ساحة المولد

السر السيد
ساحة المولد أو ميدان المولد مكان يشكل ملمحًا من ملامح المدينة السودانية الحديثة، فهو مكان يرتبط بمناسبة محددة، هي الاحتفال بميلاد النبي الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو مكان محدد ومعروف في كل مدن السودان، خاصة الكبرى منها.
لساحة المولد أو ميدان المولد حضور في ذاكرة السودانيين، فلا يكتمل تصفح ديوان الأدب السوداني، خاصة الشعر مثلًا، إلا ولهذه الساحة حضور، ولا يكتمل الحديث عن الحركة الوطنية ومقاومة المستعمر إلا ولميدان المولد حضور.
إذا توقفنا عند ساحة المولد أو ميدان المولد كمكان، نجد أنه، جغرافيًا، يحتل موقعًا استراتيجيًا في المدينة المحددة، ونجد أنه مكان مفتوح لا تحيط به الأسوار.
ميدان المولد، في صلته بالمولد كمناسبة دينية، بل من أعظم المناسبات الدينية، نجده ولمدة 12 يومًا في كل عام يضج بالحركة والأضواء والألوان، ويشع بحضور خاص للجسد يتمثل في الرقص الصوفي، ويضج بالموسيقى المتمثلة في الطبول والنوبة والطار، وفي الألوان الزاهية المتنوعة المتمثلة في أزياء أهل الطريق وفي راياتهم المتنوعة.
ميدان المولد ساحة لتفعيل التنوع في كل شيء: في الناس، والألوان، والأصوات، والأضواء، والرايات، والآراء والأفكار. ساحة المولد مكان صُمم بطريقة تفضي إلى اختبار الديمقراطية، فبطبعه هو مكان للاختلاف ولترويج الأفكار وتبادلها بشكل سلمي.
هكذا كان المولد منذ أيام الاستعمار وحتى وقت قريب، قبل أن تحتل المدن السودانية جحافل التدين البدوي المعادي لكل ما هو جميل، والمعادي لكل تنوع وتفتح بديع.
مر ميدان المولد بتحولات كثيرة، ففي بداياته لم تكن الفتيات يرتدنه، فقد كان وقفًا على الرجال والأطفال والنساء كبيرات السن. وهنا أذكر حكاية قصها عليَّ الأستاذ كمال الجزولي، فقد قال لي: «إنه وفي بحر الخمسينيات من القرن الماضي، وفي الخرطوم، تجرأت بعض الفتيات وذهبن إلى المولد، ولما كان هذا الأمر مستنكرًا، فقد عمد أحد الأشقياء إلى تشبيك ثيابهن بدبابيس وهن غافلات، فلما تحركن سقطت ثيابهن عنهن، فبدت “زينتهن”، فكان هذا حدثًا تناولته صحف ذلك الزمان».
ميدان المولد، ووفقًا لاسمه، هو ميدان للاحتفال، ميدان للكرنفال، وبالتالي هو مرتبط بالطقس. وهنا، وعلى الرغم من أن الميدان مكان واقعي، إلا أنه، ووفقًا لشروط هذه الاحتفالية، يتحول إلى مكان إبداعي، أو فلنقل إلى مكان مسرحي، تتآزر فيه الأضواء مع الرقص، مع الإنشاد، مع الرايات، مع الكلمات.
هذه الأدائية البديعة، تحت ظلال هذه البهرجة، هذا قوس قزح، هي ما يمنح المؤدين، وهم هنا -جميع الحاضرين-، فاعليتهم؛ ففي ساحة المولد الكل مشارك في تفعيل هذا الفضاء.
كنت ولا زلت، عندما أذهب إلى حضور ليالي المولد في عطبرة أو في أم درمان، يغمرني شعور غامض بالبهجة والفرح، حتى لكأني أحس وأنا أحلق عاليًا عاليًا.
أشرت إلى أن لميدان المولد حضورًا في الأدب السوداني، خاصة الشعر، وفي هذا السياق لا أجد أفضل من إيراد بعض ما ذكره الأستاذ “مصطفى طيب الأسماء” في كتابه (الشعر في ساحة المولد)، الذي نشرته “دار البلد” في العام 1998. يقول الأستاذ مصطفى: «اتخذ شعر المولد في السودان إبان الحكم الثنائي طريقه في الكفاح الشعبي والنضال الوطني، حيث صارت المواسم الدينية وسيلة الاتصال الشعبي وصلة الشعراء بهم، وكانت الأندية تهتم بالاحتفال بها» (ص 39).
أشير إلى أن المقصود بشعر المولد هو الشعر الذي يقال في مناسبة المولد، كان هذا في ساحات المولد أو في الأندية، كنادي الخريجين أو الأندية العمالية في ذلك الوقت، كما أشار الأستاذ عبد الرحمن قسم السيد في كتابه (الأندية العمالية والحركة الوطنية في السودان – مطبعة قافات التجارية، 1979)، فقد قال: «وكانت نشاطات النادي تشمل الاحتفالات الدينية والقومية كاحتفال المولد النبوي الشريف».
اتفق شعر المولد بشكل عام على التعبير عن ذكر النبي محمد “ص” وعظيم أخلاقه، والتعبير عن حال الأمة وما تعانيه من ضعف، والتعبير عن مجد الأمة الغابر، والتعبير عن ضرورة الوحدة والجهاد، وكذلك التعبير عن خطورة الظواهر المجتمعية الحديثة التي يرون أنها لا تعبر عن القيم الاجتماعية السائدة، وفي بعض الجوانب التعبير عما يمكن أن نسميه (الخوف من الحداثة)، كوجود النساء في المجال العام، وأيضًا التعبير عن ليلة المولد نفسها وعن مكان الاحتفال، أي ميدان المولد.
هذه المجالات نلمسها بوضوح في كل النماذج التي أتى بها الأستاذ مصطفى، كأشعار مدثر البوشي، والشيخ عبد الله محمد عمر البنا، والشيخ عبد الله عبد الرحمن، وعبد الرحمن شوقي، ومحمد سعيد الكهربجي، ومبارك المغربي، وخالد آدم بن الخياط، ومحمود أنيس، ومحمد المهدي المجذوب.
وكمثال لما ذكرت، أورد بعضًا مما جاء في ميمية مدثر البوشي التي ألقاها في الاحتفال بالمولد النبوي في مدينة أم درمان في العام 1923:
سلام على الدين الحنيف وفتية
على عهدهم ترعى النهى والمحارم
تبدل ماضينا ولم تبق سنة
وصار لنا مما نعد المواسم
إذا شئت يا ذات السنا أن تشاهدي
بنيك على مر الليالي فها همو
أغاروا وقد أنجدت لما تحولوا
عن العهد واستولى القياد سواهم
ونموذج آخر للشاعر الشيخ عبد الله البنا، وهو يحتفي بظهور النور المحمدي عند مولده، ثم البعثة والرسالة، يقول شاعرنا الكبير:
حتى إذا شاء رب الناس جمعهم
على السكينة والعلياء والأدب
تبلج المصطفى فيهم بمولده
كما تبلج بدر التم عن حجب
فجرت الأرض عن أذيالها شرفًا
وباتت الشهب العلياء في طرب
ورفرفت حوله الأملاك من فرح
وافتر وجه الهدى عن ثغره الشنب

أما فيما يخص التعبير عن ليلة المولد نفسها، فها هو الشاعر الشيخ عبد الله عبد الرحمن الضرير، الملقب بشاعر العروبة، ينفعل بليلة المولد ويحييها، وكيف لا وهي أشرف عيد وأعظم ليلة:
فهذا اليوم ميدان التصابي به تحلو الصبابة للشجي
كأن به وجوه الناس بشرًا
رياض جادها صوب الولي
إذا ما ليلة الميلاد وافت رفعت لها العمار كي أحيي رياحينا تحيي كل وجه ووردًا نم عن عرف شجي
ومالي لا أحييها وأسقي
كرام الناس من هذا الروي
وما احتفلت مشارقها بعيد
كما احتفلت بميلاد النبي
ومثال آخر في ذات السياق، أي الاحتفاء بليلة المولد، للشاعر محمد سعيد محمد قرشي الكهربجي، يقول:
شاب الزمان وأنت رائعة الصبا
ميمونة الآصال والأسحار
جرت الأمور بحكمة فتخيرت لكمال سعدك مولد المختار
أنت اليتيمة في الزمان وأنت في
ماضي المآثر تحفة الآثار
في فجره امتلأ الزمان مسرة
وصفت مشاربه من الأكدار
ومثال ثالث في ذات السياق، وهو للشاعر محمود أنيس، يقول:
الله أكبر ليلة غراء
حفت بها الأنوار والآلاء
تاهت على الأيام فخرًا يا لها
من ليلة حلت بها النعماء
أما نموذجنا الأخير هنا فهو للشاعر محمد المهدي المجذوب، ومن قصيدته الأشهر “المولد”، والتي كتبها في العام 1957، يقول:
ليلة المولد يا خير الليالي
والجمال وربيعًا فتن السحر بالسحر الحلال
وطني المسلم في ظلك مشبوب الخيال
أما ما يتعلق بوصف المكان نفسه، أي ساحة المولد أو ميدان المولد، فلا تكاد تخلو قصيدة من شعر المولد من هذا البعد، أي بعد المكان ووصفه. ولعل قصيدة المولد آنفة الذكر هي سيدة هذا الوصف بلا جدال. فهذه القصيدة استطاعت أن تشيد ميدانًا للمولد عبر اللغة، أن تشيد مكانًا شعريًا للمولد، أن تجعل من هذا المكان مكانة تطرح عبرها هموم الوطن، بل وهموم العالم في قضايا الحرب والسلم والفقر والرفاه والجمال.
استطاعت أن تصور هذا المكان وتمنحه إنسانيته، وتجعله مكانًا مفتوحًا على الحياة والجمال، بما أنه مكان يحمل في داخله وينضح بكل خير، وكيف لا وهو مكان للاحتفال بمولد النبي محمد “ص”.
وزها ميدان عبد المنعم ذلك المحسن حياه الغمام بجموع تلتقي في موسم
والخيام قد تبرجن وأعلن الهيام
ويقول:
وهنا حلقة شيخ يرجحن
ويقول:
وانحت حلقته حين انحنى
ويقول أيضًا:
وهنا في الجانب الآخر
أضواء رقاق
نشرت قوس قزح
من رجاء وفرح
من ربيع في دجى الليل يراق
هذا عن وصف المكان، أما عن وصف حركة المؤدين فيقول:
وتدانت أنفس القوم عناقًا واصطفافًا
وتساقوا نشوة طابت مذاقًا
ويقول أيضًا:
وعلا فوق صدى الطبل الكرير
كل جسم جدول فيه خرير
ومشى في حلقة الذكر فتور
لحظة يذهل فيها الجسم والروح تنير
وعيون الشيخ أغمضن على كون به حلم كبير
ونموذج آخر في ذات وصف المكان، وهو للشاعر الكهربجي:
زانت سرادقه الفنون كأنها
صور مزخرفة بجوف إطار
وترى العواصم بالسنا فياضة
فكأنهن منازل الأقمار
وترى الكواكب في سماء فضائه
ما بين منتظم وبين نثار
أما نموذجنا الأخير في وصف المكان فهو للشاعر خالد ابن الخياط:
كل ما في الزمان مجمع لهو وصغار
يحطنا أبديًا
وطبول تصيح في كل يوم
وعواء يملأ الفضاء دويًا
واختلاط مع النساء جهارًا
وحديث يعافه مسمعيًا.
إن ميدان المولد، كمكان مفتوح، وعبر كل التحولات التي مر بها إلى وقتنا الراهن، ظل يؤكد على حقيقة واحدة، هي أنه من أكثر الأماكن تحررًا في السودان؛ فهو، وعلى المستوى المعماري، مكان مفتوح ويحتل موقعًا استراتيجيًا في المدينة، وأنه في داخله ينطوي على تنوع كبير من خلال الخيام المتنوعة الموجودة فيه بتنوع الجهات التي تشارك في الاحتفال.
أما على المستوى الاحتفالي، الكرنفالي، أي الطقسي، فهو مكان لتعدد الأصوات والألوان والأضواء. ومن هنا شكل المولد موقعًا مضادًا للسلطة؛ فهو المكان الأقوى لشرعنة إعلان الجسد، وذلك عبر الرقص، وهو المكان الأقوى لشرعنة وجود النساء والأطفال في الفضاءات العامة التي هي، في الغالب، حكر على الرجال، وهو المكان الأقوى لشرعنة الجمال والاحتفاء به.
إنه مكان جليل لعب ولا يزال يلعب أدوارًا جليلة في حياتنا السياسية والثقافية، ولأجل هذا هو مكان للنزاع الآن بين من يعبرون عن الروح السودانية العامة وبين من يقفون على الضد من هذه الروح.





