خطاب الفلول بين نقد الذات واتهام الآخرين..قراءة تفكيكية في مقال مصطفى عثمان إسماعيل

عادل يعقوب أحمد نور
في مشهد سياسي يعج بالتجاذبات والاصطفافات الحادة، برز مؤخرًا مقال للدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، وزير خارجية السودان الأسبق والعضو البارز في حزب المؤتمر الوطني المنحل، حمل بين سطوره محاولةً متقنة لخلط الأوراق وإعادة تموضع قوى النظام السابق في المشهد السياسي الراهن. ولكن، تحت عباءة «نقد الذات» و«الحرص على السلام»، يختبئ خطابٌ يعيد إنتاج ذات المنطق الاستئثاري الذي قاد البلاد إلى ما هي عليه اليوم.
هذه قراءة نقدية في بنية هذا الخطاب، ومحاولة لكشف ما وراء سرده السياسي المنسجم ظاهريًا.
يبدأ الكاتب مقاله باعترافات صريحة عن إخفاقات «تجربة الثلاثة عقود»، متحدثًا عن الفساد والمحسوبية والاختلالات. هذا الأسلوب، الذي يبدو شجاعًا، هو في حقيقته ذكاء خطابي يهدف إلى نزع سلاح الخصوم. فالاعتراف بالخطأ هنا ليس بداية طريق التوبة، بل هو محاولة لاستباق الاتهامات وتقديم الذات كطرف «ناضج» قادر على المراجعة، بينما يتمسك في العمق بحقه في العودة إلى المشهد.
الناقد الحقيقي لا يكتفي بالاعتراف، بل يقدم نفسه للمحاسبة، ويتنحى طواعية عن أي طموح للسلطة. لكن الرجل، ورفاقه، يمارسون في الوقت ذاته لعبة التموضع على حافة المشهد، وكأنهم يخاطبون الجمهور بقولهم: «أخطأنا، ولكن اتركونا نصلح الخطأ بأنفسنا».
أبرز ما يميز الخطاب هو ازدواجيته الصارخة في تقييم الأطراف. ففي حين يصف الكاتب تحالف «صمود» بأنه يسعى إلى «سلطة مطلقة» ويصف موقفه من التفاوض بـ«الاستكبار»، يتغاضى تمامًا عن حقيقة أن حزب المؤتمر الوطني هو من مارس أكثر من ثلاثة عقود من السلطة المطلقة دون أي شراكة حقيقية.
إن اتهام «صمود» برفض السلام، بينما هذا التحالف يشارك في مشاورات إقليمية ودولية ويطرح رؤى متكاملة لإنهاء الحرب، يعدّ مغالطة منطقية تختزل تعقيدات الأزمة في رفض طرف واحد، وتبرئ الطرف المسلح الآخر من أي مسؤولية. إن رفض «صمود» لمسار أديس أبابا ليس رفضًا للسلام، بل هو رفض لترتيبات ترى فيها إعادة إنتاج ذات المنظومة الفاسدة، وهذا حق سياسي مشروع لأي طرف يفاوض على مستقبل بلد محترق.
ربما يكون أخطر ما في المقال هو محاولة الكاتب اختطاف شرعية ثورة ديسمبر وتقديم نفسه (وحزبه) كمدافع عنها. فهو يطالب بتسليم السلطة لشباب الثورة، وكأنما نسي أن حزبه هو من قمع هذه الثورة بأقسى الوسائل، وأن قادته ما زالوا موقوفين على ذمة قضايا متعلقة بقتل المتظاهرين.
إن استخدام مصطلح «شباب وكنداكات ديسمبر» في هذا السياق هو محاولةٌ لضرب خصوم «صمود» بالثوار، واستغلال الحالة الثورية كغطاء لتقويض القوى المدنية الأخرى. هذا خطاب استهلاكي للثورة، يحاول استعادة الشرعية عبر بوابة من قاتلهم بالأمس، دون أن يقدم أي تنازل حقيقي أو اعتراف بدماء الشهداء.
يقول الكاتب إن «الجيش والدعم السريع والإجماع المدني» أعطوا الضوء الأخضر للسلام، ويضع كل الثقل على «صمود» كعائق. هذا الطرح يتجاهل أن امتداد نظام المؤتمر الوطني داخل الجيش هو أحد الأسباب الجوهرية لتفجر الحرب في 15 أبريل 2023. فكيف لقيادات النظام السابق أن تطلب السلام وتتهم الآخرين بالتعنت، بينما لا تزال أياديها مستطيلة في عمق المؤسسة العسكرية، وتاريخها يشهد بتمددها الأمني والمالي داخل الدولة؟
إن محاولة الفصل بين «كوادر الحزب» وبين من يدير «مغامرة الحرب» كما يزعم الكاتب، هي محاولة لفك الارتباط بين الجاني والجريمة، وهو ما يرفضه المنطق التاريخي، حيث لا يمكن للشجرة أن تتبرأ من ثمارها.
يظل خطاب الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، على رصانته اللغوية وبراعته الحجاجية، خطابًا دفاعيًا يحاول تثبيت وجود سياسي لقوى محسوبة على النظام البائد. لكن القراءة المتأنية تكشف أن مطالبته بـ«السلام» هي سلام يقوده هو ونظراؤه؛ ومطالبته بـ«الثوار» هي توظيف لهم ضد خصومه؛ واتهامه لـ«صمود» هو إسقاط لذات الخطيئة التي مارسها حزبه لعقود.
الشعب السوداني، الذي دفع أثمانًا باهظة، لن يخدع اليوم بكلمات المعارضة المؤقتة من رجال الأمس. السلام العادل في السودان يبدأ بوضوح المواقف وتجاوز خطاب المحاصصة، ويمر عبر محاسبة المفسدين، وليس عبر منحهم فرصة جديدة لتقديم «دروس» في النقد الذاتي.





