نانسي وجمهورها.. أداء كورالي مبهر يضيء ليالي الغربة (وطن يغني.. لي السلام… ويا سلام)

أفق جديد

ثمة ليالٍ لا تُقاس بالساعات، بل بما تتركه في القلب من أثر. ليالٍ يتهيأ لك فيها أن الزمن قد خلع نعليه على باب الموسيقى، ودخل خاشعاً كما يدخل المريد إلى حضرة الشيخ، لا يسأل عن الوقت، ولا عن الطريق، وإنما عن لحظة الصفاء التي ترفع عن الروح غبار الأيام. وليلة نانسي عجاج كانت من هذا الطراز النادر؛ لم تكن حفلاً غنائياً بقدر ما كانت مجلس سماعٍ سوداني، اجتمع فيه المنفيون حول نارٍ من الألحان، يتدفأون بها من برد الفقد، ويستعيدون بها أسماء المدن التي تاهت في الدخان، والقرى التي صارت خرائطها محفوظة في الذاكرة أكثر مما هي قائمة على الأرض.

حين أطلت نانسي، لم يشعر الناس أنها صعدت إلى المسرح، بل شعروا أنها خرجت من قلب أغنية قديمة كانت تنتظر موعدها منذ زمن. جاءت كما يجيء البدر على مهل، لا يقتحم الليل، وإنما يربت على كتفه حتى يلين. وكان الجمهور، منذ اللحظة الأولى، في حالٍ من الوجد لا يشبه جمهور الحفلات، بل يشبه حلقة ذكرٍ يعرف أهلها متى ترتفع الأصوات، ومتى تخفت، ومتى يكتفي القلب بالإنصات. لم تكن العلاقة بين المغنية والناس علاقة مؤدٍ ومتلقٍ، بل علاقة سالكٍ بجماعة من السالكين، يمضون جميعاً في طريق واحد، تقودهم النغمة كما يقود الذكرُ الأرواحَ إلى طمأنينتها.

ولعل أعجب ما في تلك الليلة أن الوطن لم يكن موضوعاً للغناء، بل كان هو المغني الخفي. كان حاضراً في المقامات، وفي السكتات، وفي ارتعاشة الحناجر حين تختلط الأصوات فلا يعود ممكناً أن تميز صوت نانسي من صوت الجمهور. شعرت أن السودان، بكل ما فيه من نيلٍ وغبارٍ وحقولٍ وبيوت طينٍ وأمهاتٍ ينتظرن، قد جلس بين المقاعد، وأن الأغنيات لم تكن تُؤدى له، بل تخرج منه. كانت كل نغمة تفتح نافذة على مدينة، وكل كلمة ترد غائباً إلى حضن الذاكرة، حتى بدا المسرح كأنه رقعة صغيرة من البلاد، نُقلت إلى المنفى لتقول لأبنائها: إن الأوطان قد تُحتل، وقد تُحرق، وقد تتشظى، لكنها لا تضيع ما دامت قادرة على أن تُغنّى.

أكثر من أربع ساعات مضت، ولم يكن في المكان ضجرٌ ولا فتور. خمس عشرة أغنية تعاقبت كما تتعاقب مقامات السالك في طريق المحبة؛ يبدأ بالحنين، ثم يعبر على الشوق، ثم يلامس الحزن، ثم ينفتح له باب الرجاء. وكانت نانسي تمضي بينها في خشوعٍ الفنان الذي يعرف أن الغناء ليس استعراضاً للصوت، بل أمانة يحملها إلى القلوب. وكلما ظننت أن الليلة بلغت ذروتها، فتحت أغنية أخرى باباً أوسع، حتى أحسست أن الأغنيات نفسها هي التي تقود نانسي، لا العكس؛ كأنها جاءت وسيطاً بين النصوص وأرواحنا، بين وجع السودان ورغبته العنيدة في الحياة.

انتصار الجمال

لهذا، لم يكن ما جرى مساء الخميس مجرد نجاح لحفل مكتمل التنظيم والأداء، بل كان انتصاراً نادراً للجمال في زمنٍ يضيق بالجمال، وانتصاراً للأغنية السودانية حين تعود إلى ينابيعها الأولى، فتغسل عنها ضجيج السوق، وتسترد وقارها القديم. وفي حضرة ذلك السماع، أدركت أن الفن، حين يخلص لوطنه وللإنسان، لا يعود فناً فحسب، بل يصير صلاةً، وأن نانسي عجاج لم تكن تغني لنا بقدر ما كانت تؤمّنا في صلاةٍ طويلة اسمها السودان.

كانت، كعادتها، أينما حلّت، كالبدر طلعت. لا تدخل المسرح كفنانة تؤدي حفلاً، بل كمن يحمل في يده قنديلاً ويشق به عتمةً طال مكوثها. وحين أطلت، لم تكن الأضواء هي التي أنارت المكان، بل ذلك الاتفاق الصامت بينها وبين جمهورها؛ اتفاق لا تكتبه التذاكر، ولا تصنعه الدعاية، وإنما تنسجه سنوات من الوفاء المتبادل. فمن يعرف نانسي عجاج يدرك أن العلاقة بينها وبين جمهورها ليست علاقة مؤدية بمستمعين، وإنما علاقة ذاكرة بذاكرة، وجرح بجرح، ووطن يبحث عن نفسه في أصوات أبنائه.

على امتداد أكثر من أربع ساعات، لم يتسلل الملل إلى مقعد، ولم يهبط النشاز على نغمة، ولم يكن في المساء شيء من غثاء الحفلات التي تنتهي بانطفاء مكبرات الصوت وتتبخر مع أول ضوء للفجر. خمس عشرة أغنية تعاقبت كما تتعاقب الفصول، لكل واحدة رائحتها، ولكل واحدة جرحها وبلسمها، وكأن نانسي لا تغني أعمالاً منفصلة، بل تروي سيرة السودان بالألحان، وتكتب تاريخه بالمقامات الموسيقية، وتستخرج من ذاكرة الناس ما ظنوا أن الحرب قد دفنته إلى الأبد.

كتب عن نانسي كثيرون، ولم يكن ذلك انحيازاً لصوتها وحده، فالأصوات الجميلة كثيرة، وإنما انحيازاً للمشروع الذي حملته منذ اختارت أن تكون ابنة الأغنية السودانية، لا أسيرتها. أخذت من التراث روحه، ولم تأخذ قيوده. مدت يدها إلى القديم، لا لتكرره، وإنما لتوقظه من سباته، وتمنحه حياة جديدة. عرف مشروعها انتقالات كثيرة، وخاض تجارب متعددة، لكنه لم يبتعد يوماً عن جذوره، ولم يخن الينبوع الذي خرج منه.

بدت وكأنها تعود إلى ذلك الينبوع بكامل يقينها. كانت مصالحة مع الذات، ومع الأغنية، ومع الجمهور الذي ظل ينتظر منها هذا القدر من الامتلاء. كانت رسالة هادئة تقول إن الجمال لا يزال ممكناً، وإن الساحة التي ازدحمت بضجيج “عاك وكاك” لم تفقد قدرتها على استقبال الفن الحقيقي، وإن الرد على الرداءة لا يكون بالصراخ، وإنما بأغنية جميلة تؤدى بإخلاص.

الوطن كان البطل الخفي للحفل. لم يُرفع شعاراً، ولم يُستدعَ في خطبة، ولم يُستغل في خطاب عاطفي، بل كان حاضراً في كل مقام موسيقي، وفي كل تنهيدة، وفي كل تصفيقة، وفي كل دمعة أفلتت من عين حاول صاحبها أن يخفيها. كان يرفرف فوق الرؤوس كعلم لا يحتاج إلى سارية، ويمسح دموع المنفيين، ويهدئ وحشة الذين حملتهم الحرب بعيداً عن بيوتهم، ويهمس لكل واحد منهم بأن البيوت ليست جدراناً، وإنما ما نحمله في القلب من أغنيات.

كيمياء الجمهور

وأجمل ما في حفلات نانسي ليس صوتها وحده، وإنما جمهورها. بينهما كيمياء نادرة تجعل المسرح يبدو وكأنه فرقة واحدة لها قلب واحد ونفس واحدة. تعرف هي متى تتراجع خطوة لتترك الأغنية للجمهور، ويعرف الجمهور متى يغني، ومتى يكتفي بالإنصات، ومتى يطلق صيحة الشوق في اللحظة التي تستحقها. لا أحد يسبق الآخر، ولا أحد ينافس الآخر، فالكل يشارك في صناعة لحظة لا تتكرر.

أما القادمون إلى حفلاتها للمرة الأولى، فيشعرون بشيء من الغربة الجميلة؛ كأنهم دخلوا نصاً شعرياً كُتب منذ زمن، والجميع يعرف مواضع الوقوف والتنفس، إلا هم. يشعرون أنهم فاصلة في غير موضعها، أو نغمة جاءت متأخرة عن موعدها، قبل أن يبتلعهم ذلك الانسجام المدهش، ويصبحوا جزءاً من الجوقة الكبيرة التي لا تحتاج إلى تدريب، لأن الحب وحده كان معلمها.

لكن ما منح تلك الليلة فرادتها لم يكن طول الحفل، ولا عدد الأغنيات، وإنما ترتيبها؛ ذلك الخيط الخفي الذي نسجته نانسي بين أغنية وأخرى، حتى بدا وكأن الأغنيات هي التي تقودها، لا هي التي تقودها. كانت تستسلم لإلهامها كما يستسلم المتصوف لوجدِه، فتتوالى المقامات وكأنها محطات في رحلة روح تبحث عن صفائها.

نغم جوف الربابة

افتتحت المساء بـ”يا نغم جوف الربابة”، وكأنها كانت تفتح باب الذاكرة على مصراعيه. الربابة ليست آلة موسيقية في الوجدان السوداني، وإنما وعاء للحكايات، وصندوق للأحزان، وصوت القرى البعيدة وهي تستدعي أبناءها. وما إن انتهت حتى أردفتها بـ”ضحكت شمس شرقت”، فإذا بالمسرح كله يغتسل بضوء داخلي لا تصنعه أجهزة الإضاءة، وإنما تصنعه الأغنيات حين تصدق.

هناك، بدأ الزمن يتغير. لم تعد الساعة هي التي تقيس الوقت، بل الأغنيات. صار الزمن يُقاس بالتصفيق، وبالدموع، وبالابتسامات، وبالحنين الذي يفيض من العيون أكثر مما يفيض من الكلمات.

ثم جاءت “يا زمن وقف شوية”، ولم تكن مجرد أمنية شاعرية بإبطاء الوقت، بل كانت صرخة جيل كامل يريد أن يوقف هذا الانحدار الذي يبتلع البلاد، وأن يمنح نفسه فرصة إضافية ليتأمل ما بقي من جمال. وما إن انقضت حتى أخذتنا إلى “أنا فوق نيلك شوقني كيف بغرق”. هنا لم يعد النيل نهراً، بل صار استعارة للوطن كله. غرق الناس في الأغنية كما يغرق العاشق في محبوبه، واختلط المكان بالزمان، حتى بدا المسرح قطعة صغيرة من السودان، نُقلت إلى المنفى لتقول إن الأوطان لا تقاس بالخرائط، وإنما بما تتركه في القلب.

“يا عزة الفراق”، تجر خلفها ذلك الحزن السوداني النبيل الذي لا يصرخ، بل يهمس. ومن بعدها “فلق الصباح”، وكأن الأغنيتين كانتا جناحي طائر واحد؛ الأولى تعترف بليل الفقد، والثانية تعد بفجر لا بد أن يأتي. لم يكن أملاً صاخباً، ولا تفاؤلاً ساذجاً، وإنما ذلك الأمل السوداني العنيد الذي يبقى حياً، حتى وهو يسير فوق الرماد.

وكانت “شقي ومجنون” فاصلاً بين فصلين، استراحة قصيرة قبل أن تبدأ الرحلة الثانية، رحلة أكثر عمقاً واتساعاً.

ومن هنا أخذ الحفل منحى آخر. بدأت نانسي تغني “حكاية الوردة والشارع”، تلك القصيدة التي صاغها الراحل هاشم صديق بعبقرية الشاعر الذي يعرف أن الوطن لا يسكن الشعارات، وإنما يسكن التفاصيل الصغيرة. لم تكن مجرد أغنية، بل كانت بياناً شعرياً للحياة.

لقد تحدت نانسي نفسها حين وضعت لحنها، لأن النص عصي على التطويع، لكن التحدي انتهى بانتصار كامل للأغنية، حتى غدت واحدة من أكثر أعمالها طلباً وإلحاحاً.

وحين صدحت:

“انحنيت للوردة… لا لسيف الخليفة…”

لم يكن الانحناء هنا خضوعاً، بل اختياراً أخلاقياً. انحيازاً للجمال في مواجهة العنف، وللابتسامة في مواجهة السيف، وللإنسان في مواجهة السلطة. وحين مضت الأغنية في تمجيد “بسمة صالحة، ودمعة صادحة، ولقمة مالحة، وراحة في سترة رغيفة”، كانت تعيد تعريف البطولة. البطولة ليست في حمل البنادق، وإنما في حماية ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش.

ثم جاءت اللحظة التي لم يعد فيها ممكناً التمييز بين صوت نانسي وصوت جمهورها. عند المقطع:

“لي وطن فوق للمصالح…

لي صباح وردي الملامح…

لي قلب أخضر مسامح…

ولي سلام… ويا سلام…”

لم تعد المغنية هي التي تغني. صار المسرح كله يغني. مئات الحناجر خرجت كأنها حنجرة واحدة، ومئات القلوب نبضت بإيقاع واحد، حتى بدت الأغنية وكأنها صلاة جماعية في محراب الوطن. لم يكن ذلك ترديداً لكلمات، وإنما إعلان حب، وميثاق وفاء، ورفضاً لكل ما حاول أن يسرق من السودانيين قدرتهم على الحلم.

في تلك اللحظة، لم يعد أحد يفكر في الحرب، ولا في المنفى، ولا في السياسة. صار الجميع سودانيين فقط، تجمعهم أغنية.

يا طفل يا مسكين

وجاءت المفاجأة الكبرى، بتدشين أغنية الموسم “يا طفل يا مسكين”، من كلمات الشاعر الكبير قاسم أبو زيد. ولم يكن اختيارها في ختام الحفل مصادفة. فبعد كل ذلك الطواف بين الحب والوطن والذاكرة، جاءت الأغنية لتضع الإنسان، ذلك الطفل المقهور، في قلب الحكاية.

غنتها نانسي كما لو أنها تخاطب أطفال السودان جميعاً؛ أولئك الذين سرقت الحرب طفولتهم، وبددت أحلامهم، وتركتهم يكبرون قبل أوانهم. لم تكن الأغنية رثاءً، بل احتضاناً، ولم تكن بكاءً، بل وعداً بأن الفن سيظل يقف في صف الحياة، مهما علت أصوات الموت.

يا طفل يا مسكين

وجاءت المفاجأة الكبرى، بتدشين أغنية الموسم “يا طفل يا مسكين”، من كلمات الشاعر الكبير قاسم أبو زيد. ولم يكن اختيارها في ختام الحفل مصادفة. فبعد كل ذلك الطواف بين الحب والوطن والذاكرة، جاءت الأغنية لتضع الإنسان، ذلك الطفل المقهور، في قلب الحكاية.

غنتها نانسي كما لو أنها تخاطب أطفال السودان جميعاً؛ أولئك الذين سرقت الحرب طفولتهم، وبددت أحلامهم، وتركتهم يكبرون قبل أوانهم. لم تكن الأغنية رثاءً، بل احتضاناً، ولم تكن بكاءً، بل وعداً بأن الفن سيظل يقف في صف الحياة، مهما علت أصوات الموت.

انكسر فيها القلب، لا من الحزن وحده، وإنما من فرط الجمال. لم تكن أغنية “يا طفل يا مسكين” مجرد عمل تدشنه نانسي عجاج، بل كانت صلاةً دنيوية، كتبها قاسم أبو زيد بحبر الوجع السوداني، ثم نفخت فيها نانسي من روحها، فإذا بها تصبح مرثيةً للطفولة، وإنجيلاً صغيراً للمشردين، ونشيداً لمن كبروا قبل أوانهم.

انسربت كلماتها إلى الأرواح كما يتسلل المطر إلى أرض عطشى. لم تقتحم القلب، بل استأذنته، ثم أقامت فيه. كانت موجعة لأنها صادقة، ومفرحة لأنها ترفض اليأس، ومبكية لأنها ترى الأطفال كما هم، لا كما تصفهم نشرات الأخبار.

كل صورة في الأغنية كانت وجهاً من وجوه السودان. مدرسة صارت حلماً، وبيت طين صار ذكرى، وخطوة صغيرة تسألها القصيدة في إلحاحٍ يشبه بكاء الأمهات: “الخطوة سايقاك وييين؟” سؤال بدا وكأنه موجّه إلى الطفل، لكنه في حقيقته كان سؤالاً لوطن كامل يمشي منذ سنوات طويلة، ولا يعرف إلى أين تأخذه الطرق.

وحين غنت عن السماء التي أصبحت عرشاً، والحصى الذي صار فراشاً، وعن دروب النمل التي تهدي التائهين، لم تكن تستعير صوراً شعرية، بل كانت تستعيد سيرة آلاف الأطفال الذين استبدلت الحرب دفاترهم بخيام النزوح، وصفوفهم بطوابير الإغاثة، وأجراس مدارسهم بأصوات المدافع.

ثم بلغ النص ذروته، لا في وجعه، وإنما في رجائه. “هل للوطن عودة؟” لم تكن سؤالاً يبحث عن إجابة، بل دعاءً جماعياً خرج من الحناجر كلها في آنٍ واحد. سؤالاً حملته كل أم تنتظر ابنها، وكل طفل ينتظر مدرسته، وكل لاجئ يحتفظ بمفتاح بيت لم يعد قائماً إلا في الذاكرة.

وعندما وصلت إلى حلم الطابور الصباحي، إلى المدرسة والروضة، إلى الأفراح التي تعود، لم تعد تغني وحدها. صار المسرح كله ينشد معها. لم يكن الناس يرددون الكلمات، بل كانوا يتمسكون بها كما يتمسك الغريق بخشبة نجاة. في تلك اللحظة أدركت أن الأغنية الحقيقية ليست التي تحفظها الذاكرة، بل التي تحفظ الإنسان من السقوط.

 

وبعد أن مر القلب بكل ذلك الامتحان، أخذتنا نانسي برفق إلى ضفة أخرى. جاءت “النيل سليل الأكرمين”، فإذا بالنيل يعود أباً روحياً للسودانيين جميعاً، لا نهراً يشق الأرض فحسب، بل شرياناً يحمل ذاكرة البلاد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. ثم اتصلت بها “بلدا هيلي أنا”، فشعرت أن الوطن، رغم كل ما أصابه، لا يزال ينادي أبناءه باسمه الأول، الاسم الذي تعرفه القلوب قبل الخرائط.

ثم جاءت “لوليتا”، لا كاستراحة بين الأغنيات، وإنما كنسمة تعيد ترتيب الأنفاس. كانت الأغنية تهدهد الأرواح المتعبة كما تهدهد الأم طفلها عند آخر الليل. شعرت بأن أنفاس الحضور كلها تصعد ثم تهبط في إيقاع واحد، ترتفع حتى تكاد تلامس السماء، ثم تعود إلى الأرض محملة بشيء من السكينة.

ومن هناك، قادتنا إلى الغرب… إلى ذلك الغرب السوداني الذي لا يبرح الوجدان، مهما اشتعلت قراه واحترقت مدنه. جاءت “أندريا”، فإذا برائحة التراب بعد المطر تملأ المكان، وإذا بأسماء القرى والفرقان تعود من بعيد، وإذا بوجوه الغائبين تجلس بيننا من جديد. لم تعد الأغنية مجرد لحن، بل صارت طريقاً ترابياً يمتد نحو دارفور وكردفان، نحو البيوت التي تأكلها النيران، بينما يحرسها في الذاكرة الغناء.

لمحة من لمحتك

وحين أصر أحد الشباب من بين الجمهور على أن يسمع “لمحتك”، ابتسمت نانسي لذلك الإصرار الذي لا يعرفه إلا جمهور تربى على أن الأغنية طلبٌ وحوار، لا برنامجٌ معدٌّ سلفاً. غنتها، وكأنها تهدي صاحب الطلب وردةً صغيرة، لكنها في الحقيقة كانت تهديها للجميع. وما إن انتهت، حتى أتبعتها بـ**”يا روحي سلام عليك”**، فكان الختام أقرب إلى دعاء منه إلى أغنية، وأقرب إلى سلامٍ صوفي يوزع الطمأنينة على القلوب المتعبة.

وهكذا، لم تكن الأغنيات تتوالى كما تتوالى فقرات الحفل، بل كانت تتناسل من بعضها بعضاً، كما تتناسل الأنهار من الينابيع. كل أغنية تفتح باباً لأخرى، وكل مقام يلد مقاماً، حتى بدا الليل كله وكأنه قصيدة واحدة، كتبتها نانسي بالصوت، وكتبها جمهورها بالدموع، ووقّعها السودان باسمه القديم… الوطن الذي، مهما أثقلته الحروب، ما زال يعرف الطريق إلى الأغنية، وما زالت الأغنية تعرف الطريق إليه.

نعم، انطفأت الأضواء، ولكن لم ينتهِ الحفل. انتهت الموسيقى، نعم، لكن الأغنيات بقيت معلقة في الهواء، تتبع الناس إلى بيوتهم، وتجلس معهم في صمتهم، وترافقهم في طريق العودة.

ليلة الخميس لم تكن مجرد أمسية غنائية، بل كانت خلوةً صوفيةً في حضرة الجمال. وفي التصوف، لا يبلغ السالك مقامه بكثرة الخطوات، وإنما بصدق القلب. ونانسي، وهي تمضي بين أغنية وأخرى، لم تكن تؤدي فناً فحسب، بل كانت تمارس ضرباً من الذكر؛ تستدعي به السودان الغائب، وتعيده، ولو لساعات قليلة، إلى قلوب أبنائه.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للفن: أن يجعل المنفي يشعر أنه عاد، والمكسور يشعر أنه ما زال قادراً على الوقوف، واليائس يؤمن، ولو للحظة، بأن الغد يمكن أن يكون أقل قسوة.

ذلك هو سر نانسي عجاج… وذلك هو سر الأغنية السودانية حين تصدح من قلب يعرف أن الوطن، مهما ابتعد، لا يزال يسكن النغمة الأولى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى