المسيد ليس ثكنة عسكرية

 يوسف الغوث

شهدت الساحة السودانية في هذه الأيام العصيبة موقفاً تاريخياً يجسد جوهر الرسالة الروحية والأخلاقية للتصوف في أوقات المحن والأزمات الوطنية، حيث يتداخل البعد الإنساني مع الواجب الديني في أبهى صوره لحماية الأنفس والبلاد من ويلات الدمار،

فمنذ عقود طويلة كانت الطرق الصوفية في هذا البلد المعطاء تمثل الضمير الجمعي للشعب والملاذ الآمن للمضطهدين والمنصة التي تعلو فوق المصالح الضيقة لتجمع شمل القبائل وتوحد الصفوف،

وقد لعبت المساجد والخلاوي والتكايا دوراً مركزياً في بناء الهوية الوطنية ومقاومة الاستعمار والأنظمة الديكتاتورية المتعاقبة، حيث قادت القيادات الصوفية المعارضة لنظام عبود وشاركت في ثورة أكتوبر، وواجهت نظام نميري في أحداث الجزيرة أبا، وظلت ساحات المسيد ملاذاً للمطاردين في عهد البشير، حيث فتحت أبوابها لإطعام وحماية المتظاهرين في ثورة ديسمبر، واستمرت في رفض انقلاب 2021 ومناهضة الحكم العسكري،

واليوم، وفي لحظة تاريخية فارقة، يُختبر هذا الإرث العظيم حين يُستدعى التصوف لا ليكون رحماتٍ ونوراً، بل ليُوظف في محرقة الحرب أو يُستغل غطاءً لقرارات تزيد الوطن احتراقاً،

وهنا كان لزاماً أن تخرج كلمة الحق جهراً، وأن يعلن شيخ رباني أن المسيد ليس ثكنة عسكرية، وأن الخلوة ليست غرفة عمليات، بل هي مهبط الرحمة ومنبع السكينة،

تجسدت هذه القيم الرفيعة بوضوح عندما حاول رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان حشد وتأييد الطرق الصوفية لدعم الحراك العسكري واستمرار الحرب، حيث برز الشيخ عبد الجبار المبارك الحفياني، شيخ الطريقة السمانية الطيبية بطابت، ليعلن عن شجاعة الرأي ومسؤولية الموقف برفضه التام للانجرار وراء دعوات القتال، مطالباً بالوقف الفوري للحرب والدعوة إلى السلام وحقن دماء السودانيين،

إن هذا التصدي الصريح يمثل امتداداً طبيعياً لإرث الطريقة السمانية الطيبية التي أسست وجدانها على العلوم الشرعية وإصلاح ذات البين، معبرة بصدق عن نبض الشارع السوداني الذي أرهقته الصراعات،

كما يوجه هذا الموقف الصارم رسالة بالغة الأهمية للسلطة الحاكمة بأن الرمزية الروحية للطرق الصوفية ليست أداة للتوظيف السياسي أو غطاءً شعبياً للحروب، بل هي حصن منيع لحماية الهوية الوطنية والتعايش السلمي بين كافة مكونات المجتمع،

ومن خلال هذا الإصرار على إعلاء قيم السلام، يبرهن الصوفية مجدداً على امتلاكهم مناعة ذاتية ضد الابتزاز وضغوط السلطة، معتمدين على استقلاليتهم التاريخية ومكانتهم الوجدانية بين مريديهم،

إن هذا الموقف الشجاع للشيخ عبد الجبار المبارك الحفياني هو بمثابة دعوة لكافة مشايخ الطرق الصوفية وقادة الرأي الروحي في السودان إلى الاقتداء بهذه الخطوة الإيمانية الواعية والتحلي بروح المسؤولية التاريخية التي تضع الوطن فوق كل اعتبار،

فالحرب اليوم لا تميز بين صوفي وغيره ولا بين قبيلة وأخرى، وإنما تأكل الجميع وتفني زهرة الشباب وتشرد الأبرياء، وقد آن الأوان أن تتحد منابر التكايا والخلاوي في خطاب واحد يرفع راية السلام ويجهر بكلمة لا للحرب، ويكون صوت العقل الذي يفضح محاولات الاستقطاب ويجرد السلطة من أي شرعية معنوية تستمدها من تغليب لغة البارود،

إن وقوف الشيخ عبد الجبار في هذا المنعطف الخطير يثبت أن أصالة التصوف السوداني تكمن في الانحياز التام لسلامة المواطن البسيط وإطعام الجوعى والنازحين عبر التكايا بدلاً من تبرير العنف، مما يجعل هذا الموقف علامة فارقة في مسيرة الحراك المدني والروحي الساعي لإنهاء الأزمة السودانية واستعادة الأمن والاستقرار للبلاد،

ولقد حمل الشيخ عبد الجبار الأمانة وأدى الرسالة، وبقي على بقية المشايخ أن يسيروا على خطاه ليصنعوا من صوفية السودان حركة سلام تسهم في إطفاء نار الفتنة وتعيد للبلاد أمنها واستقرارها وتكون كفاءً لمن يعملون على تمزيق هذا الوطن،

فهل من مقتدٍ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى