دعوة بلا رصيد.. لماذا لا يمكن الوثوق بـ”حوار البرهان”؟

الهادي الشواف

جاءت دعوة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان على لسان البرهان لحوار وطني داخلي يجمع جميع القوى السياسية والمكونات الاجتماعية ويستثني المؤتمر الوطني وتحالف “تأسيس”، في توقيت يطرح أكثر من علامة استفهام.. هل يمكن لعملية سياسية أن تنجح وهي مبتورة من طرف رئيسي في الحرب؟ وهل يملك صاحب الدعوة من الأساس الرصيد الأخلاقي والسياسي الذي يؤهله لأن يكون راعياً لمسار انتقالي نحو حكم مدني؟ الإجابة على هذين السؤالين تقود إلى فرضيتين مترابطتين.. أن البرهان فقد مصداقيته كوسيط أو راعٍ لأي تحول ديمقراطي وأن ما يطرحه اليوم لا يوقف الحرب ولا يحقق استقراراً ولكنه يكرس واقع الانقسام والعسكرة.

سجل حافل بالوعود المنكوثة:

 

منذ توليه رئاسة المجلس العسكري الانتقالي بعد إسقاط طغمة يونيو 1989م في أبريل 2019م خلفاً لأحمد عوض بن عوف ظل خطاب البرهان يتأرجح بين تعهدات معلنة وممارسات تناقضها على الأرض، فبعد أسابيع من وعوده بحماية “الثوار” في ساحة الاعتصام اقتحمت قوات مشتركة الساحة فجر 3 يونيو 2019م وقتلت وأصابت المئات وهو ما برره لاحقاً بأنه “انحراف عن الخطة”، ثم جاء توقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019م محمّلاً بتعهدات جديدة بتسليم رئاسة مجلس السيادة للمدنيين في موعدها قبل أن ينقلب عليها بانقلاب 25 أكتوبر 2021م الذي وصفه بأنه “تصحيح للمسار” لا انقلاباً.

 

بعد الانقلاب تحول الخطاب إلى اشتراط “توافق وطني شامل” لتسليم السلطة وهو شرط مطاط لم يتحقق قط وفي يوليو 2022م أعلن انسحاب المؤسسة العسكرية من المفاوضات لإفساح المجال أمام حكومة كفاءات ثم جاء الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022م ليعد بنقل كامل للسلطة المدنية قبل أن تنفجر الخلافات حول دمج قوات الدعم السريع وتندلع الحرب في أبريل 2023م بدلاً من الانتقال السلمي الموعود.

 

ومنذ خروجه من حصار القيادة العامة في أغسطس 2023م وانتقاله إلى بورتسودان تغير الخطاب جذرياً.. لا حديث عن السياسة قبل “حسم” المعركة عسكرياً، وفي المرحلة الحالية (2025م – 2026م) يتبنى موقفاً أكثر تصلباً برفض أي عودة لما قبل 15 أبريل 2023م مع إعادة هيكلة تنفيذية توسع قبضته الشخصية على السلطة، هذا التسلسل من وعد إلى نكث فوعد جديد ليس استثناءً عابراً بل نمط متكرر يمتد لسبع سنوات من المماطلة وشراء الوقت على حساب أرواح الشعب وتدمير البلاد مع إصرار على التشبث بكرسي السلطة، وهو ما يجعل الحديث عن “مصداقية” في دعوته الأخيرة أمراً يصعب الدفاع عنه بمعزل عن هذا السجل.

 

خمس سنوات إضافية من العسكرة:

 

يكتسب هذا التشكيك زخماً إضافياً مع تسريب وثيقة نسبت إلى مكتب رئيس مجلس السيادة ومؤرخة بتاريخ 16 يونيو 2026م تحدثت عنها عدة مواقع إخبارية نقلاً عن موقع “The Liberal”، تتضمن الوثيقة بحسب ما تداولته تلك المواقع توجيهاً بصياغة “رؤية سياسية واستراتيجية شاملة” تقوم على حكم البلاد عبر رئيس جمهورية ومجلس وزراء تكنوقراط لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات كاملة تعقبها انتخابات مع حصر أي “حوار سوداني – سوداني” في القوى المؤيدة للمؤسسة العسكرية ورفض قاطع لأي مخرجات حوار أو مؤتمرات تعقد خارج السودان، وحتى تاريخه لم يصدر عن المكتب تأكيد أو نفي رسمي لصحة هذه الوثيقة وهو ما يستدعي التعامل معها بوصفها معلومة متداولة تحتاج تحقيقاً مستقلاً لا حقيقة مؤكدة.

 

لكن حتى مع هذا التحفظ المنهجي فإن مضمون الوثيقة إن صح يتطابق تماماً مع النمط السلوكي الموثق أعلاه.. حوار يصاغ بشروط الطرف بورتسودان ومدة انتقالية تمتد سنوات تبقي زمام الأمر بيد المؤسسة العسكرية ورفض مسبق لأي إطار تفاوضي لا يمر عبر بوابة بورتسودان، وهذا ما يجعل دعوة “الحوار الوطني الجامع” الأخيرة تبدو في أحسن الأحوال إعادة تدوير لصيغة “التوافق الوطني” أو حوار “الوثبة” التي تم استخدامها من قبل مراراً وتكراراً كذريعة لتأجيل تسليم السلطة أو إطالة أمدها أو اكتساب شرعية زائفة لا كمدخل جاد لإنهاء الحرب وإحداث تحول أو انتقال مدني ديمقراطي.

 

حوار بلا خصما الحرب لا يوقف حرباً:

 

الفرضية الثانية لا تقل أهمية أي عملية سياسية تستثني تحالف “تأسيس” وهو الإطار السياسي المرتبط بالطرف الثاني في الحرب لا يمكن أن تفضي إلى وقف إطلاق النار أو إلى استقرار حقيقي لأن أحد أطراف النزاع المسلح الفعليين يبقى خارج الطاولة، فكيف توقف حرب بمشاركة نصف أطرافها فقط؟ وكيف تصل المساعدات الإنسانية إلى ملايين السودانيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الطرف الآخر دون وقف لإطلاق النار وتفاهمات ميدانية مباشرة أو غير مباشرة معه؟ التجربة العملية من جنوب السودان “شريان الحياة” ودارفور إلى كردفان تظهر أن قرارات وقف الحرب وفتح الممرات الإنسانية تحتاج ضمانات من كل من يسيطر على الأرض لا من طرف واحد يعلن الحوار من بورتسودان بمعزل عن ميدان القتال.

 

من هنا وحتى إذا فترضنا الشك في مصدر الوثيقة المسربة ذاتها واعتبرناها جزءاً من حرب إعلامية ومعلوماتية موازية للحرب الميدانية وبعيداً عن نية البرهان في الاستمرار في السلطة، فإن ربط العملية السياسية بوقف الحرب ووصول المساعدات ليس ترفاً تفاوضياً إنما شرط وجود لأي استقرار مستدام، فحوار سياسي منفصل عن مسار وقف إطلاق النار الفعلي وتيسير الوصول الإنساني سيبقى مهما بلغت زخارف عنوانه عملية شكلية الهدف منها شرعنة الواقع وعسكرته مما يعيد إنتاج الأزمة لا حلها.

 

بهذا المعنى فإن الحل الأكثر واقعية هو مسار متزامن.. هدنة إنسانية فورية ممرات آمنة للمساعدات وقف إطلاق نار تدريجي ومراقب تفاوض مباشر بين أطراف الحرب حول الترتيبات الأمنية ثم حوار سياسي لا يستثني إلا المؤتمر الوطني وواجهاته المختلفة.. أما الثقة في وعود البرهان فلا ينبغي أن تكون هي معيار الحكم على المبادرة المعيار هو.. ما الضمانات؟ من يراقب؟ ما الجدول الزمني؟ من يدير المرحلة الانتقالية؟ هل يخرج العسكريون من السلطة فعلاً؟ وكيف يمنع تحويل الحوار إلى أداة لكسب وشراء الوقت لإطالة المرحلة العسكرية؟

 

السودان الآن لا يحتاج إلى وعد جديد بقدر ما يحتاج إلى آلية تجعل خرق الوعد مكلفاً ومستحيلاً وإن القضية ليست.. هل نريد الحوار أم لا؟ بل.. أي حوار؟ وبأي شروط؟ ومن يملك السلاح؟ ومن يوقف الحرب؟ ومن يضمن وصول الغذاء والدواء؟ ومن يدير الانتقال؟ وإذا لم تكن الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، فإن «أي حوار» يصبح مجرد فصل جديد في تاريخ طويل من الوعود المؤجلة بينما تستمر الحرب في إنتاج المزيد من الضحايا ويستمر التدمير الممنهج لمقدرات البلاد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى