لن يزدهر السلام في السودان إلا بعد حظر الأسلحة

بقلم : مايكل والتز ومسعد بولس
انحدر السودان إلى جحيم مستمر منذ سنوات. واليوم، أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فرصة لإنصاف الشعب السوداني، وتذكير نفسه بالهدف الذي أنشئ من أجله: وقف الحروب، وحفظ السلام، وحماية الأرواح. لكن لن يتسنى له تحقيق ذلك إلا إذا أبدى أعضاؤه استعدادهم للارتقاء إلى مستوى مسؤولياتهم.
يشهد السودان أسوأ أزمة إنسانية في العالم. ويحتاج أكثر من 33 مليون شخص إلى مساعدات أساسية، فيما يواجه نحو 19.5 مليون شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، جوعاً حاداً. كما نزح نحو 9 ملايين شخص من ديارهم، وفرّ 4.5 مليون آخرون من البلاد، فيما بلغ عدد الضحايا 150 ألفاً على الأقل. ومع ذلك، لم تثر هذه الكارثة التاريخية سوى همسات محدودة من الاستنكار في بعض أكثر المؤسسات الغربية احتراماً.
ارتكبت قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها جرائم إبادة جماعية، إذ قتلت رجالاً وفتياناً على أساس عرقي، وارتكبت أعمال اغتصاب بحق نساء وفتيات. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 12 مليون امرأة وفتاة سودانية، أي ما يقارب نصف عدد النساء في البلاد، معرضات لخطر العنف الجنسي. كما ارتكبت القوات المسلحة السودانية فظائع مماثلة.
وقُتل أكثر من 130 عاملاً في المجال الإنساني منذ اندلاع الحرب. وينهب كلا الجانبين المساعدات ويمنع وصول الغذاء والإمدادات وغيرها من المواد الأساسية. كما يستخدم الطرفان الوصول إلى المساعدات المنقذة للحياة أداةً للقمع، بما يعرض حياة المستفيدين المحليين للخطر.
والآن، مع اتساع نطاق حرب الطائرات المسيّرة، أصبح بإمكان طرفي النزاع إلحاق مزيد من الأضرار المميتة بسهولة أكبر وبتكلفة أقل.
في العام الماضي، قُتل ما لا يقل عن 2670 شخصاً، بينهم مقاتلون ومدنيون، في هجمات بطائرات مسيّرة، بزيادة بلغت 600% في الوفيات المرتبطة بها خلال عام واحد. وفي الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام وحدها، قتلت الطائرات المسيّرة أكثر من 1000 شخص، أي نحو 80% من وفيات المدنيين خلال تلك الفترة.
وأصبحت الأسواق والمستشفيات والمدارس وطرق إيصال المساعدات أهدافاً لهجمات ينفذها أشخاص لا يرون ضحاياهم حتى.
لم يكن منع العنف الجماعي في السودان أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ومع ذلك لا تزال الأمم المتحدة تعتمد على حظر أسلحة صدر قبل أكثر من عقدين. فقرار مجلس الأمن رقم 1591، الذي فرض حظراً على الأسلحة في دارفور عام 2005، أقدم من هاتف «آيفون» من شركة «آبل»، ناهيك عن الطائرات المسيّرة التي تحلق فوق السودان اليوم.
لقد فشل نهج المجتمع الدولي تجاه السودان في مواكبة الواقع ببساطة.
أولاً، تغيرت ساحة المعركة. فقد امتدت الحرب إلى إقليم كردفان وولاية النيل الأزرق، بينما يتوقف نطاق حظر مجلس الأمن عند دارفور، التي تبعد مئات الأميال عن ساحات القتال الجديدة.
وهناك أيضاً تدخل دولي أسهم، بلا شك، في إطالة أمد الحرب وزيادة الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين. فأكثر من اثنتي عشرة دولة، بدوافع مختلفة، تقدم شكلاً من أشكال الدعم العسكري للأطراف المتحاربة.
كما جرى تجنيد مرتزقة من مناطق بعيدة، بينها كولومبيا، بينما توفر شبكات أجنبية مختلفة الطائرات المسيّرة والأسلحة وقطع الغيار والأموال، فضلاً عن الخبرات.
فالذخائر لا تتوقف، والطائرات المسيّرة لا تسقط من السماء لمجرد عبورها خطوط حظر وهمية على الخرائط، كما عند الانتقال من كردفان إلى دارفور. والمهربون لا يتوقفون عن نقل الأسلحة لمجرد أن مناطق أخرى من السودان تقع خارج نطاق الحظر.
إنهم يتكيفون، تماماً كما فعلت قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية.
لكن الأمم المتحدة لم تتكيف بالسرعة نفسها. فعلى مدى أكثر من 20 عاماً، أبقى مجلس الأمن على الحظر الجغرافي نفسه، رغم أن ساحة المعركة والأسلحة والجهات التي توفرها تغيرت بصورة جذرية.
ولهذا السبب، دعت مجموعة الدول السبع، بما فيها الولايات المتحدة، مجلس الأمن إلى توسيع نطاق الحظر ليشمل جميع أنحاء السودان.
فلنفعل ذلك.
قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار إلى مجلس الأمن لتوسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية، مؤكدة أن العقوبات وتطبيق الدول الأعضاء لهذه القواعد يجب أن يطالا جميع الشبكات التي تسهم في إبقاء الحرب مشتعلة، ومن الجانبين، من دون استثناءات.
ويشمل ذلك تجار الأسلحة، ووكلاء التوريد، ومجندي المرتزقة، والداعمين من الدول، والممولين المعروفين، وموردي الطائرات المسيّرة، وقادة الإبادة الجماعية الذين أفلتوا من العقاب لفترة طويلة.
وقد بدأ بعض أعضاء مجلس الأمن بالفعل في إبداء معارضتهم للقرار أو التلميح إلى الامتناع عن التصويت عليه. وقد يحاول البعض تصوير الحظر على أنه انحياز إلى أحد طرفي الحرب الأهلية في السودان.
وقد يحاول آخرون نفي تورطهم المباشر في السودان، والإشارة بدلاً من ذلك إلى أن تجاراً ووسطاء من القطاع الخاص هم المسؤولون عن تدفق الأسلحة إلى البلاد.
لكن ثمة مفارقة في كلا الموقفين.
فمن جهة، سيشمل الحظر الشامل الجديد قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، وأي جهة أخرى تزود أيّاً من الطرفين بالذخائر. بل إن الترويج للحظر الحالي، رغم ثغراته ونواقصه الواضحة، يكشف أن من يحذرون من «الانحياز» قد تجاهلوا بالفعل حقيقة أن النظام القائم غير متوازن.
ومن جهة أخرى، هناك تناقض واضح في إلقاء المسؤولية على التجار والوسطاء المستقلين باعتبارهم الجناة الحقيقيين، ثم معارضة قرار صُمم تحديداً للوصول إلى هؤلاء.
فإذا كان الممولون والمهربون وشبكات التوريد غير الرسمية هم المسؤولين فعلاً، فليساعدونا في تحديد هوياتهم ومعاقبتهم ومنع تهريب الأسلحة وإغلاق أنشطتهم.
إن حكومة لا تخفي شيئاً، في الواقع، لا ينبغي أن تعترض على مساعدة الأمم المتحدة في مراقبة قنوات الأسلحة التي تدّعي أنها تعمل خارج نطاق سيطرتها، وإغلاقها.

في عهد الرئيس دونالد ترامب، بدأت الولايات المتحدة بالفعل في التحرك، إذ فرضت عقوبات على أفراد وكيانات تسهّل تجنيد المرتزقة والمقاتلين الأجانب وعمليات الشراء وغيرها من أشكال الدعم للحرب.
وينبغي للدول الأخرى أن تحذو حذوها، داخل الأمم المتحدة وخارجها.
ولنجعل هذا القرار معياراً للمساءلة. سيُحاسب أولئك الذين يمزقون السودان على أفعالهم، لكن الدول الأعضاء ستظل مسؤولة عن تنفيذ العقوبات.
وستراقب الأمم المتحدة الانتهاكات، وتحدد الشبكات التي تنقل الأسلحة، وتوثق الجهات التي تنتهك الحظر.
أما الدول الأعضاء، التي تولي أهمية كبيرة للعمل بموجب قرارات الأمم المتحدة الواضحة، فإن هذا القرار سيزيل أي لبس أو ذريعة.
فمع وجود تفويض من مجلس الأمن يدعمها، تستطيع الدول الأعضاء، بل يجب عليها، وقف الشحنات، وتجميد الأصول، وتشديد ضوابط التصدير، واتخاذ إجراءات ضد الشبكات التي تنتهك الحظر.

في نهاية المطاف، يجب على الأطراف المتحاربة في السودان إنهاء الحرب.
ونحن نرى أن ذلك ينبغي أن يبدأ بهدنة إنسانية اقترحتها الولايات المتحدة، إلى جانب آلية تابعة للأمم المتحدة لتقديم المساعدات وتهيئة الظروف أمام عملية سلام أوسع.
وطالما ظل الحصول على الأسلحة أسهل من الحصول على الطعام في السودان، فمن غير المرجح أن تنتصر الحكمة.
ويبدو أن بعض أعضاء مجلس الأمن راضون عن استمرار هذا الوضع. وعلى أي عضو في المجلس يفكر في الامتناع عن التصويت أو التصويت بالرفض، أن يدرك تماماً ما الذي يصوت عليه.
فهذا يعني استمرار الوضع الراهن في السودان وما يترتب عليه من عنف عشوائي.
وفي أحسن الأحوال، فإن من يستخدمون حق النقض أو يمتنعون عن التصويت يتجاهلون قصف الطائرات المسيّرة للمستشفيات والأسواق، ومنع وصول المساعدات إلى العائلات الجائعة، وملايين الأبرياء الذين يدفعون ثمن التدخل الجيوسياسي للآخرين.
وفي أسوأ الأحوال، ينبغي على من يستخدمون حق النقض أو يمتنعون عن التصويت أن يجيبوا عن سؤال واضح: لماذا تساعدون وتحرضون أولئك الذين يدمرون السودان وشعبه ومستقبله، من كلا الجانبين؟
لا مستقبل للسودان رهيناً بالبندقية
لا يحق لقوات الدعم السريع ولا للقوات المسلحة السودانية حكم السودان بعد انتهاء هذه الحرب.
فقد ارتكبت القوتان فظائع بحق الشعب السوداني، وفقدتا شرعيتهما السياسية.
ولا يمكن أن يكون مستقبل السودان رهناً بأي فصيل مسلح يبقى قائماً بعد انتهاء الحرب.
بل يجب أن ينبع هذا المستقبل من حوار مدني مستقل وذي مصداقية، يمنح الشعب السوداني نفسه، لا من يملك أكبر قدر من السلاح أو أخطر الطائرات المسيّرة، حق تقرير مصيره.
لن تسمح الولايات المتحدة بسنة أخرى من الانحدار إلى الجحيم. وسنراقب، نحن والعالم، من يقف مع الشعب السوداني ومن يقف ضده.
==========
مايكل والتز هو سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة. وقد شغل سابقاً منصب ممثل الولايات المتحدة عن ولاية فلوريدا ومستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما خدم في الجيش الأمريكي ضمن القوات الخاصة، وحصل على أوسمة قتالية.
مسعد بولس مستشار رفيع المستوى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون العرب والأفارقة، ويقدم المشورة للرئيس بشأن الدبلوماسية الإقليمية، ويقود المشاركة الأمريكية في عدد من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية الرئيسية، بما في ذلك الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى