منبرٌ بلا جدار: حين يصبح الوعي اقتصادًا رقميًا

د. صلاح أحمد الحبو
لم تعد المعركة السياسية تُخاض فقط في الشارع أو المنبر أو الصحيفة. لقد انتقلت إلى مساحة أكثر خفاءً: الانتباه. وفي هذه المساحة لا تتنافس الأفكار وحدها، بل تتنافس عليها الخوارزميات، والبيانات، والمنصات، والقدرة على تحويل المعلومة إلى تأثير.
هذا التحول ليس تقنيًا محضًا؛ إنه تحول في اقتصاد السياسة وبنية المجتمع نفسه. فحين تصبح البيانات موردًا، والانتباه قيمة، والتفاعل رأس مال رمزيًا، فإن من يمتلك القدرة على تنظيم تدفق المعلومات يمتلك جزءًا من القوة الاجتماعية.
في السودان، تكشف أحدث البيانات المتاحة حجم المفارقة. فقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت نحو 14.9 مليونًا في أكتوبر 2025، أي 28.7% من السكان، بينما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي نحو 6.06 ملايين، بزيادة 71.2% خلال عام واحد. (DataReportal – Global Digital Insights)
هذه ليست مجرد أرقام اتصالات؛ إنها خريطة جديدة للنفوذ. فالسودان يعيش ما يمكن تسميته «الفجوة الوعيّة الرقمية»: مجتمع واحد، لكن بشروط متفاوتة في الوصول إلى المعلومات وصناعة الرواية والتأثير فيها.
وهنا يظهر «الاقتصاد السياسي للانتباه»: لم تعد قيمة الرسالة السياسية في مضمونها فقط، بل في قدرتها على الوصول، واجتذاب الانتباه، وإعادة التداول. وما يُنتج آلاف المشاهدات والتعليقات والمشاركات قد يصبح سياسيًا أكثر تأثيرًا مما تقوله ندوة كاملة، بصرف النظر عن جودة محتواه.
لهذا يصبح السؤال أمام الأحزاب التقدمية مختلفًا. ليس: كيف نصل إلى الجماهير؟ بل: أين تتشكل الجماهير أصلًا؟ ومن ينظم انتباهها؟ ومن يملك البيانات التي تكشف سلوكها؟
الجمهور الرقمي ليس جمهورًا سلبيًا ينتظر المنشور أو الخطاب. إنه منتج ومستهلك وموزع للرسالة في آن واحد. يصنع الفيديو، ويعيد صياغة الخبر، ويوثق الحرب، ويفند الرواية، وينشر الشائعة أيضًا. ولذلك فإن السلطة على الوعي لم تعد أحادية الاتجاه؛ إنها شبكة متحركة تتداخل فيها المؤسسة والفرد والمنصة والخوارزمية.
ومن هنا ينبغي أن تنتقل السياسة التقدمية من تثقيف الجماهير فقط إلى التعلم منها. فقراءة التعليقات، ورصد اتجاهات النقاش، وتحليل انتشار الأخبار، وفهم اختلاف سلوك مستخدمي واتساب وفيسبوك وتيك توك ويوتيوب، ليست أعمالًا إعلامية هامشية؛ إنها أدوات لفهم التحولات الاجتماعية ذاتها.
لكن الخطر الآخر أن يتحول الحزب إلى أسير للمنصة: يطارد الترند، ويختصر الفكرة، ويقيس النجاح بالمشاهدة، حتى يفقد السياسة قدرتها على إنتاج المعنى. المطلوب ليس أن تتحول السياسة إلى إعلان، بل أن تستخدم الأدوات الرقمية لاستعادة القدرة على تفسير الواقع وتنظيم الفعل الجماعي.
والفجوة الرقمية نفسها يجب ألا تتحول إلى فجوة سياسية. فكون 71.3% من السودانيين خارج الإنترنت يعني أن أي استراتيجية رقمية جادة يجب أن تتكامل مع الإذاعة، والعمل الميداني، وشبكات المجتمع، والتعليم الشعبي، لا أن تستبدلها. (DataReportal – Global Digital Insights)
إن التحول الحقيقي ليس من الورق إلى الشاشة، وإنما من احتكار الرسالة إلى تعدد منتجيها؛ ومن مخاطبة كتلة جماهيرية متخيلة إلى قراءة مجتمع متشظٍ في مصالحه ومصادر معلوماته.
الحزب الذي لا يقرأ البيانات، ولا يفهم اقتصاد المنصات، ولا يحلل حركة المعلومات، ولا يعرف أين تتشكل القناعات، لا يعاني أزمة إعلام فقط؛ بل يعاني أزمة في قراءة المجتمع.
وفي السودان الذي تعيد الحرب تشكيل اقتصاده ودولته ومجتمعه، يصبح امتلاك أدوات فهم الوعي الرقمي جزءًا من معركة أوسع: معركة ألا تترك التكنولوجيا للصدفة، ولا البيانات للسوق، ولا الوعي للخوارزمية.
فالمستقبل لن يكون لمن يتحدث أكثر، بل لمن يفهم كيف يتشكل ما يسمعه الناس، ولماذا يصدقونه، وكيف يتحول التصديق إلى فعل.





