سودان «البلوك أوت».. حين تصبح جرعة الماء البارد رفاهية

أفق جديد – الزين عثمان

الظافر هو ذلك العائد إلى منزله وهو يحمل ربع لوح من «الثلج». مع موجة الحرارة التي تضرب السودان، مقرونة بالأزمة المتعلقة بسريان التيار الكهربائي، صار الحصول على جرعة ماء بارد بمثابة انتصار في معركة أخرى يخوضها السودانيون هذه الأيام؛ معركة لا تحتاج إلى بندقية، وإنما إلى قليل من الماء وقطعة من الثلج.

الأسبوع الفائت، أصاب عطب خطوط نقل الكهرباء من سد مروي، ما أدى إلى خروج ولايات الخرطوم والبحر الأحمر والشمالية ونهر النيل من الشبكة القومية للكهرباء، وهو عطل تأثرت به بقية مناطق السودان، ويضاف، بالطبع، إلى أزمة قطاع الكهرباء المستفحلة، وهي في النهاية ليست سوى حالة عرضية في أزمات سودان الحرب.

في مدينة شندي وبقية مدن ولاية نهر النيل، الحصول على «الثلج» صار مهمة تحتاج إلى تخطيط مبكر؛ إذ يتطلب الأمر دفع 45 ألف جنيه قيمة لوح الثلج، على أن تسبق الدفعَ خطوةُ حجز مسبق ومنذ وقت باكر. لا أحد، بحسب مواطنة من المدينة، يستطيع الحصول على السلعة منتصف النهار.

تقول المواطنة إن الأسر صارت «تجنّد» شخصاً من العائلة لإنجاز هذه المهمة، فلا يمكن تصور الحياة دون مياه باردة مع ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء. وفي السياق ذاته، يكشف الصحفي الهادي محمد الأمين، المقيم بمدينة الدامر، عن معاناته في الحصول على الثلج، وعن رفض مالك محل لبيع الثلج تزويده به، بحجة أن الموجود لديه «أمانة».

أن يحتفظ أحدهم بالثلج، وهو سريع التلف، لا يبدو أمراً مثيراً للدهشة في سودان الحرب؛ حيث الأزمات تتوالد، ومعها فرص استغلالها. ارتفاع أسعار الثلج في الوقت الراهن تكامل مع انقطاع التيار الكهربائي، وبالتالي زيادة الطلب عليه، وهو أمر يحدث مع معظم السلع في السودان، ويرتبط، في جانب منه، بغياب الوازع الأخلاقي والضبط القانوني في الوقت نفسه.

لكن عثمان علي، صاحب مصنع للثلج، ينفي عن المنتجين تهمة استغلال ظروف الناس واحتياجهم للثلج لرفع الأسعار، ويرد الزيادة بصورة مباشرة إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج.

ويقول علي في حديثه لـ«أفق جديد» إن السعر تحدده عوامل الإنتاج نفسها، مضيفاً: «نحن أيضاً نتأثر بانقطاع الكهرباء، حيث نضطر لاستخدام المولدات في الإنتاج، وزيادة أسعار الوقود هي السبب في رفع أسعار السلعة»، خصوصاً أن عملية الإنتاج نادراً ما يتم فيها استخدام الطاقة الشمسية.

ويضيف أن عامل الترحيل مؤثر أيضاً في تحديد السعر، ويقر بارتفاع سعر الثلج، وبأنه يشكل ضغطاً جديداً على الناس في هذه الظروف.

ولا تبدو الصورة في بورتسودان أفضل من بقية المناطق، بل تزيدها حدةً درجات الحرارة المرتفعة في هذا الوقت، إلى جانب أزمة انقطاع الكهرباء المستفحلة في المدينة، التي تعاني أيضاً من أزمة في توفر مياه الشرب.

كما أدى تراجع عدد مصانع ومحال إنتاج الثلج في عدد من المناطق، نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وخروج منشآت من الخدمة، إلى انخفاض المعروض مقابل ارتفاع الطلب، خصوصاً في المناطق التي تعاني من انقطاع الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة.

وتضاف إلى ذلك زيادة أسعار مدخلات الإنتاج، من مياه ومواد تعبئة وصيانة وقطع غيار، إلى جانب ارتفاع الإيجارات وأجور العمالة؛ وهي تكاليف تنتقل في النهاية إلى المستهلك.

وهكذا تجد «عزيزة»، ربة المنزل، نفسها أمام مفارقة قاسية؛ فبينما تذوب ألواح الثلج سريعاً تحت حرارة الصيف، تبدو أسعارها أكثر صلابة، مقارنة بمستوى دخل كامل أسرتها الذي لا يحتمل ضغطاً جديداً. فاتورة شراء الثلج قد تكلف الأسرة ما يعادل 20 ألف جنيه يومياً إلى حين عودة الكهرباء، وهي العودة التي تعترضها كثير من المتاريس، وتعاني من مشكلات تتعلق بالإنتاج والنقل والتوزيع.

والحريق الذي حدث في مروي يبدو، في هذا المشهد، مجرد شرارة في كامل لهب قطاع الكهرباء؛ فلا مؤسسة تقريباً بقيت على ما كانت عليه قبل الحرب، ولا خدمة نجت من آثارها المتراكمة.

بالنسبة لعزيزة، لا خيار أمامها سوى جلب الثلج إلى المنزل. تقول بحسرة: «الموية حارة ما بتتشرب»، ثم تضيف: «سعر لوح التلج صار أعلى من المرتب الأساسي لعامل في وزارة التربية والتعليم!».

حرب ما تزال مشتعلة، وعملة وطنية تتهاوى بسرعة خيالية، وأسواق تلهب الناس الذين فقدوا وظائفهم بسياط أسعارها؛ كيلو اللحم البقري وصل إلى 40 ألف جنيه، والضأن تجاوز 60 ألفاً. وفي مواجهة ذلك، فعل كثيرون خيار المقاطعة، بينما الكهرباء في حالة «بلوك أوت»، وهو خيار يمكن تفعيله أمام بعض السلع، لكنه لا يمكن ببساطة تفعيله مع المياه الباردة.

يجد السوداني نفسه أمام مفارقة قاسية؛ ألواح الثلج تذوب سريعاً تحت حرارة الصيف، لكن أسعارها تبدو أكثر صلابة، مدفوعة بأزمة إنتاج ونقل وطاقة، تعكس في جانب منها حجم الضغوط التي خلفتها الحرب على أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

وبالتزامن مع هذه الأزمات، يحدثكم النور الشيخ النور، رئيس المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي في سودان أقرب إلى المواجهة من التعايش، ويغرق في حربه منذ أربع سنوات، عن دلالات وطنية عميقة في شغل كامل إدريس رئاسة مجلس الوزراء.

وقال النور، مخاطباً مهرجان السلم الاجتماعي الذي أقيم بالخرطوم، إن «كامل جاءكم من جنيف، تاركاً خلفه كل النعيم الأوروبي، جاء في وقت البلاء ليشارك السودانيين الآلام ويقاسمهم الجراح».

لكن، وبينما الحكومة التي يستمتع وزراؤها بالطاقة الشمسية المدفوعة من جبايات الجالسين تحت شمس الأسواق، يظل السؤال الأكثر قسوة خارج قاعات المهرجانات: هل عاش هؤلاء جحيم العجز عن الظفر بربع لوح ثلج؟

في سودان الحرب، لم يعد الانتصار دائماً أن تعود من معركة سالماً؛ أحياناً يكفي أن تعود إلى بيتك، وفي يدك ربع لوح من الثلج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى