اللواء م. كمال إسماعيل لـ«أفق جديد»: البندقية لن تحل قضية

منذ أن أطاحت الجبهة الإسلامية القومية بالنظام الديمقراطي في انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، ظل اللواء المتقاعد كمال إسماعيل يحمل السودان في قلبه، متنقلاً بين المنافي ومواقع العمل السياسي والعسكري، ومتمسكاً بفكرة واحدة لم تتغير: لا يمكن أن تستقيم البلاد إلا باستعادة الدولة المدنية، وقومية مؤسساتها، وعلى رأسها القوات المسلحة.
إسماعيل، رئيس حزب التحالف السوداني المنتهية ولايته، والقيادي في تحالف «صمود»، ورئيس القيادة المركزية العليا للضباط وضباط الصف والجنود المتقاعدين «تضامن»، كان واحداً من الذين التحقوا بالتجمع الوطني الديمقراطي بعد انقلاب الإنقاذ، وانخرط في معارضة النظام والعمل من أجل استعادة الديمقراطية.
وعندما عاد إلى السودان عقب توقيع اتفاق القاهرة، لم يعد الرجل إلى حياة هادئة؛ عاد إلى المعركة السياسية ذاتها، أملاً في أن تنتهي ثلاثة عقود من الحكم الشمولي، وأن تفتح ثورة ديسمبر الباب أمام دولة مختلفة.
لكن الثورة التي أسقطت نظام الإنقاذ لم تستكمل، في نظره، المهمة الأصعب: تفكيك نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة، واستعادة قومية القوات النظامية، وبناء دولة لا تخضع لمشروع سياسي أو أيديولوجي.
ثم جاءت الحرب.
ومنذ يومها الأول، يقول إسماعيل، كان موقفه واضحاً: هذه حرب لا يمكن أن يحسمها السلاح لصالح أي من طرفيها.
حرب بلا نهاية
يرى إسماعيل أن طبيعة الحرب نفسها تجعل الحديث عن «النصر» وهماً سياسياً وعسكرياً. فقد تحولت إلى حرب مفتوحة، واسعة الجغرافيا، متعددة الجبهات، ومتشابكة المصالح، الأمر الذي يجعل كل تقدم عسكري قابلاً لأن يعقبه تراجع، وكل انتصار مؤقت قابلاً لأن يتحول إلى جولة جديدة من القتال.
لذلك ظل يدعو منذ البداية إلى الحوار، لا باعتباره خياراً ناعماً في مواجهة السلاح، وإنما باعتباره المعركة الأصعب والأكثر ضرورة.
يقول:
«الحوار هو معركة أكبر من معركة السلاح».
ثم يذهب أبعد من ذلك في توصيفه: المطلوب «حوار لسان وليس أسنان».
فالأسنان هي ما تفعله الحرب بالسودانيين: قتل وتشريد ونزوح ولجوء وتدمير. أما اللسان، فهو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يعيد السياسة إلى مكانها، ويضع حداً لحرب أثبتت حتى الآن أنها قادرة على تدمير البلاد، لكنها عاجزة عن إنتاج سلام.
ويقول إن بقاء البندقية مرفوعة يعني أن السلام والاستقرار سيظلان مستحيلين، وإن المواطن السوداني هو الذي يدفع الثمن الأكبر.
موارد الدولة التي كان يفترض أن تذهب إلى التعليم والصحة والتنمية، تتحول إلى أدوات للقتل. والمدن التي يفترض أن تكون ملاذاً للمدنيين تتحول إلى ساحات قتال. والبنية التحتية التي بُنيت بأموال السودانيين وأجيالهم تتآكل تحت القصف.
المسيرات.. سلاح ضد المدنيين
ولا يرى إسماعيل أن استخدام الطائرات المسيّرة غيّر جوهر الحرب، وإنما غيّر أدواتها.
يقول إن الهدف من استخدام المسيرات، وهي سلاح جديد في هذه الحرب، هو في نهاية المطاف ضرب السودانيين.
ويشير إلى أن كثيراً من هذه المسيرات تتجه إلى أهداف مدنية، بينما تدور الحرب نفسها داخل المدن، حيث يصبح المدني محاصراً بين طرفين مسلحين.
ومن هنا، فإن المواطن، في تقديره، يظل الضحية الأولى.
أما حرب المدن، فهي بالنسبة إليه حرب مرفوضة من أساسها، لأنها لا تفصل بين المقاتل والمدني، وتضع السكان في قلب المعركة، وتجعلهم عملياً جزءاً من درعها البشري ومادة لتغذيتها.
اتساع الجغرافيا
ويربط إسماعيل بين انتقال قوات الدعم السريع إلى مناطق جديدة، وبين محاولة تعويض الخسائر وتوسيع نطاق الحرب وتشتيت جهود الطرف الآخر.
ويقول إن التحركات العسكرية في دارفور، بما في ذلك السيطرة على الفاشر ونيالا، تأتي في سياق محاولة إعادة ترتيب موازين القوة بعد خسائر عسكرية، وفتح جبهات جديدة أمام الطرف الآخر.
لكن النتيجة، في تقديره، لا تعني اقتراب أي طرف من الحسم، بقدر ما تعني توسيع قاعدة الحرب وزيادة شموليتها.
فكلما اتسعت الجبهة، اتسعت معها دائرة الموت والنزوح، وكلما انتقلت الحرب إلى منطقة جديدة، خسر السودان جزءاً جديداً من موارده ومجتمعه وبنيته التحتية.
الإسلاميون والجيش
هنا ينتقل إسماعيل إلى الجزء الأكثر حساسية في روايته للحرب.
يتحدث من موقعه كضابط سابق، وكعسكري شارك، بحسب روايته، في مواجهات فعلية ضد الإسلاميين، ويقول إن جماعة الإخوان المسلمين لم تبدأ مشروع السيطرة على القوات المسلحة والدولة مع اندلاع الحرب، وإنما بدأت ذلك قبلها بعقود.
ويقول إن الإسلاميين، طوال نحو 35 عاماً، ركزوا على إحكام السيطرة على القوات النظامية وموارد الدولة، حتى أصبح نفوذهم داخل مؤسساتها عميقاً.
وبالنسبة إليه، فإن الحرب الحالية لا يمكن فصلها عن ذلك التاريخ.
كان يأمل، بعد سقوط نظام الإنقاذ وقيام الحكومة الانتقالية، في اتخاذ قرارات حاسمة لاستعادة قومية القوات المسلحة وقومية الدولة، لكنه يرى أن ذلك لم يحدث.
ويحمّل القوى السياسية التي شاركت في الحكم الانتقالي جانباً من المسؤولية، لأنها، بحسب تقديره، لم تنتبه بما يكفي إلى خطورة استمرار نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة.
وهنا لا يقدم إسماعيل نفسه مراقباً بعيداً عن هذه المعركة، بل يتحدث عن تاريخ شخصي طويل في مواجهتها.
جيش جديد.. أم حرب جديدة؟
لكن المفارقة أن الرجل الذي ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، ويعرف تفاصيل بناء الجيوش، يرفض اليوم أن يكون الحل هو بناء قوة عسكرية جديدة في مواجهة القوة القائمة.
يقول إن لديهم تجارب كبيرة في بناء الجيوش والعمل العسكري، وإنهم كانوا قادرين، في مراحل سابقة، على خوض مثل هذه الخيارات.
لكن القرار الذي انتهوا إليه، بعد قراءة متأنية لتاريخ السودان وتجارب حروبه، هو أن تكوين جيش في ظل الحرب يعني ببساطة أن تصبح جزءاً من الحرب.
وهذا هو الخط الفاصل في موقفه.
فهو لا يرى أن السودان يحتاج إلى طرف عسكري ثالث يضاف إلى أطراف الصراع، وإنما يحتاج إلى إنهاء الحرب نفسها.
لذلك، يقول، ارتفع صوتهم ضد الحرب، «بحّاً وعالياً جداً»، لأنهم يرون أن هذه الحرب لا نهاية لها إلا بالتفاوض.
ثمن يتضاعف
كل يوم إضافي من الحرب، في نظر إسماعيل، يعني فاتورة جديدة.
دماء جديدة.
موارد تُستنزف.
بنية تحتية تُدمّر.
أجيال تتعلم الخوف بدلاً من التعليم.
ومجتمع يتشظى تحت ضغط النزوح والفقر والكراهية.
ولهذا يوجه نداءه إلى الجميع بأن يتوقفوا للحظة، وينظروا إلى السودان الذي يقف الآن أمام خطر التمزق.
يقول إن الوطن أصبح بفعل الحرب مهدداً بالتقسيم والتشظي والدمار، وإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر؟
بل: أي سودان سيبقى بعد أن تنتهي الحرب؟
ذلك هو السؤال الذي يريد إسماعيل أن ينقله من ساحات القتال إلى المجال العام.
فالسودان، في رؤيته، وطن ورثه السودانيون من أجيال سابقة، ولا يجوز أن يورثوه للأجيال الجديدة ممزقاً ومنهكاً ومحملاً بالدماء.
يريد وطناً «صافياً، متعافياً، هادئاً، موحداً»، وطناً يتسع للجميع.
مقبرة التاريخ
ويضع إسماعيل الإسلام السياسي في قلب تفسيره للأزمة.
يقول إن المؤتمر الوطني وواجهاته السياسية هم، في تقديره، أساس الحرب وأساس الدمار، ويذهب إلى أن تجربة الإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي، تقدم درساً ينبغي للعالم أن يتوقف أمامه.
ويستشهد بموجات الهجرة والنزوح التي تدفع المسلمين أنفسهم إلى أوروبا وأمريكا وأستراليا وكندا بحثاً عن الأمان، باعتبارها، من وجهة نظره، نتيجة من نتائج الفشل السياسي لهذا المشروع.
ومن هنا تأتي دعوته إلى مواجهة «مسلك الإسلام السياسي» وإحالته إلى «مقبرة التاريخ»، باعتبار أن إنقاذ السودان، في رأيه، يتطلب التخلص من توظيف الدين في الصراع السياسي على السلطة.
ثم يختصر رؤيته في عبارة تحمل خلاصة مشروعه السياسي:
«الدين لله والوطن للجميع».
البندقية لا تصنع السلام
في نهاية حديثه، يعود إسماعيل إلى الفكرة التي بدأ منها.
هذه الحرب، مهما بلغت ذروتها، لن تنتج سلاماً.
فالبندقية، في تقديره، لا تحل المشكلات السياسية، وإنما تعمّقها.
كل رصاصة تؤجل السياسة، وكل قصف يوسع مساحة الكراهية، وكل انتصار عسكري مؤقت يترك وراءه أسباباً جديدة لجولة أخرى من الحرب.
أما الحوار، فهو الطريق الذي يمكن أن يعيد السياسة إلى الواجهة.
ولهذا لا يتعامل إسماعيل مع الدعوة إلى التفاوض باعتبارها موقفاً مثالياً منفصلاً عن الواقع، بل باعتبارها الطريق الواقعي الوحيد أمام بلد استنزفته الحرب.
ومن هنا تأتي دعوته إلى وحدة القوى المدنية المناهضة للحرب، وإلى تحويل رفض الحرب من مجرد مواقف متفرقة إلى جهد جماهيري واسع، قادر على الضغط على أطراف القتال.
فالسودان، في نظره، لا يحتاج إلى مزيد من البنادق.
يحتاج إلى إرادة سياسية توقفها.
ولا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر بقدر ما يحتاج إلى انتصار السودان على الحرب.
في حديثه، لا يتحدث كمال إسماعيل عن الحرب من مقعد المراقب، ولا ينظر إليها بعين السياسي الذي يكتفي بتسجيل المواقف. يتحدث من داخل تجربة طويلة مع الجيش والسياسة والمعارضة، ومن ذاكرة بلد عرف الانقلابات والحروب، ثم وجد نفسه اليوم أمام حرب تهدد بأن تجعل من السودان نفسه ضحية دائمة.
ولهذا يبدو موقفه حاسماً: لا غالب في هذه الحرب، وإن ظن طرف أنه يقترب من النصر. فحتى الانتصار العسكري، إن حدث، لن يعيد الأرواح التي أُزهقت، ولن يصلح المدن المدمرة، ولن يعيد الملايين إلى بيوتهم، ولن يرمم النسيج الاجتماعي الذي مزقته سنوات القتال.
السؤال، في نهاية المطاف، ليس من يربح المعركة، وإنما من ينقذ السودان.
ومن هنا تأتي دعوته إلى الحوار باعتباره آخر الأبواب المفتوحة قبل أن يصبح التشظي واقعاً لا يمكن إصلاحه. فالسودان، كما يقول، ليس غنيمة يتقاسمها المتقاتلون، ولا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وإنما وطن ورثه جيل عن جيل، وسيحاسب التاريخ أبناء هذا الجيل على ما فعلوه به.
وفي هذه اللحظة، يصبح وقف الحرب أكثر من مطلب سياسي؛ يصبح مسؤولية أخلاقية تجاه شعب دفع من دمه وموارده ومستقبله ثمناً باهظاً لحرب لم يخترها.
وربما تختصر عبارته الأخيرة جوهر الموقف كله: البندقية لا تحل أزمة سياسية، وإنما تعمقها؛ أما الحوار، مهما كان شاقاً ومراً، فهو الطريق الوحيد إلى السلام.
ويبقى السؤال معلقاً أمام السودانيين جميعاً: هل يواصلون حرباً لا يملك أحد فيها مفتاح النهاية، أم يملكون شجاعة إيقافها قبل أن يصبح الوطن نفسه هو الخسارة التي لا يمكن تعويضها؟





