حكاية من بيئتي (41) دهجك.. دهجك.. دهجك

محمد أحمد الفيلابي
يتحاشاه كل من يراه وهو يسعى تحت الجدران، يلتقط القصاصات والأوراق المتطايرة. وحين يحس أن أحد أفراد أسرته يتبعه ليعيده إلى حبسه، يجري فيسبقه إلى هناك، أو يقعي بين الأغنام فتستره. يصفه أهل القرية بالمجنون بعد أن كان العبقري. يكتفون بهزّ رؤوسهم كأنهم يعجزون عن وصف حالته. أما أنا، فما زلت أراه صديقي الذي يمشي في الدنيا بعقلٍ يشبه سِرّاً لا يعرفه إلا هو.
لقّبوه بالمفردة التي لا تفارق لسانه (دهجك)، بعد أن كان الدكتور الجرّاح الشاطر الذي يفوق أقرانه. ينسجون حول تبدل حاله الحكايات. فقد روّج البعض إلى أنه كان يعمل على إحدى الجثث تشريحاً ليقف على سبب الوفاة، فحدّثه الميّت حين كان يكتب السطور الأولى في تقريره، ليكمل الإفادة التي ختمها بأن هذا الميت حي. وقال آخرون إنه تعاطى عقاراً دسّه له زميل حاسد. ويعتقد البعض أن اتقاد ذكائه هو السبب في أنه بدأ يردد كلمات غير مألوفة. وحين بدأ يقول ما لا يُعقل، فصلوه عن عمله، ورموا به في مستشفى الأمراض العقلية ردحاً من الزمن. وخرج منها ليدهج في الطرقات يردد….
«”دهجك…. دهجك…. دهجك… لا تنسى أنك إنسان مستخلف في هذه الأرض. من حقك أن تدهج فيها كيف تشاء.. وأين تشاء.. أغرس قدميك عميقاً في الرمل.. تلتصق الذرات بنعليك وعرق الأقدام.. تضرس خطوتك.. أنفضها.. وتقدم.. امض. لا تخجل من خوضك بين الأوساخ في الشارع، فما في بعض الأدمغة أكثر..»
«دهجك…. دهجك…. دهجك…. تجاوز حقل الأحجار.. أصعد فوق الكتل الصخرية.. وتدلّى حيث الظل بعيداً عن عيونهم.. لا تتعثّر.. احذر أن تزلقك النظرة إلى أبعد.. في هذه اللحظة اجعل شوفك بين القدمين.. وتقدم. أدخل في بيت النهر.. تبترد القدمان فترتاح قليلاً، وقد تحمل أرتالاً من طين لزجٍ.. انزعه اغسلها وامض.. لا تبطئ.»
«دهجك…. دهجك…. دهجك… اعبر هذا الحقل الشوكي.. أعشاب تمسك بخطوتك في جرأة.. توخزك الأشواك.. المعول في كفك انزعها.. لا تترك في يدك المعول مثلوماً، اشحذه بقدرتك على سن الحد ونفخ النار.. هل تذكر؟”»
أتذكر أنه قبل أن يدخل في حالته هذه كان يحدثنا عن تفاصيل صغيرة تعبرنا، لكنه يتوقف عندها، ليستخلص منها دروس حياتية، يحبكها في سرد آسر. حكايات فريدة نحفظها لهذا الخارق العقل حد مفارقة عالمنا (العاقل) كما نظن وندّعي إلى عالمه الخاص، عالم (الدهجي)..
قال مرة..
«”كنت طفلاً أرافق أبي عندما يذهب إلى الحداد ليشحذ أدواته كلما ثلمت جراء الكد اليومي في الحقل. في مرة أشار عليه أحد أولئك الذين ينشرون رؤاهم ومقترحاتهم دون أن يطلبها منهم أحد:
ــ لماذا لا تقتني مَسَنّاً تشحذ به أدواتك بدل أن تذهب في كل مرة إلى هناك، وتدفع في المقابل مالاً أنت أحق به؟
قال أبي فيما يشبه الحنق على هؤلاء الذين يقولون أكثر مما يفعلون…
ــ ومن أين يعيش الحدّاد إن كانت هذه مهنته؟
ثم إنه يملك آلات لمختلف الأدوات من بينها ما يحتاج إلى التسخين.. فهل عليّ أن أقتني حتى الكير؟ خلتني يومها أجلس لمساعدة أبي نافخاً في الكير، فتشتعل النار حتى تزرق، وتسخن الأداة حتى تحمر، إن كانت فأساً أو منجلاً أو سكيناً، فيكنب عليها أبي ضرباً وشحذاً قبل أن يضعها في إناء الماء لتبترد”.»
ذاك كان درساً بليغاً، أستحضره كلما جاء الحديث عن التخصصية وتكامل الأدوار. وحين يعترضني من يقترح عليّ فعلاً لا يستقيم أداؤه وسنن الكون، بما فيه من تعدّد وتنوّع في كل شيء. وشغلتني من بين الأفكار فكرة شحذ الأدوات لينبثق في خاطري السؤال.. إن كان لكل أداة يصنعها الإنسان آلة تشحذها، فهل للعقل الذي يميز الإنسان عما سواه من مخلوقات الله ما يشحذه وينشّطه، وينمّي قدراته على الإبداع والخيال والابتكار؟
يقيني أن التفكّر والتدبّر والتعقّل تبقى بمثابة الشحذ للقريحة، وربط الوجدان بما يغيّر السلوك نحو ما هو أفضل وأرقى وأكثر حكمة. ألم تأتِ أوامر الخالق مسبوقة بـ “ألا” و”أفلا”، دفعاً للغوص والتعمُّق في التفكير، لا الاكتفاء بالسباحة على سطح الرؤى.
يقول بعض العارفين إن “التفكّر يقود الإنسان من موت الفطنة إلى حياة اليقظة.. وأن في التعلُّم انتقال من ضيق الجهل إلى سعة العلم.. وبالتدبّر تنتقل – بإذن الله – من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. والتفكّر عند الصوفية أصل كل طاعة، وهو حافز المرء للعمل. وحياة المرء تبع أفكاره. وما يبدأ بالتأمل والنظر بالبصر الظاهر، حتماً سيقودك إلى أعماق روحك، على أن يتجاوز النظر بالبصر إلى النظر بالبصيرة الباطنة”
وهل يؤدي الإفراط في التفكّر والتدبّر والتعقّل إلى مآل حال صديقنا الذي نفتقده الآن، لتتولّد فينا الأسئلة..
هل هو الذكاء الذي لا يريح الآخرين، حين يضعهم أمام حقائق لا يحبون مواجهتها، من قبيل أن الأذكياء يحتقرون من لا يفهمهم، وإن لم يجهروا بذلك؟
أم أنه استبطان أمر لا وجود له؟
وإلا لماذا يرون أن عليهم أن يبتعدوا خطوات، أو أن يبعدوا الأذكياء عن طريقهم؟
ما بال العباقرة من أمثال التيجاني يوسف بشير يقعون أسرى عوالم تخصهم، الأمر الذي يجعل الآخرين يبعدونهم إلى ما وراء أسوار الاتهام؟
ماذا يحدث لهم خلف أسوار المستشفيات الغامضة؟
هل يستشفون أم أنهم فقط (يرتاحون) من عوالمنا الشائهة؟
صديقي هذا لم يبق هناك كثيراً، وليته بقي، فخروجه المبكّر أوقعه بين أيدي الشيوخ الذين اتهموه بأنه (ممسوس)، وأن في جسده الهزيل شيئاً لابد له من الخروج، فجرّبوا عليه ما يسمّونه علاجاً، وضربوه ضرباً لا يشبه إلا جهلهم، بينما كان هو – بعقله اللامع – أبعد ما يكون عن المسّ، وأقرب ما يكون إلى الإنسان الذي فكّر أكثر مما ينبغي، وصرّح بما يفكر فيه.
أبحث بين أوراقي القديمة عن كتاباته التي كان يبرني بها خلسة حين أزوره، قبل أن يُضرب حوله ذاك السياج، ويُحرَّم علينا الانفراد به. وأظنه لم يعد يكتب، مثلما أنه لم يعرفني في آخر مرة سمحوا لي بزيارته. يومها لحظت دروب السياط على جسده الناحل، وتلك النظرات الخائفة كلما رأى شقيقه الأصغر وقد نُصِّب حارساً له.
قبل سنوات عرضت بعض الكتابات على صديق مشترك تباعد عنا (جغرافياً)، لكنه ظل بيننا (وجدانياً) إلى أن ضرب حول نفسه سياجاً من صمت. فقال لي يومها..
صديقنا هذا (مجذوب)، وأخاف أن ترى أسرته في ذلك جنوناً، فنفقده.
وها قد فقدتهما معاً.. إذ لم يبق لي من ذاك سوى ذكريات لعله دفنها في صقيع الشمال الأوروبي، ومن هذا بقيت لي بعض كتاباته..
«”دهجك…. دهجك…. دهجك….
ستلاقي من يرفض كلماتك قبل قراءتها.. وهذا طبع البعض وعادته.. من يلبس عدسات سوداء..
العالم خلف العدسات سواد قاتم.. بلا أي بريق وضياء.
وهناك من يجهد بحثاً عن خطأ ما، وإن كان صغيراً، لتصبح كل الكلمات في نظره أخطاء.
وهناك من يترك كلماتك ليحدّث عنك.. نشأتك الأولى.. ماضيك.. سقطاتك.. حتى تبدو كلماتك مجرد أهواء.
ما أكثرهم من فلحوا في تسميم الأجواء. ما أفلحهم ساد ة تسميم الأجواء.. وقد تصدم كلماتك إحساس جامد.. مغلق… أو تجد أن هناك من سبقك إلى ذهن الآخر وأسكن فيه الكلمات الخرساء… أفكاراً سوداء.. فانغلق الوجدان”.»
ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي





