د. جون قرنق.. إرث منقسم بين ضفتين

نمارق الجاك
يصادف الثلاثين من يوليو/تموز ذكرى رحيل الدكتور جون قرنق، الثوري المناضل البراغماتي. تارة أخرى، عقب وفاته المفاجئة في عام 2005، كتبت صحيفة الشرق الأوسط مانشيتًا عريضًا: “السودان يفقد زعيمه التاريخي”. أظنها العبارة الأدق، لأن السودان شمالًا وجنوبًا لم يشهد شخصية كاريزمية مثل قرنق. اختار الحرب حينما شعر بأن التهميش وخطاب الهوية الإسلامي يضران بوحدة القطر الواحد، يستند إلى تاريخ الشمال والجنوب المشترك، حيث مملكة كوش المسيحية، لكنه مؤمن بأن السلام لا بد منه، حيث قال لذات الصحيفة في حوار صحفي: سنخوض حرب السلام كما خضنا حرب الغابة من أجل تحقيق السودان الجديد، “ودي النفعية الله خلقها”.
لقد قاوم قرنق منظومة الرأسمالية المتوحشة، حينما رفض أن يكون النفط مستباحًا وأهله أحق به. بحسب الروايات، فإن قرنق تم اغتياله من قبل الشركات، وقال ذلك صراحةً أحد رجال الـ(CIA) في فيلم وثائقي أنتجته الجزيرة. يزعم الرجل أن الطائرة بلا صندوق أسود، إذًا أين التسجيلات قبل التحطم؟ شخصًا ما كان هناك وبدّل الحطام. قال لي أحد شباب تنظيم الإخوان ذات مرة: كنا صغارًا في التنظيم، حشدنا وجوهًا متباينة لأجل استقبال جون قرنق، حينما تدحرج نازلًا عبر السلم، أبصر تلك الوجوه وبكى. خدعته الإنقاذ واستغبت العوام، ومن أشهر مقولاته: لا تستطيع العروبة أن توحدنا. كان قرنق يحلم ويحمل وطنًا ديمقراطيًا علمانيًا، توزع فيه الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، كما أسس حركته الشعبية المسلحة، ليكون بذلك رجل حرب بالضرورة، ورجل سلام على أرض الواقع.
بغض النظر عن إخفاقات الحركات الاجتماعية والسياسية، حيث تخطئ وتصيب، والتطور يكون عن طريق الممارسة وتجربة آليات مختلفة واستبدالها بآليات أكثر نجاعة، كما أنه ليست هنالك نظرية تستطيع تفسير الكون، والبشرية تطورت من مرحلة أكل لحوم البشر إلى نتفها بالشركات العابرة للقارات. إن فشل الحكومة في الاستجابة لنداءات الأطراف، وغياب دولة المؤسسات، تمخضت عنه حرب طويلة جعلت من نضالاته وتسامحه شخصية ذات ثقل لم يحظَ بها رجل دين أو سياسي، ولم يحظوا بمثل نصيبه من المحبة والتفاني والانحياز للسودان أجمع، محطمًا القبيلة واللون والدين، محتفيًا بالتنوع، فالسودانوية كانت مخرجه من الانتماءات الضيقة.
قال في خطاب له في توريت في التسعينيات: “أنا مجرد ضابط، مكلف بأن أكون قائدًا عامًا لجيش وطني وضابطًا فيه. إذا شاءت الأقدار، وحان وقت رحيلي، فسوف أموت مثلما ضحى العديد من مواطنينا بحياتهم في هذه الحرب.” وفي ذكرى رحيله الحادية والعشرين، كتبت أرتال من كتاب الشمال والجنوب، وكان مآلات الأمور السياسية والاقتصادية في البلدين تبعث الحزن والبكاء على أنفسنا، حيث قرنق الحي بإرثه السياسي والفكري، وكان حتمًا سوف يأخذ بيد الشعوب المهمشة في أفريقيا، ناهيك عن أن يترك الخلية الواحدة تنقسم في 2011. خيباتنا السياسية تميتنا، ويبقى فكر قرنق حيًا، لكن هل من مجيب؟
ومن بين الذين كتبوا لوكا بيونق دينق: كثيرًا ما كان ابن أخي، دانيال فرانسيس دينق، يذكرني عند مناقشة القضايا العامة بما يسميه “حكمة النسر”؛ فالنسر يحلق عاليًا في السماء ليرى المشهد بأكمله بوضوح، ثم ينقض على هدفه بدقة، ولا يغرق في فوضى الأرض حيث تضيق الرؤية. وقد جسّد جون قرنق هذه الحكمة خير تجسيد. وما أحوجنا إليها اليوم، سواء في حياتنا اليومية أو في بناء دولتنا، إذ كثيرًا ما نهدر طاقاتنا في قضايا هامشية أو خلافات الماضي، بدلًا من التطلع إلى الصورة الكبرى التي ترسم مستقبلًا أفضل لوطننا.

كان قرنق قائدًا متدينًا ودقيقًا جدًا في التفاصيل. ظهر ذلك عندما سلّمه نسخته الخاصة من الكتاب المقدس ليؤدي بها اليمين الدستورية كنائب أول للرئيس في 9 يوليو 2005، وكان الكتاب مليئًا بالخطوط والملاحظات. وأصر على استخدامه بدل نسخة القصر، لأنه تذكر إجبار بعض الجنوبيين سابقًا على القسم بالمصحف رغم أنهم مسيحيون.
وكان يربط تاريخ السودان بالكتاب المقدس، ويستشهد كثيرًا بسفر إشعياء 18 عن “أمة قوية طويلة القامة في أرض تشقها الأنهار”.
ورأى في هذه النبوءة وصفًا لفجائع الحرب التي عاشها شعب جنوب السودان، حيث تُركت جثث أبناء كوش طعامًا للطيور والوحوش. لكن قرنق فهمها أيضًا كـ**”موسم حصاد”** لا بد فيه من تقليم الأغصان الزائدة حتى يبدأ نمو جديد.





