عروس مولد

يوسف الغوث
في ذاكرة السودان الجمعية لم تكن حلاوة المولد مجرد حلوى موسمية تعج بها الأسواق في المدن والقرى على حد سواء، بل كانت طقساً وجودياً يمنح البلاد بأكملها نبضاً استثنائياً مع أول هلال من شهر ربيع الأول، حيث كانت الساحات العامة في كل ولاية وكل حي تتحول إلى كرنفالات بشرية بديعة يتجلى فيها تراث السودان الروحي والاقتصادي في آن واحد،
ففي الشمال كان الباعة يتسابقون لنصب خيامهم المزينة بالأضواء الملونة في أسواق دنقلا ومروي، وفي الشرق كانت النساء في كسلا وبورتسودان يتباهين بأصناف الحلوى التي تتفنن في صنعها، وفي الغرب كانت ساحات الفاشر والأبيض تئج بالمارة وهم يتجولون بين حلويات السمسمية والفولية المعروضة، بينما في وسط السودان وأم درمان كانت العرائس الورقية المكسوة بالسكر تتربع على قمم الخيام كملكات متوجات بفساتينهن المبرقشة ووجوههن المصنوعة من ورق الورد الملون،
كان الأطفال في كل بقعة من بقاع هذا الوطن الشاسع يتجمعون حول تلك الخيام يحدقون بعيون واسعة وقد ملأت أيديهم الصغيرة بالحلوى الرخيصة التي تشبه الحصى الملون بينما تضرب الدفوف والطبول على إيقاع المديح النبوي الذي يصدح به الدراويش في مواكبهم الصوفية التي كانت تتحرك من الزوايا والمسيد إلى الساحات العامة بالرايات الخضراء والبيضاء فتغمر البهجة العائلات التي تلتقي هناك وتنسيهم تعب العام بأكمله،
تتشابك رائحة البخور والمسك مع رائحة السمسم المحمص لتحتضن البلاد بأكملها في عناق دافئ يمتد لأسابيع ويوحد بين أبناء الوطن الواحد رغم اتساع المسافات وتعدد اللهجات،
إن هذا المشهد الذهبي الممتد على مساحة السودان الشاسعة لم يدم طويلاً، ففي أبريل من عام ألفين وثلاثة وعشرين باغتت عاصفة الحرب تلك البقاع النابضة بالحياة في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة وكل ولاية كانت تحتضن فرحة المولد، وتحولت مصانع الحلويات ومضارب السمسم إلى ثكنات عسكرية وآليات حربية أو إلى مناطق اشتباكات دمرت كل ما كان قائماً، وصارت الساحات التي كانت تهتز تحت أقدام المداحين تئن تحت وطأة الشظايا والغبار في ولايات الشمال والشرق والغرب على السواء، واختفت أصوات الطبول الكونية التي كانت تداوي جراح المدن والقرى واستبدلت الزغاريد العتيقة بصرير الرصاص وهدير الطائرات المسيرة في سماء كل ولاية كانت تحتفل،
فتفرق شمل العائلات التي كانت تلتقي عند خيام المديح في كل مدينة وقرية وبدأت رحلة التيه الطويلة في فيافي النزوح التي شتت أهل السودان بين ولاياتهم المختلفة وبين مخيمات اللجوء خارج الحدود،
تشتت الصغار مع آبائهم وأمهاتهم في معسكرات الإيواء المكتظة حيث انطفأت الأنوار الملونة التي كانت تزين ساحات البيع وتحولت خيام الفرح في كل مكان إلى أكوام من القماش الممزق والحديد الملتوي، ولم يعد هناك مكان لتلك الطقوس الجميلة لأن المكان نفسه تحول في كل ولاية سودانية إلى خط تماس ونار وميدان قتال، وفي عمق معاناة النزوح حيث تعصف برودة مراكز الإيواء بالأجساد المنهكة في مخيمات تشاد وإثيوبيا، تتجلى مأساة الحرمان الأكثر إيلاماً حين لم يعد الطفل السوداني في أي بقعة من بقاع الوطن يتذوق حلاوة السمسمية التي كانت تملأ جيوبه في عيد المولد، بل صار لسانه لا يلمس سوى طعم الغبار الممزوج بالدموع في الأطباق البلاستيكية أو مرارة الخبز الجاف الذي يتقاسمه مع غرباء في ملاجئ مؤقتة، ومع ذلك تحاول الأمهات السودانيات في كل منفى وكل مخيم بفطرتهن المقاومة استعادة تلك البهجة المسروقة بأي ثمن، فيجلسن في أركان مظلمة من خيام النزوح مع فتات قليل من السكر المدّخر يذبنه في قليل من الماء الدافئ ويعجنه بأصابعهن المرتجفة محاولات تشكيل أقراص صغيرة تذكّر أطفالهن بتلك القلاع السكرية التي كانت تتراص في أسواق مدنهم وقراهم التي هجروها قسراً،
لكن الدموع التي تتساقط على العجين تحيل الحلاوة إلى مرارة وتكشف عن حقيقة مرة تتمثل في أن الفرح الحقيقي لا يُصنع في غياب الأمان ولا يمكن استعادة المذاق الجميل دون دفء الوطن الذي صار اليوم مشتتاً بين قذائف المنظمات والخراب والمنافي،
قد يسأل الصغار بحنين لا يعرفون كنهه، متى سنأكل الحلوى الحقيقية يا أمي؟ متى نعود إلى ساحتنا؟ متى نعود إلى بلدنا؟
فتلتفت الأمهات عن عيونهن الذابلة ويحتضنّ أطفالهن بشدة وكأنهن يحاولن تعويض غياب المذاق المسلوب بدفء صدور ترتجف من الخوف والوحشة، فتلك القطع السكرية البسيطة لم تعد حلوى بل أصبحت جرحاً شفوياً يلدغ الألسنة والقلوب في آن واحد في كل ركن من أركان السودان المنكوب،
أما عروس المولد الورقية أيقونة الطفولة السودانية التي كانت تتمايل بفستانها الملون وسط ضجيج المداحين في ساحات أم درمان والفاشر وكسلا والخرطوم فقد تحطمت أجزاؤها تحت ركام المنازل المنسية في كل مدينة سودانية دمرتها الحرب، وصارت اليوم شظايا ورق مبللة تحت المطر في ساحات مهجورة من الخرطوم إلى نيالا، شاهداً صامتاً على هوية وطنية كانت تُصاغ بالسكر والمحبة في كل ولاية وإقليم فحولتها المدافع إلى غبار يعكسه الضوء القاتل للشظايا،
لقد صمتت الطبول التي كانت تنبض بقلب السودان من أقصاه إلى أقصاه وتحطمت الدفوف التي رافقت الأجيال في أفراحها الروحية في كل زاوية ومسيد، إذ شتتت الحرب الصوفيين بين منافي الأرض أو أوقعتهم تحت نيران القناصة في كل جبهة، ورغم كل هذا الدمار والحرمان الذي طال السودان كله ولم يستثنِ ولاية أو إقليماً يبقى السودانيون يتشبثون بفتات المسرة وذكريات المولد فيقيمون مجالس الذكر المصغرة في مساجد المخيمات في الشرق والغرب والشمال والجنوب ويرفعون أكف التضرع إلى السماء في أن يعود يوم تتصاعد فيه رائحة السمسم المحمص من ساحات السودان كلها من جديد وتعلو ضحكات الأطفال فوق صوت الطبول في كل مدينة وقرية فيلتئم الجرح ويعود للحلوى مذاقها وللطفولة بهجتها وللأرض سلامها المفقود ولوطننا وجهه الذي شوهته الحروب، لكن حتى ذلك الحين تظل حلاوة المولد هناك عالقة في حناجر النازحين السودانيين في كل منفى كجرحٍ جميل ووعدٍ بعيد يرجو عودة الطمأنينة وارتفاع أصوات المداحين من جديد فوق أرض السودان كلها لتطرد عتمة الخراب من كل ولاية وقرية وتعيد إلى الأطفال طعم الفرح الذي سرقته البنادق وإلى عروس المولد بهاءها الذي اغتاله الركام في كل بقعة من بقاع هذا الوطن الجريح.





