهجية الدولية، إلى فئتين رئيسيتين: أضرار مباشرة في الأصول المادية بقيمة 79.3 مليار دولار، وخسائر اقتصادية ناتجة عن توقف النشاط الإنتاجي بلغت 66.4 مليار دولار.
على صعيد الأضرار المباشرة، تصدّر قطاع الإسكان القائمة بخسائر بلغت 18 مليار دولار، جراء تدمير المساكن في المدن التي شهدت أعنف المعارك. جاء بعده القطاع الصناعي بأضرار صافية بلغت 11.25 مليار دولار، بعدما تحوّلت مصانع بحري والخرطوم وأم درمان الصناعية إلى أطلال. ثم قطاع النقل والبنية اللوجستية بنحو 8 مليارات دولار، وضمن ذلك خروج مطار الخرطوم الدولي بالكامل من الخدمة.
أما الخسائر الاقتصادية — أي الدخل الذي ضاع بسبب توقف الأنشطة — فقادها القطاع الصناعي مجدداً بخسائر بلغت 31.5 مليار دولار، تلاه قطاع التجارة الداخلية والخارجية بـ19.8 مليار دولار، ثم الزراعة والثروة الحيوانية بـ18.4 مليار دولار. وهذه الأخيرة ضربة موجعة بشكل خاص، فالزراعة كانت تساهم بين 30% و35% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب، وتوفر سبل العيش لنحو ثلثي السكان.
لا قطاع نجا من النار
القائمة تطول، ولا يبدو أن قطاعاً واحداً بقي بمنأى عن الأثر المباشر أو غير المباشر للحرب:
البنوك: مئات الفروع نُهبت أو دُمّرت، وضاعت بيانات تشغيلية كاملة. الحصيلة: 3 مليارات دولار أضرار، و15.5 مليار دولار خسائر تشغيلية، فيما لجأت أسر وشركات كثيرة إلى الاحتفاظ بأموالها خارج الجهاز المصرفي كلياً.
الذهب والتعدين: أهم مصدر للعملة الصعبة منذ انفصال الجنوب، فقدت الدولة قدراً كبيراً من سيطرتها عليه، بينما توسّع التهريب عبر الحدود، بخسائر تقدر ب 10.8 مليارات دولار.
الصحة: مستشفيات ومراكز صحية دُمّرت بقيمة 4 مليارات دولار، في وقت فقد فيه ملايين السودانيين إمكانية الوصول إلى أبسط الخدمات الصحية.
التعليم: أضرار مباشرة بـ 4 مليارات دولار، لكن الرقم لا يروي كل القصة؛ فمدارس وجامعات كثيرة تحوّلت إلى مراكز إيواء للنازحين، في خسارة يصفها التقرير بأنها “أشد خطورة واستدامة” من تدمير المباني نفسها، لأنها تمسّ مستقبل أجيال كاملة.
الطاقة والكهرباء: 5 مليارات دولار أضرار جراء تدمير محطات التوزيع والمحولات، بتداعيات امتدت لتصيب كل القطاعات المعتمدة على الكهرباء.
الاتصالات والمياه والصرف الصحي: قطاعان أُضيفا حديثاً إلى الحساب الكلي، بأضرار وخسائر واحتياجات تجاوزت مجتمعة 12 مليار دولار.
عقد كامل لإعادة البناء
يقدّر التقرير الحد الأدنى المطلوب لإعادة بناء الاقتصاد السوداني على مدى عشر سنوات بـ159 مليار دولار، يتصدرها الإسكان (25 مليار دولار)، فالصناعة (19 مليار دولار)، فالنقل والزراعة (15 مليار دولار لكل منهما).
لكن التقرير يشدد على نقطة جوهرية: هذه ليست مجرد عملية هندسية لترميم ما تهدّم، بل مشروع أشمل لإعادة بناء الدولة والمؤسسات وفق مبدأ “البناء بشكل أفضل” (Build Back Better). وتمويل هذا المشروع، بحسب التصور المقترح، سيتوزع بين 30% موارد محلية، و25% استثمار خاص، و20% تمويل تنموي ميسّر، و15% منح دولية، و10% استثمارات السودانيين في المهجر.
أرقام لا تحكي كل الحكاية
رغم ضخامة هذه الأرقام، يقر التقرير بأنها لا تعكس الصورة الكاملة للكلفة الإنسانية للحرب. فهي لا تشمل القيمة الاقتصادية للوفيات والإصابات والإعاقات الدائمة، ولا الأثر بعيد المدى لهجرة الأطباء والمهندسين والأكاديميين، ولا فقدان الثقة في المؤسسات وبيئة الاستثمار — عوامل يصعب قياسها بالأرقام، لكنها ستظل تنزف اقتصاد البلاد لسنوات مقبلة.
والأخطر: أن كل شهر إضافي من القتال يضيف ما بين 3 و4 مليارات دولار إلى الفاتورة. فإذا استمرت الحرب عاماً آخر، قد ترتفع الأضرار إلى نحو 97 مليار دولار والاحتياجات إلى أكثر من 185 ملياراً. وإذا امتد النزاع ثلاث سنوات إضافية، فقد تتجاوز الكلفة الإجمالية عتبة 250 مليار دولار.
أزمة تنموية، لا مجرد حرب عابرة
يخلص التقرير إلى أن ما يعيشه السودان ليس أزمة إنسانية أو أمنية طارئة، بل أزمة تنموية شاملة أعادت البلاد عقوداً إلى الوراء. ومع ذلك، يستحضر التقرير تجارب دول أخرى نهضت من رماد نزاعات مشابهة — البوسنة، رواندا، لبنان، العراق — كدليل على أن التعافي ممكن، شرط توفر السلام والحكم الرشيد وقيادة وطنية جادة عن الإصلاح.
والخلاصة التي يُصر عليها التقرير: لا معنى لأي خطة إعمار، مهما كانت طموحة، ما لم تتوقف الحرب أولاً ويُبنى سلام شامل ودائم. فبدون ذلك، تبقى كل هذه الأرقام والخطط مجرد تقديرات على الورق، بينما الواقع على الأرض يواصل التدهور يوماً بعد يوم.
يستند هذا التقرير إلى تقدير اقتصادي تحليلي أولي يعتمد على بيانات منشورة من مؤسسات دولية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة) ومصادر سودانية رسمية متاحة، وفق منهجية DLNA/RDNA. ولأن الحرب لا تزال مستمرة ولم يُجرَ حتى الآن تقييم ميداني رسمي شامل، فإن غالبية الأرقام التفصيلية تمثل تقديرات تحليلية قابلة للمراجعة، فيما الأرقام الكلية الرئيسية مستقاة مباشرة من مصادر دولية موثقة.





