للثقافة دور.. مدن تنهض ثقافياً في وجه الحرب

مغيرة حربية
بينما تنشغل الساحة السودانية بأخبار الحرب والنزوح والأزمات الإنسانية المضاعفة، تشهد مدن عديدة خارج العاصمة الخرطوم حراكاً ثقافياً متنامياً يفتح نوافذ جديدة للحياة والحوار في ظروف بالغة التعقيد. وتكشف المبادرات الثقافية التي احتضنتها مدينتا القضارف وعطبرة خلال الأسابيع الماضية عن قدرة الثقافة على أداء أدوار تتجاوز الترفيه والمعرفة إلى تعزيز الفضاء المدني والتماسك الاجتماعي وإبقاء جسور التواصل مفتوحة بين المواطنين.
في مدينة القضارف بشرق السودان، نظم “منتدى شروق الثقافي” بالتعاون مع “دار المصورات للنشر” معرض “العودة إلى الكتاب المخفض” خلال الفترة من 15 إلى 23 مايو المنصرم. وعلى مدار أيام المعرض، تحولت قاعات العرض إلى ملتقى للقراء والكتاب والمهتمين بالشأن الثقافي، في مشهد يعكس استمرار الحاجة إلى المعرفة والنقاش العام رغم تداعيات الحرب.
ولم يقتصر البرنامج على عرض الكتب، بل شمل باقة متنوعة من الفعاليات المصاحبة، من بينها ندوة شعرية، وبرنامج توعوي حول مخاطر المخدرات، نفذته إدارة مكافحة المخدرات بولاية القضارف، إلى جانب عروض موسيقية ومسرحية استهدفت شرائح مختلفة من الجمهور.
ومن أبرز الفعاليات المسرحية عرض “العرائسي” الذي قدمته مجموعة “سودان بابت”، بوصفه تجربة فنية تمزج بين مسرح الدمى والعرض التمثيلي الموجه للكبار. وتناول العرض أثر التفاعلات الاجتماعية في تشكيل الشخصية الإنسانية، مقدماً معالجة فنية لقضايا اجتماعية ونفسية تمس واقع الأفراد والمجتمعات في أوقات التحولات والأزمات.
وعلى بعد مئات الكيلومترات شمالاً، احتضنت مدينة عطبرة بولاية نهر النيل معرض “شيخ الوراقين” للكتاب خلال الفترة من 25 أبريل وحتى الثاني من مايو. وتضمن المعرض فعاليات ثقافية وسينمائية وندوات فكرية أتاحت للجمهور فرصاً للنقاش وتبادل الرؤى حول قضايا الثقافة والمجتمع.
ورغم اختلاف المكان والبرامج، فإن التجربتين تلتقيان عند حقيقة واحدة: الثقافة ما تزال قادرة على جمع السودانيين حول مساحات مشتركة للحوار والإبداع في وقت تتعرض فيه الروابط الاجتماعية لاختبارات قاسية بسبب الحرب.
فالحروب لا تدمر البنية التحتية والممتلكات فقط، بل تهدد أيضاً النسيج الاجتماعي وتضعف الثقة بين المجموعات المختلفة. وفي مثل هذه الظروف، تبرز الأنشطة الثقافية باعتبارها أدوات فعالة لإعادة بناء الروابط الإنسانية والحفاظ على الشعور بالانتماء الجماعي. فمعرض الكتاب، والندوة الفكرية، والعرض المسرحي، والأمسية الموسيقية ليست مجرد فعاليات عابرة، وإنما منصات مدنية تسمح للناس بالالتقاء والتفاعل خارج الاستقطابات السياسية والاستقطابات التي تفرضها ظروف النزاع.
وتكتسب هذه المبادرات أهمية إضافية لأنها تنشأ في مدن خارج المركز التقليدي للحياة الثقافية السودانية. فمع تعطل عدد كبير من المؤسسات الثقافية في الخرطوم نتيجة الحرب، بدأت مدن أخرى في استضافة فعاليات ثقافية ومعرفية تؤكد أن الإبداع السوداني قادر على إعادة تنظيم نفسه وإيجاد مساحات جديدة للعمل والتأثير.
ويشير هذا الحراك إلى قضية غالباً ما تغيب عن أجندة الفاعلين السياسيين. فالنقاشات المتعلقة بمستقبل السودان تتركز بصورة أساسية حول ترتيبات الحكم وتقاسم السلطة والاتفاقات السياسية، بينما يحظى البعد الثقافي والاجتماعي باهتمام محدود. غير أن التجارب الدولية في المجتمعات الخارجة من النزاعات تؤكد أن السلام لا يُبنى عبر الاتفاقات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى عمل طويل لإعادة بناء الثقة بين المواطنين وتعزيز قيم الحوار والتعايش والاحترام المتبادل.
ومن هنا تبدو الثقافة أحد أهم الموارد المتاحة للمجتمع السوداني في هذه المرحلة. فهي توفر مساحات آمنة للتعبير، وتتيح فرصاً للتواصل بين فئات مختلفة من المجتمع، كما تمنح الشباب أدوات للمشاركة الإيجابية في الشأن العام بعيداً عن العنف وخطابات الكراهية.
إن ما جرى في القضارف وعطبرة خلال الأسابيع الماضية قد يبدو في ظاهره نشاطاً ثقافياً عادياً، لكنه يحمل في جوهره رسالة أعمق. فوسط أجواء الحرب وعدم اليقين، يواصل الفاعلون الثقافيون الدفاع عن حق المجتمع في المعرفة والجمال والحوار. وبين رفوف الكتب وشاشات السينما وخشبات المسرح تتشكل مساحات صغيرة للحياة، لكنها قد تكون ضرورية لصناعة مستقبل أكثر تماسكاً وسلاماً.
ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه هذه التجارب هو أن الثقافة ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب، بل هي جزء من عملية التعافي نفسها. فحين تنجح في جمع الناس حول كتاب أو قصيدة أو عرض مسرحي، فإنها تؤدي دوراً لا يقل أهمية عن أي جهد سياسي يستهدف بناء السلام وإعادة بناء المجتمع.





