إغلاق سوق الدويم.. الجبايات والرسوم تشعل احتجاجات التجار

أفق جديد
لم يكن الصمت الذي خيّم على سوق مدينة الدويم بولاية النيل الأبيض مجرد توقف لحركة البيع والشراء، بل كان رسالة احتجاج حملها التجار بعد سنوات من الشكوى من تعدد الرسوم والجبايات وتراجع الخدمات. ففي سوق يُعد شريانًا اقتصاديًا للمدينة والمناطق المجاورة، أُغلقت المحال التجارية بالكامل، وتوقفت الأنشطة اليومية التي يعتمد عليها آلاف المواطنين في تأمين احتياجاتهم، بينما يرى التجار أن الأعباء المالية المتزايدة وتعدد الجهات المحصلة، إلى جانب تدهور البيئة داخل السوق، جعلت مواصلة العمل أمرًا بالغ الصعوبة.
حسنًا، أُغلق السوق إغلاقًا كاملًا الأسبوع الماضي وتوقفت جميع الأنشطة التجارية، إثر إضراب شامل نفذه التجار احتجاجًا على تعدد الرسوم والجبايات، وتعدد الجهات المحصلة، وعدم تطبيق نظام الإيصال الإلكتروني.
وقال تجار إن الإضراب جاء أيضًا اعتراضًا على الارتفاع الكبير في الرسوم المفروضة على السلع، إلى جانب تدهور البيئة والخدمات الأساسية داخل السوق، مطالبين السلطات بمعالجة هذه القضايا ووضع حد لتعدد الجبايات وتحسين بيئة العمل التجاري.
إغلاق السوق لا يؤثر على أصحاب المحال فقط، بل يمتد إلى مئات العاملين الذين يعتمد دخلهم اليومي بالكامل على استمرار الحركة التجارية. هذه ليست مشكلة رسوم فقط، بل مشكلة ثقة بين التجار والجهات الرسمية. التاجر يريد أن يعرف لماذا يدفع الرسوم، وما الخدمة التي يحصل عليها مقابلها. عندما تغيب الشفافية وتتراجع الخدمات، يصبح الاحتجاج هو الوسيلة الوحيدة لإيصال الصوت.
يقول تاجر مواد غذائية لـ”أفق جديد”: “نحن لا نرفض دفع الرسوم القانونية، لكن المشكلة أن كل جهة تأتي برسوم مختلفة، وفي النهاية لا تعرف لمن دفعت ومقابل ماذا. أصبح التاجر يقضي وقتًا في دفع الجبايات أكثر من وقته في البيع والشراء. الأرباح تراجعت بصورة كبيرة، وإذا استمرت الأوضاع بهذا الشكل فسيضطر كثيرون إلى إغلاق محالهم نهائيًا”.
من جهته يقول تاجر أدوات منزلية لـ”أفق جديد”: “تكلفة تشغيل المحل ارتفعت بصورة غير مسبوقة. إيجار المحل والكهرباء والنقل والرسوم كلها زادت، بينما القوة الشرائية للمواطن ضعيفة. نبيع أقل من السابق، وعندما نرفع الأسعار يتهمنا الناس بالجشع، بينما الحقيقة أن التكاليف أصبحت أكبر من قدرتنا على الاحتمال”.
من جانبه يقول تاجر جملة: “الإيصال الإلكتروني موجود في القرارات، لكنه غير مطبق بالشكل المطلوب، وهذا يفتح الباب لتعدد التحصيل. نريد نظامًا واضحًا ورسمًا واحدًا وجهة واحدة، حتى نستطيع العمل في بيئة مستقرة.”
بدوره يقول تاجر خضروات لـ”أفق جديد”: “البيئة داخل السوق أصبحت مشكلة حقيقية. النفايات تتراكم، والمصارف مسدودة، وفي موسم الأمطار تصبح الحركة صعبة. إذا كنا ندفع رسومًا باستمرار فمن حقنا أن نجد خدمات تليق بالسوق”.
في الأثناء قال رب أسرة: “إغلاق السوق لا يضر التجار وحدهم، بل يضرنا نحن أيضًا. جئت لشراء احتياجات المنزل فوجدت كل شيء مغلقًا. نخشى أن يؤدي استمرار الإغلاق إلى نقص السلع وارتفاع الأسعار أكثر مما هي عليه الآن”.
وأضاف: “حتى قبل الإضراب كانت الأسعار مرتفعة جدًا، أما الآن فنخشى أن تزيد أكثر بسبب توقف الحركة التجارية. دخل الأسرة لم يعد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية”.
أما عامل يومية فقال لـ”أفق جديد”: “أنا أعمل بالأجر اليومي، وأرتبط بالسوق بشكل مباشر. عندما يتوقف السوق تتوقف معي مصادر الرزق. ليس التجار وحدهم من يتضرر، بل مئات العمال والحمالين وسائقي المركبات”.
وتابع: “السوق هو نقطة الحركة الأساسية. عندما يتوقف، تتراجع حركة نقل البضائع، وهذا ينعكس علينا وعلى أصحاب المركبات. استمرار الإغلاق يعني خسائر للجميع”.
الأزمة الاقتصادية الراهنة في السودان أزمةٌ مركبة، تعود جذورها إلى اختلالات هيكلية تراكمت على مدى سنوات سبقت اندلاع الحرب، قبل أن تأتي الأخيرة لتفاقمها بصورة غير مسبوقة. فقد استنزفت الحرب الموارد العامة، وقلصت الإيرادات الحكومية، وفرضت أعباءً مالية متزايدة لإعادة تأهيل المرافق الحيوية التي تعرضت لهجمات متكررة وأعمال تخريب واسعة. وفي المقابل، اتسع نطاق اقتصاد الحرب، ونمت أنشطة الاقتصاد غير الرسمي، بما أضعف قدرة الدولة على إدارة النشاط الاقتصادي، وأدى إلى تفاقم التشوهات في الأسواق، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع مستويات الإنتاج والاستثمار.
وبينما ينتظر المواطنون عودة النشاط التجاري حتى لا تتفاقم معاناتهم في الحصول على السلع، يتمسك التجار بمطالبهم التي يقولون إنها تتعلق بحقهم في بيئة تجارية عادلة ومنظمة، لا تثقلها الجبايات ولا تعدد الجهات المحصلة. ويبقى السؤال مطروحًا: هل تفتح السلطات حوارًا يعالج جذور الأزمة ويعيد الثقة بين الإدارة والقطاع التجاري، أم يتحول إغلاق سوق الدويم إلى نموذج قد يتكرر في أسواق أخرى تواجه التحديات نفسها؟





