مرتضى كبير.. سرقت الحرب أبناءه وعينه وكليته، لكنها عجزت عن انتزاع حلمه
كرة القدم... آخر ما تبقى من الوطن

كرياندنقو – سمر سليمان
في معسكرات اللجوء لا تُقاس الأيام بالتقويم، وإنما بما ينجو من الخيام بعد المطر، وما يبقى من الذاكرة بعد الفقد، وما يستطيع الإنسان أن يحمله معه بعدما تتركه الحرب بلا بيت ولا مدينة ولا أسماء مألوفة.
هناك، في معسكر كرياندنقو شمالي أوغندا، لم يكن تأخر مرتضى كبير عن موعد المقابلة أمرًا يحتاج إلى اعتذار طويل. كانت السماء قد اعتذرت عنه قبل أن يصل.
في الليلة السابقة هطلت أمطار استوائية غزيرة، لا تعرف الشفقة على الخيام المصنوعة من المشمعات والأعمدة الخشبية الهشة. انهار الكرنك الصغير الذي يأوي أسرته، وقضى الرجل الليل بأكمله ممسكًا بطرف مشمع قديم، يحاول أن يمنع المطر من الوصول إلى زوجته ومن بقي من أسرته.
لم يكن يحاول حماية سقف من السقوط، بل ما تبقى من الإحساس بأن للأسرة بيتًا، ولو كان مؤقتًا.
حين وصل في صباح اليوم التالي، بدا التعب مرسومًا على وجهه أكثر من تجاعيد العمر. عين واحدة تنظر إلى العالم، والأخرى تركتها الحرب خلفها. جسد أنهكته الإصابات، لكن خطواته ظلت تحمل إصرار مدرب يدخل ملعبًا قبل بداية المباراة.
ابتسم بخجل وقال:
“سامحوني… المطر هدم الكرنك.”
ثم جلس.
ومنذ الجملة الأولى، بدا واضحًا أن الرجل لا يروي قصة لاجئ، بل يروي سيرة وطن كامل انكسر، وما زال يحاول الوقوف.
الحروب لا تسرق البشر دفعة واحدة.
إنها تبدأ بسرقة تفاصيلهم الصغيرة.
تنتزع الشارع الذي يعرف أسماءهم، ثم البيت، ثم الجيران، ثم العمل، ثم الأحلام، وبعدها يصبح الإنسان مطالبًا بأن يتذكر كيف كانت حياته قبل أن يتحول إلى رقم داخل معسكر للاجئين.
هذا تمامًا ما حدث مع مرتضى كبير.
قبل الحرب، كان اسمًا معروفًا في كرة القدم السودانية.
ارتدى قمصان أندية كبيرة مثل الهلال والمريخ وأهلي شندي وحي العرب بورتسودان وهلال الأبيض ومريخ الدلنج، كما حمل شعار المنتخب السوداني، قبل أن ينتقل بعد الاعتزال إلى التدريب.
حصل على الرخصة التدريبية (C)، وعمل مدربًا لعدة أندية، ثم أصبح مساعدًا للمدرب في نادي MB المصري إلى جانب الكابتن إبراهيم حسن.
كانت حياته تسير وفق خطة واضحة.
ملعب…
تمرين
لاعبون…
مستقبل.
لكن الحرب لا تعترف بالخطط.
في لحظة واحدة، تحولت خطوط الملاعب إلى خطوط نزوح، وأصبحت الرحلة إلى التدريب رحلة للبحث عن الماء والغذاء والأمان.
حين وصل إلى معسكر كرياندنقو كان يمكنه أن يفعل ما يفعله آلاف اللاجئين.
أن يجلس.
أن ينتظر.
أن يستسلم.
لكنه اختار شيئًا مختلفًا.
بحث أولًا عن الأطفال.
كان يراهم يجلسون في مجموعات صغيرة، يحمل كل واحد منهم حربه الخاصة في عينيه.
بعضهم فقد والده.
بعضهم فقد أمه.
وبعضهم لم يعد يعرف إن كانت أسرته ما تزال على قيد الحياة.
كانوا يلعبون بالتراب، لأنهم لا يملكون شيئًا آخر.
في تلك اللحظة، عاد المدرب داخله إلى الحياة.
جمع الأطفال.
رسم بقدميه حدود ملعب فوق الأرض الترابية.
لم تكن هناك شباك.
ولا كرات كافية.
ولا أحذية رياضية.
لكن كان هناك شيء أهم من كل ذلك.
الأمل.
بدأ التدريب.
وأصبح الملعب الصغير مساحة مؤقتة ينسى فيها الأطفال أصوات المدافع.
شيئًا فشيئًا، صار الأطفال ينتظرون موعد التدريب أكثر من انتظار حصص الإغاثة.
فالرياضة بالنسبة إليهم لم تعد لعبة.
كانت علاجًا.
وكانت طريقة لاستعادة طفولتهم التي سُرقت.
يقول مرتضى لـ”أفق جديد”:
“كل طفل يأتي إلى التدريب أشعر أنني أنقذته لساعات من الشارع… ومن اليأس… ومن ذكريات الحرب.”
ثم يصمت قليلًا قبل أن يضيف:
“هذه ليست كرة قدم فقط… هذه محاولة لإنقاذ أرواح.”
قاد فريق المعسكر إلى المركز الثاني في إحدى البطولات المحلية، لكن الإنجاز بالنسبة إليه لم يكن الكأس.
الكأس يمكن أن تُكسر.
أما الطفل الذي يبتسم بعد أشهر من الصمت، فهو بطولة لا تمنحها أي لجنة تحكيم.
يؤمن الرجل بأن بين أطفال المعسكر مواهب تستطيع الوصول إلى المنتخب السوداني، وربما إلى كأس العالم يومًا ما.
لكن الطريق طويل.

الجوع يسبق التدريب.
والفقر يسبق الموهبة.
وكثير من الأطفال يتركون الكرة بحثًا عن أي عمل يساعد أسرهم على البقاء.
لهذا يشعر مرتضى أن معركته ليست مع الفرق المنافسة.
بل مع اليأس.
غير أن الرجل الذي يمنح الأطفال الأمل، يحمل داخله حزنًا لا يكاد يُحتمل.
كلما عاد الحديث إلى الحرب، تغير صوته.
تتثاقل الكلمات.
ويصبح الصمت أبلغ من الجمل.
كان يعيش مع أسرته في منطقة العزبة بكوبر.
هناك كان البيت.
وهناك كانت الذكريات.
وهناك كان أبناؤه يكبرون.
ثم جاءت الحرب.
وخلال أيام قليلة، صار كل شيء أثرًا بعد عين.
لم يخسر المنزل فقط.
أصيب إصابة بالغة أفقدته البصر في عينه اليمنى.
وفقد إحدى كليتيه.
لكن تلك الجراح الجسدية، على قسوتها، لم تكن أقسى ما حمله معه.
الجرح الحقيقي كان يحمل أسماء.
أحمد.
مبارك.
مودة.
ابنه الأكبر أحمد، الذي كان يبلغ الثانية والعشرين، خرج في الأيام الأولى للحرب.
ومنذ يوليو 2023 انقطعت أخباره تمامًا.
لا رسالة.
لا اتصال.
لا شاهد.
لا قبر.
فقط غياب مفتوح على كل الاحتمالات.
يخفض مرتضى رأسه طويلًا قبل أن يقول بصوت يكاد يختفي:
“إلى اليوم لا أعرف… هل هو حي أم ميت.”
ثم يرفع يديه قليلًا.
“كل يوم أدعو الله أن يجمعني به.”
في الحروب، لا يكون الفقد دائمًا موتًا.
أحيانًا يكون انتظارًا لا ينتهي.
وهذا ربما أشد قسوة.
أما الفاجعة التي كسرت قلبه، فجاءت مع قصف استهدف منطقة العزبة بكوبر.
في دقائق قليلة، فقد ابنه مبارك، ذو العشرة أعوام.
وابنته مودة، ذات التسعة أعوام.
ومعهما ثمانية عشر طفلًا آخر.
وفي القصف نفسه، رحلت أيضًا والدة زوجته، إلى جانب عشرات المدنيين.
يصمت مرتضى طويلًا.
لا لأن الكلمات غير موجودة.
بل لأن بعض الأحزان أكبر من اللغة.
ثم يقول:
“لا يوجد ألم أكبر من أن يدفن الإنسان أبناءه… ويبقى عاجزًا حتى عن السؤال: لماذا؟”
ذلك السؤال البسيط…
لماذا؟
هو السؤال الذي لم تستطع كل خطابات السياسة، ولا كل بيانات الحرب، ولا كل انتصارات الأطراف المتقاتلة أن تجيب عنه.
ومع اتساع رقعة الحرب، تفرقت الأسرة.
اتجه مرتضى إلى جنوب السودان.
بينما استطاعت زوجته، مع من بقي من أفراد الأسرة، الوصول إلى أوغندا.
عام ونصف كامل.
خمسمائة وأربعون يومًا تقريبًا.
لا أحد يعرف أين الآخر.
كل طرف يبحث عن الآخر وسط ملايين النازحين واللاجئين.
كانوا يفتشون في الأسماء.
وفي القوائم.
وفي وجوه الغرباء.
وفي الأخبار.
دون جدوى.
إلى أن جاءت المصادفة التي تشبه المعجزات.
داخل معسكر نيومانزي.
كان مرتضى يسير شاردًا، يحدث نفسه من شدة الهم.
وفجأة…
وجد أسرته أمامه.
يقول والدموع تسبق صوته:
“لم أصدق.”
ثم يبتسم لأول مرة.
“شكرت ربي كثيرًا.”
يصمت قليلًا.
ثم يلتفت بالسؤال الذي ظل يردده طوال اللقاء:
“تتخيلي كيف كان المشهد؟”
قبل أن يتبعه بالسؤال الأكبر:

“الحرب… عشان شنو؟”
لم يكن يقصد سؤالًا سياسيًا.
كان يسأل سؤال الأب.
وسؤال الإنسان.
وسؤال السوداني الذي رأى وطنه يتشقق أمام عينيه.
يقول:
“زمان كنا في الحي الواحد… المحس… والشايقية… والجعليين… والنوبة… والجنوبيين… والبقارة.”
ثم يبتسم بحنين واضح.
“كنا أهل.”
ويضيف:
“كنت تدخل بيت أي زول وتأكل من غير حساسية… ولا تنمر… ولا خوف.”
ثم يتنهد.
“اليوم أصبحت الكراهية تسبق السلام.”
يرى مرتضى أن أخطر ما فعلته الحرب ليس تدمير البيوت.
فالبيوت يمكن بناؤها من جديد.
أما الثقة بين الناس، فإذا انهارت، فإن إعادة بنائها تحتاج إلى أجيال.
الحرب، في نظره، لم تكتف بتمزيق الخرائط.
بل مزقت الفكرة التي عاش عليها السودانيون لعقود، وهي أن اختلاف القبائل والثقافات لم يكن يومًا سببًا يمنعهم من العيش معًا.
ورغم كل شيء، يعود الرجل كل صباح إلى الملعب الترابي.
ينادي الأطفال.
يرتبهم في صفوف.
يعلمهم كيف يمررون الكرة.
وكيف يحترمون الخصم.
وكيف يخسرون دون أن يكرهوا أحدًا.
ربما لأنه يدرك أن كرة القدم تعلم أشياء لا تستطيع السياسة تعليمها.
في الملعب، لا قيمة للقبيلة.
ولا للجهة.
ولا للون.
الكرة لا تسأل اللاعب من أين جاء.
بل تسأله ماذا يستطيع أن يقدم.
ولعل السودان، كما يقول مرتضى دون أن ينطقها حرفيًا، يحتاج إلى أن يتعلم من كرة القدم أكثر مما تعلمه من الحرب.
قبل أن تنتهي المقابلة، كان المطر قد بدأ يتساقط مرة أخرى فوق المعسكر.
نظر مرتضى إلى السماء.
ثم إلى الأطفال الذين يركضون حفاة خلف كرة قديمة.
ابتسم.
كانت ابتسامة رجل خسر أكثر مما يحتمله أي إنسان.
لكنه ما زال يصر على أن المستقبل يمكن أن يولد من بين الأنقاض.
قال بثقة هادئة:
“أنا مؤمن أن بين هؤلاء الأطفال من يستطيع أن يصل إلى كأس العالم… إذا وجد التدريب والرعاية.”
ثم أضاف وكأنه يوجه رسالته إلى العالم كله:
“لا تتركوهم يضيعون… كما ضاعت أحلام جيل كامل.”
رفع بصره إلى السماء، وتوقف للحظة، قبل أن يختم بكلمات تختصر رحلته الطويلة من الملاعب إلى اللجوء، ومن الفقد إلى الرجاء:
“الحرب أخذت بيتي… وصحتي… وأبنائي… وفرقت أسرتي… لكنها لن تأخذ إيماني بأن السودان سيقوم من جديد. وما دمت أستطيع الوقوف في هذا الملعب، فسأظل أؤمن أن أطفال السودان يستحقون مستقبلًا أفضل من الحرب التي ورثوها.”





